اليوم الخميس ٠٥ مارس ٢٠٢٦م

كيف أعادت الحرب على إيران ترتيب أولويات الإنفاق؟

أمس, ١٠:٣٣:٥٣ م
الحرب على إيران
الاقتصادية

تُعيد الحرب الدائرة على إيران صياغة المشهد الاقتصادي في المنطقة بما يتجاوز تقلبات أسعار النفط، لتفرض نمطا من "اقتصاد التوقعات" الذي يسبق الأرقام الرسمية ويؤثر فيها.

وتُظهر التغطيات والتقارير الصحفية كيف انتقلت المخاطر سريعا من الجبهة العسكرية إلى أسواق الطاقة والشحن والتأمين، إذ ارتفعت أسعار النفط وأقساط التأمين البحري مع تصاعد احتمالات اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز.

وفي هذه البيئة يتحول القلق الجيوسياسي إلى سلوك اقتصادي ملموس، إذ تميل الأسر إلى الادخار الوقائي، وتلجأ الشركات إلى التسعير الاستباقي، بينما تراقب المصارف السيولة وسلوك الودائع، في وقت تشير فيه دراسات صندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع عدم اليقين يرفع الادخار الخاص ويضغط على الاستهلاك والاستثمار حتى قبل وقوع صدمة مادية مباشرة.

من "خطر الحرب" إلى "سلوك السوق المالي"

رفعت الحرب على إيران علاوة المخاطر الجيوسياسية، ثم نقلتها الأسواق إلى أسعار الطاقة والشحن والتأمين، ومن ثم تعيد الأسر ترجمتها إلى قرارات يومية.

وتعكس تحركات أسواق الطاقة حجم القلق المتصاعد؛ إذ ارتفع خام برنت بنحو 17% ليصل إلى نحو 83.8 دولارا للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى قرابة 77 دولارا، واتسع الفارق بين الخامين إلى نحو 8 دولارات، وهو أعلى مستوى منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2022، في إشارة إلى تسعير الأسواق لمخاطر الإمداد واضطراب مسارات الشحن في الخليج.

وفي الوقت نفسه ارتفعت عقود الديزل الأمريكية بنحو 14% وقفزت عقود البنزين بنحو 5%، فيما صعدت أسعار الغاز في أوروبا وآسيا، مما يعكس انتقال صدمة الطاقة سريعا عبر سلاسل الإمداد قبل أن تظهر آثارها على أسعار التجزئة.

مضيق هرمز "مولّد القلق الاقتصادي"

وتُكثّف الحرب على إيران حساسية الاقتصاد العالمي تجاه مضيق هرمز، لأن الأسواق العالمية لا تنتظر الإغلاق الكامل كي تعيد التسعير. وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت في 2024 نحو 20 مليون برميل يوميا، بما يعادل قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، كما أن نحو 30% من النفط الخام المنقول بحرا يمر عبر المضيق، وهو ما يعني أن أي تهديد للممر يرفع علاوة المخاطر فورا.

وتعد هذه الأرقام مثل "محرّك نفسي" للسوق، لأنها تُحوّل خبر الحرب إلى احتمال اقتصادي قابل للترجمة، من حيث ارتفاع كلفة التأمين وكلفة الشحن، وتوسّع فروقات الأسعار، ثم انتقال أثر ذلك إلى المستهلك.

التأمين البحري.. إضافة الخوف إلى الفاتورة

وترفع الحرب على إيران الكلفة في نقطة شديدة الحساسية عادة ما تبقى خلف الكواليس، وهي سوق التأمين وإعادة التأمين في النقل البحري. وتشير تقارير منشورة في 3 مارس/آذار 2026 إلى أن لجنة الحرب المشتركة في سوق لندن (Joint War Committee)، وهي هيئة تضم ممثلين عن شركات التأمين البحري في سوق لويدز وتختص بتحديد المناطق المصنفة عالية المخاطر للسفن، وسّعت نطاق "المناطق عالية المخاطر" في الخليج لتشمل مياها قريبة من دول في المنطقة مع تصاعد الحرب.

