وكالات/ الاقتصادية
تشهد إسبانيا نشاطاً واسعاً لحملات المقاطعة ضد إسرائيل، حيث لم تعد العلاقات الاقتصادية بين إسبانيا وإسرائيل تُدار بمنطق الأرقام والمصالح التجارية وحدها، بل باتت أسيرة تداخل معقّد بين السياسة والقانون والأخلاق.
فمنذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت هذه العلاقات مرحلة إعادة تشكّل غير مسبوقة، تحت ضغط المواقف الإسبانية الرسمية المنتقدة للسياسات الإسرائيلية، وتداعيات قضية التجسس ببرنامج "بيغاسوس"، إلى جانب تحركات قضائية طاولت شركات إسرائيلية داخل إسبانيا.
ورغم أن هذه العوامل لم تدفع نحو قطيعة اقتصادية شاملة، فإنها فرضت قيوداً ملموسة وأعادت ترتيب أولويات التعاون، ولا سيما في القطاعات الحساسة المرتبطة بالدفاع والتكنولوجيا.
وتكشف البيانات الرسمية عن تراجع نسبي في زخم التبادل التجاري منذ عام 2023، مقارنة بذروة الصادرات الإسبانية إلى إسرائيل في 2022، من دون أن يصل ذلك إلى حد الانهيار.
ووفق معطيات معهد التجارة الخارجية الإسباني، بلغت الصادرات الإسبانية إلى إسرائيل عام 2024 نحو 1.722 مليار يورو، مقابل واردات بقيمة 906 ملايين يورو، ما منح مدريد فائضاً تجارياً يقارب 1.1 مليار يورو.
ورغم انخفاض الواردات الإسرائيلية بنسبة 6.6%، واصلت الصادرات الإسبانية حضورها في القطاعات المدنية، مثل الصناعات الغذائية والسلع الصناعية والخدمات، في وقت اعتمدت فيه الشركات الإسبانية العاملة في السوق الإسرائيلية نهجاً أكثر حذراً، تحسباً لتداعيات سياسية وقانونية مستقبلية.
وكان قطاع الصناعات الدفاعية الأكثر تضرراً من التحول السياسي في مدريد. فقد ألغت الحكومة الإسبانية أو عدّلت عقوداً عسكرية مع شركات إسرائيلية تُقدّر قيمتها بنحو 1.2 مليار دولار، تحت ضغط الأحزاب اليسارية المشاركة في الائتلاف الحاكم، إلى جانب تصاعد الاحتجاجات الشعبية الرافضة لأي تعاون عسكري في ظل الحرب على غزة.
وشملت الصفقات الملغاة اتفاقية شراء منظومة راجمات الصواريخ الإسرائيلية PLUS (SILAM)، إضافة إلى عقود تتعلق بصواريخ مضادة للدبابات. ورغم تسجيل صادرات دفاعية إسبانية محدودة خلال 2023 وبدايات 2024، فإن الحكومة أوقفت لاحقاً إصدار أي تراخيص جديدة، ولم تُسجَّل صفقات كبرى منذ تدخلها المباشر في الملف. كما بات تصنيف بعض الصادرات العسكرية السابقة ضمن "مواد غير قاتلة" محل مراجعة سياسية وأخلاقية، انسجاماً مع الخطاب الإسباني القائم على احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وزاد ملف التجسس ببرنامج "بيغاسوس" تعقيد المشهد، بعدما أعلنت محكمة إسبانية مطلع الشهر الجاري إغلاق التحقيق للمرة الثانية في اختراق هواتف مسؤولين إسبان، بينهم رئيس الحكومة ووزراء، بسبب عدم تعاون السلطات الإسرائيلية منذ عام 2022. وانتقد القاضي المسؤول هذا السلوك، معتبراً إياه إخلالاً بالالتزامات الدولية، ما انعكس سلباً على الثقة الثنائية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والأمن السيبراني، التي تقوم بطبيعتها على مستويات عالية من التعاون والشفافية.
ولعبت الضغوط الداخلية دوراً محورياً في إعادة رسم السياسة الاقتصادية الإسبانية تجاه إسرائيل. فبعد اعتراف مدريد بدولة فلسطين وتصاعد الانتقادات الشعبية، تبنّى البرلمان مواقف تدعو إلى تقييد تجارة السلاح مع إسرائيل. ورغم عدم إقرار تشريع شامل يمنع التعاون العسكري، فإن الضغط السياسي والشعبي أدى عملياً إلى تجميد أو إلغاء الصفقات الأكثر إثارة للجدل، كما فتح نقاشاً أوسع حول ربط أي تعاون اقتصادي باحترام القانون الدولي.
في المحصلة، يبدو أن العلاقات الاقتصادية بين مدريد وتل أبيب تتجه نحو نموذج يقوم على الحذر والانتقائية. فالتعاون في القطاعات المدنية مرشح للاستمرار، لكنه سيظل هشاً وقابلاً للتأثر بأي تصعيد سياسي جديد. في المقابل، يُتوقع أن تعيد إسبانيا توجيه استثماراتها الدفاعية والتكنولوجية نحو بدائل محلية أو أوروبية، مع تركيز متزايد على الاستخدامات المدنية.
وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، تشكّل الاتفاقيات التجارية الأوروبية - الإسرائيلية عامل توازن يحدّ من احتمالات القطيعة الشاملة، من دون أن يلغي تأثير المواقف الوطنية، وفي مقدمتها الموقف الإسباني. وهكذا، تقف العلاقات الاقتصادية بين البلدين عند مفترق طرق، حيث لم تعد التجارة بمنأى عن السياسة، بل أصبحت إحدى ساحات الصراع غير المعلنة.

