غزة/ الاقتصادية
ينتظر الأطفال قدوم العيد على أحر من الجمر، ليعيشوا تفاصيله الجميلة، بكل ما فيه من عيديات وفسح لأماكن ترفيهية، إلا أن عيد الفطر الحالي جاء لينغص عليهم فرحتهم ويشوه معالمه التي اعتادوا عليها، بسبب استمرار تداعيات الحرب الإسرائيلية، والحصار الاقتصادي الخانق.
فالأطفال هذا العيد، افتقدوا لفرحة العيد خاصة "العيدية" التي يجمعونها من الأهل والأقارب والمعارف، فكان عيداً "مفلساً" للكثير منهم بسبب أزمة الكاش والفكة، جراء أزمة السيولة النقدية التي يكابدها سكان قطاع غزة .
أزمة فكة
فأزمة الفكة والكاش في القطاع بلغت حداً كبيراً لا يطاق، حيث تسبب منع إدخال العملات الجديدة وتدمير البنوك في ندرة الشيكل، فيما يرفض التجار والمواطنين التعامل مع العملات التالفة والمهترئة، الأمر الذي فاقم الأزمة وحرم الأطفال والكبار من العيدية .
وخلق الحصار الاقتصادي على القطاع أزمة كبيرة في الشيكل، خاصةً على صعيد العملات الورقية المتداولة من بينها فئة 20 شيكل، التي باتت مهترئة وتالفة، ويرفض التجار قبولها، مما خلق أزمة حقيقية في التعاملات اليومية، التي فشلت البدائل الالكترونية في حلها.
تقول المواطنة سمر عبد الحكيم: "لم يعد العيد فرحة بالنسبة للأطفال، خاصةً وأنهم حرموا من أهم طقوسه وهي العيدية، فأطفالي اعتادوا على الحصول على العيدية من الأعمام والأخوال، لكنهم في هذا العيد لم يحصلوا عليها بسبب أزمة الكاش والفكة".
وتضيف عبد الحيكم: على الرغم من أن الأهل دفعوا العيدية تطبيق إلا أن هذا الأمر لم يشعر الأطفال بالعيدية، فحصولهم على الشيكل هو ما يشعرهم بالفرحة، خاصةً أنهم لا يستطيعون الشراء بحرية وارتبطوا بتطبيق أو محفظة الأهل وهو ما ينغص عليهم الفرحة.
الطفل خالد مهدي( 14 عاماً)، يشعر بالضيق والحزن بسبب عدم قدرته على اللعب على "ترامبولين" نظراً لأن صاحبها لا يقبل التعامل بالتطبيق البنكي، ويرفع الدفع عبره للأطفال، وهو ما حرمه من اللعب كغيره من الأطفال.
وأشار إلى أن أقاربه لم يتمكنوا من توفير "كاش" لدفع العيديات والأغلب دفع لوالدته عبر التطبيق وهو ما جعله يشعر بحزن وقهر خلال العيد ولم يستمتع به مثل كل عام قبل أن تحل الحرب.
أزمة مفتعلة
ويقول الصحفي الاقتصادي أحمد أبو قمر إن أزمة الفكة في قطاع غزة ليست أزمة اقتصادية بحتة، بل أزمة "مفتعلة ذات أبعاد سياسية"، مشيرًا إلى أنه لا يوجد شح حقيقي في العملة بحد ذاته، وإنما قيود مفروضة تتحكم بتدفق السيولة بجميع فئاتها.
ويوضح أبو قمر، في تصريح صحفي، أن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد منع إدخال السيولة النقدية، إلى جانب تعطيل القطاع المصرفي والمالي، والترويج للسوق السوداء حيث بات هذا القطاع في قبضة قلة من التجار، وصفهم بـ"تجار الحروب"، الذين يتحكمون بتداول النقد ويرفضون استقبال فئات مختلفة، مثل الطبعات القديمة والعملات التالفة والمهترئة، بما في ذلك فئات العشرة والعشرين شيكلًا.
ويرى أن هذه الممارسات تندرج ضمن سياسة منهجية تهدف إلى التنغيص على المواطنين، وزيادة الأعباء الاقتصادية عليهم، مشيرًا إلى أن الأزمة تسببت بخسائر مباشرة للمواطنين، تجلت في بيع مبالغ من الفكة بقيمة 70 أو 80 شيكلًا مقابل 100 شيكل ورقية، إلى جانب معاناة واسعة في تصريف العملات التالفة.
ولفت إلى أن هذه الظواهر تأتي في سياق ما وصفه بـ"حرب الإبادة الاقتصادية" التي تشنها (إسرائيل) على قطاع غزة منذ أكثر من عامين، ضمن سياسة تهدف إلى إنهاك السكان ودفعهم نحو التهجير، التي تنادي بها حكومة اليمين المتطرفة.
ويشير إلى أن تخزين الفكة وبيعها بأسعار أعلى يمثل مظهرًا من مظاهر "السوق السوداء"، ويعد مؤشرًا على تدهور الوضع الاقتصادي، لا سيما في القطاع المصرفي، موضحًا أن تحول العملة نفسها إلى سلعة تُباع وتُشترى يعكس مستوى غير مسبوق من الانحدار الاقتصادي في أسواق قطاع غزة.
وفيما يتعلق بالدفع الإلكتروني، يوضح أبو قمر أنه رغم التوسع الملحوظ في استخدامه، إلا أنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن النقد الورقي في قطاع غزة، نظرًا لطبيعة الواقع الاجتماعي والاقتصادي، مشيرًا إلى أن الاعتماد على الدفع الإلكتروني كان محدودًا للغاية قبل حرب الإبادة، بينما يشهد اليوم توسعًا ضمن ما يُعرف بـ"الشمول المالي".
ويؤكد أن شريحة واسعة من السكان لا تمتلك الثقافة المالية أو الأدوات اللازمة للتعامل مع الدفع الإلكتروني، فضلًا عن وجود قطاعات كاملة لا تزال تعتمد على النقد، وتشترط الفكة في تعاملاتها اليومية، ما يزيد من تعقيد الأزمة ويزيد حدتها.