وقد دفع هذا التصنيف شركات التأمين إلى رفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن إلى نحو خمسة أضعاف، وهو ما يرفع كلفة تشغيل الناقلات ويضيف ضغوطا إضافية على سلاسل الإمداد العالمية للسلع والطاقة.

وتذكر وكالة رويترز أن الحرب عطلت الشحن عالميا، وتركت ناقلات عالقة أو متضررة، ودفعت أسعار الشحن بين الشرق الأوسط والصين إلى مستوى مرتفع هو الأعلى في أكثر من ست سنوات، مما يجعل فاتورة النقل وحدها عملا محفزا للتضخم.

وتكشف رويترز أيضا أن أمريكا درست مقترحا لتقديم دعم لتأمين ناقلات النفط وتسهيل شحنات الخام من الشرق الأوسط، وهو مؤشر على أن مشكلة التأمين لم تعد هامشية، بل أصبحت عقدة تشغيلية تهدد التدفقات.

الذهب والدولار.. التحوّط يسبق الاستهلاك

ويدفع اتساع الحرب على إيران الأفراد إلى البحث عن "أصول يقينة" عندما تتراجع قابلية التنبؤ في الأسواق. فقد تجاوز سعر الذهب يوم 29 يناير/كانون الثاني 2026 مستوى 5,500 دولار للأونصة محققا مكاسب تفوق 20% منذ بداية العام، في ظل تصاعد التوترات العسكرية المرتبطة بإيران وتراجع الدولار.

كما أن أسعار الذهب تضاعفت أربع مرات في العقد الأخير، مدفوعة بتزايد عدم اليقين العالمي والتوترات الجيوسياسية التي تعزز الطلب الاستثماري على المعدن.

ويترجم هذا التحول نفسيا واقتصاديا عندما يدفع الأسر إلى تحويل جزء من مدخراتها نحو الذهب أو العملات الصعبة بدل إنفاقها على السلع المعمرة، مما يضغط على الطلب المحلي ويعيد توجيه السيولة من "اقتصاد السلع والخدمات" إلى "اقتصاد التحوّط".

الادخار الوقائي.. حين ينسحب الطلب بهدوء

ويُنتج الخوف الجيوسياسي سلوكا تقليديا في الاقتصاد السلوكي معروفا بالادخار الوقائي. وتُظهر ورقة لصندوق النقد الدولي أن ارتفاع عدم اليقين الماكرو اقتصادي يدفع القطاع الخاص إلى زيادة الادخار بصفته "وسادة ضد الصدمات"، وهو ما ينعكس عادة على الحساب الجاري ويضغط على الطلب الداخلي.

وتُحلل مادة أخرى لصندوق النقد آثار عدم اليقين على اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتربط ارتفاعه بانخفاض الاستثمار والاستهلاك عبر قناة الثقة وتراجع القدرة على التخطيط.

  • يدفع الأسر إلى تأجيل قرارات شراء كبيرة مثل السيارات والأجهزة والعقارات.
  • يدفعها أيضا إلى رفع السيولة المتاحة أو تحويلها إلى أصول "أكثر أمانا".

ويُصبح الأثر الكلي خطيرا عندما يتوسع سلوكيا؛ إذ يضغط على مكوّن الاستهلاك الخاص، الذي يغذي النمو في عدد من الاقتصادات العربية، حتى إن بقيت الإمدادات الفعلية تعمل دون انقطاع كبير.

الأساسيات تتقدم والمعمّر يتراجع

ويُعيد القلق الناتج عن الحرب على إيران ترتيب أولويات الإنفاق، ويُسرّع الأفراد شراء السلع الأساسية عندما يخشون ارتفاع أسعارها أو نقصا مؤقتا فيها، بينما يؤجلون السلع المعمرة لأنهم يعتبرونها أقل إلحاحا وأكثر ارتباطا بمستقبل دخل غير مضمون.

ويخلق هذا التحول نتيجتين اقتصاديتين متناقضتين ظاهريا لكنهما متسقتان سلوكيا:

  • يرفع الطلب القصير الأجل على الأساسيات ويضغط على الأسعار المحلية سريعا.
  • يُضعف الطلب على المعمّر ويخفض نمو قطاعات التجارة المعمرة والخدمات المرتبطة بها.

