بقلم/ محمود القشاش
لم يعد رمضان في غزة موسماً روحياً واجتماعياً فحسب، بل تحوّل بفعل الحرب إلى اختبار اقتصادي قاسٍ لقدرة الأسرة الفلسطينية على البقاء. فبين الدخل المنهار والأسعار المتضخمة وانقطاع سلاسل الإمداد، يعيش المجتمع الغزي معادلة قاسية: تكلفة المعيشة ترتفع بسرعة، بينما القدرة الشرائية تتآكل إلى مستويات غير مسبوقة.
الحرب لم تدمّر البنية التحتية فقط، بل أصابت القلب الاقتصادي للمجتمع. فقد انهارت قطاعات الإنتاج الزراعي والغذائي، وتوقفت آلاف المنشآت الصغيرة، وتقلصت فرص العمل إلى أدنى مستوياتها. في ظل هذا الواقع، أصبح متوسط الدخل الشهري للأسرة في غزة لا يتجاوز نحو 1680 شيكلاً في أفضل التقديرات، بينما يعيش أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر.
لكن الأزمة الحقيقية تظهر عندما نضع هذا الدخل في مواجهة الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء. فخلال العامين الأخيرين ارتفعت أسعار العديد من السلع الأساسية بشكل صادم:
الخضروات ارتفعت بنسبة 150٪
كذلك اللحوم بأنواعها
البيض بنحو 137%،
الزيوت النباتية والدجاج بنسب تجاوزت 50%.
هذه الأرقام تعكس واقعاً اقتصادياً خطيراً: الحرب أعادت تشكيل سوق الغذاء في غزة، حيث أصبح العرض محدوداً بفعل القيود على دخول البضائع وتراجع الإنتاج المحلي، بينما يظل الطلب مرتفعاً بسبب الكثافة السكانية والاحتياجات اليومية.
في شهر رمضان تتضاعف هذه الضغوط. فتكلفة إفطار بسيط لأسرة مكونة من ستة أفراد تصل اليوم إلى نحو 150 شيكلاً يومياً، بينما تبلغ تكلفة السحور قرابة 30 شيكلاً. أي أن الأسرة تحتاج إلى حوالي 181 شيكلاً يومياً فقط لتأمين وجبتين بسيطتين.
وعند حساب هذه التكلفة على مدار شهر كامل، نجد أن إنفاق الطعام في رمضان وحده يقترب من 5400 شيكل. هذا الرقم يكشف حجم الاختلال الاقتصادي: دخل الأسرة الشهري لا يغطي سوى ثلث احتياجاتها الغذائية في رمضان.
ولا يتوقف الضغط عند هذا الحد. فمع اقتراب عيد الفطر، تبرز التزامات اجتماعية إضافية يصعب على الأسر تجاهلها. ملابس الأطفال، والحلويات، ومصاريف الزيارات العائلية قد تضيف ما بين 1100 إلى 2000 شيكل أخرى إلى ميزانية الأسرة.
وهكذا تتحول المعادلة الاقتصادية إلى صورة أكثر قسوة:
تكلفة رمضان والعيد قد تصل إلى 6500–7500 شيكل، في حين أن متوسط الدخل الشهري لا يتجاوز 1680 شيكلاً. أي أن الأسرة الغزية تحتاج إلى أربعة أضعاف دخلها تقريباً لتجاوز هذا الموسم.
هذه الفجوة ليست مجرد أرقام، بل تعكس تحولاً خطيراً في بنية الاقتصاد المحلي. فمع تراجع الإنتاج وانكماش فرص العمل، أصبحت الأسر تعتمد بشكل متزايد على المساعدات الإنسانية، أو الديون العائلية، أو تقليص استهلاك الغذاء نفسه. وفي اقتصاد يعاني أصلاً من هشاشة مزمنة، فإن استمرار هذه الحالة يهدد بخلق جيل كامل يعيش تحت ضغط الفقر الغذائي المزمن.
الحرب في غزة لم تكن حدثاً عسكرياً فقط، بل تحولت إلى صدمة اقتصادية مركبة ضربت كل حلقات الدورة الاقتصادية: الإنتاج، والتجارة، والدخل، والاستهلاك. وفي قلب هذه الصدمة تقف الأسرة الفلسطينية، تحاول أن تحافظ على الحد الأدنى من الكرامة الاجتماعية في موسم يفترض أن يكون موسماً للفرح والتكافل.
رمضان في غزة اليوم ليس مجرد شهر للصيام، بل هو مرآة قاسية للحرب؛ حرب لم تترك آثارها على الأرض فحسب، بل امتدت إلى موائد الناس وقدرتهم على تأمين أبسط احتياجاتهم. وفي ظل استمرار هذا الواقع، يبقى السؤال الاقتصادي الأهم: إلى متى تستطيع الأسرة الغزية الصمود أمام معادلة الدخل المنهار والأسعار المتفجرة؟