ويُعطي هذا التبدّل للسياسات العامة إشارة مبكرة، حيث لا يتحرك الاقتصاد فقط عبر الصدمات المادية، بل يتحرك عبر "توقعات الناس" قبل كل شيء.

 

القلق يضغط على العملة

ويدفع الخوف في فترات الحروب الأفراد إلى التحوّط بالعملة الصعبة عندما يشكّكون في استقرار العملة المحلية أو يخشون تسارع التضخم. ويخلق هذا المسار ضغطا إضافيا على سوق الصرف، خصوصا في الاقتصادات التي تعاني أصلا من هشاشة ميزان المدفوعات أو محدودية الاحتياطيات.

وتعمل الدولرة غير الرسمية كإشارة إنذار لأنها تُضعف فعالية السياسة النقدية وتزيد حساسية الأسعار لتقلبات العملة.

وتتضاعف المشكلة عندما تُغذّي قناة الطاقة هذه الضغوط؛ إذ ترفع صدمات النفط والغاز كلفة الواردات، ثم تُحوّلها إلى تضخم مستورد، ثم تدفع الأفراد إلى مزيد من التحوط بالدولار، فتتسع الحلقة.

التضخم.. هل يتحول القلق إلى عامل ذاتي؟

ويرفع القلق الاقتصادي احتمال تحوّل التضخم إلى ظاهرة "مدفوعة بالتوقعات" لا بالعرض فقط، وتُقدّم تحذيرات صناع السياسات في أوروبا مثالا واضحا. فقد نقلت رويترز عن كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي أن حربا طويلة مرتبطة بإيران قد ترفع التضخم وتخفض النمو، وأن صدمة دائمة في أسعار النفط قد ترفع التضخم بنحو 0.5 نقطة مئوية وتخفض النمو بنحو 0.1 نقطة مئوية وفق تقديرات في تقارير سابقة للبنك.

وينتقل هذا الأثر إلى اقتصادات المنطقة عبر مسارين رئيسيين:

  • يرفع تضخم الطاقة كلفة النقل والإنتاج ويضغط على الأسعار النهائية.
  • يدفع توقع ارتفاع الأسعار الأفراد إلى شراء مبكر للسلع الأساسية، فيضيف ضغطا على الأسعار من جانب الطلب.

ويجعل هذا القلق التضخم أشد عنادا، لأن السوق لا تنتظر وقوع الصدمة كي تتصرف، بل تتصرف لأن الصدمة "ممكنة".

الدولار يمثل أحد الملاذت الآمنة في أوقات الأزمات (غيتي)

المصارف والسيولة.. أين تظهر الإشارات أولا؟

تتلقى المصارف الإشارات مبكرا عندما يزداد تحويل الودائع إلى عملة صعبة أو ترتفع السحوبات النقدية أو تتغير آجال الادخار. وتدفع هذه المؤشرات السلطات النقدية إلى تشديد التواصل وإظهار الجاهزية عبر أدوات السيولة وخطوط التمويل الطارئ، لأن إدارة التوقعات تصبح هنا سياسة اقتصادية بحد ذاتها.

وتبرز أهمية هذه النقطة بعد أن رفعت الحرب على إيران وتيرة الشائعات المالية عبر المنصات الرقمية، وزادت حساسية الجمهور لأي خبر عن الشحن أو الوقود أو العملة، وسرعت قرارات التحوط الفردية.

منصات التواصل.. الأخبار تسرع دورة الخوف

وتُسرّع البيئة الرقمية انتقال القلق من السياسة إلى الاقتصاد، لأنها تُعيد تدوير الأخبار والسيناريوهات بشكل لحظي، وتُضخم الرسائل السلبية، وتُنتج سلوك "العدوى التوقعية".

وتدفع هذه الآلية الأفراد إلى اتخاذ قرارات مالية دفاعية متزامنة، فتتحول من قرارات فردية إلى موجة تؤثر على السوق.

وهكذا لا تنتقل آثار الحروب إلى الاقتصاد عبر النفط والممرات البحرية فقط، بل عبر التوقعات وسلوك الناس أيضا، إذ يبدأ أثر الصدمة في العقول قبل أن يظهر في الأرقام