رام الله/ الاقتصادية
منذ بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تلقيه من ظلال ثقيلة على الاقتصاد العالمي والإقليمي، بدأ أثر القلق يتسلل إلى سلوك المستهلكين في الأسواق المحلية الفلسطينية.
يعاني المواطن الفلسطيني انخفاضا ملموسا في قدرته الشرائية حتى قبل التصعيد الأخير، نتيجة أزمات متراكمة تشمل تذبذب صرف رواتب الموظفين وتوقف معظم العمال عن العمل في الداخل المحتل.
وخسر السوق الفلسطيني نحو 9 مليارات دولار نتيجة انقطاع الموظفين عن أعمالهم منذ بدء حرب الإبادة على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
حالة انكماش للاقتصاد
قال الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة إن الاقتصاد الفلسطيني يمر بحالة انكماش حاد نتيجة تداعيات الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تبعها من تصعيد عسكري، إلى جانب التوترات الإقليمية التي ألقت بظلالها على مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأوضح عفانة أن المؤشرات الاقتصادية شهدت تراجعاً ملحوظاً، أبرزها انخفاض الناتج المحلي الإجمالي وارتفاع معدلات البطالة التي وصلت إلى نحو 46%، إضافة إلى تراجع واضح في دورة الأعمال، خاصة في قطاع غزة، وانعكاس ذلك أيضاً على الضفة الغربية.
وأشار إلى أن نحو 52% من الشركات في شمال الضفة الغربية المحتلة، لا سيما في مدن جنين وطولكرم، أغلقت أعمالها أو قلصت نشاطها، في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية المتدهورة، مؤكداً أن فقدان نحو 200 ألف عامل فلسطيني لوظائفهم بالداخل المحتل، أثر بشكل مباشر على قرابة مليون فلسطيني كانوا يعتمدون على هذه الدخول.
الأزمة المالية
وفيما يتعلق بالأزمة المالية، لفت عفانة إلى استمرار احتجاز أموال "المقاصة"، ما فاقم أزمة السيولة لدى الحكومة برام الله، وأثر على صرف رواتب الموظفين العموميين ومستحقات الموردين، مشيراً إلى أن الموظفين لا يتقاضون رواتب كاملة منذ سنوات، وهو ما عمّق من حالة الركود الاقتصادي. وبيّن أن أزمة الوقود وارتفاع أسعاره كان لها أثر كبير على مجمل الحياة اليومية، خاصة مع اعتماد السوق الفلسطينية على استيراد المحروقات من الشركات "الإسرائيلية"، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والسلع المرتبطة بالطاقة، بما في ذلك قطاع البتروكيماويات.
وفي سياق الأمن الغذائي، أوضح عفانة أن الوضع لا يزال مستقراً نسبياً حتى الآن، مع توفر مخزون من السلع التموينية يكفي لفترة تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر، لافتاً إلى أن الارتفاعات الأكبر تتركز في أسعار الطاقة ومشتقاتها، بينما تبقى أسعار السلع الأساسية ضمن مستويات مقبولة.
وحذر من أن استمرار التوترات الإقليمية أو حدوث اضطرابات في الممرات البحرية الحيوية، مثل باب المندب، قد يؤدي إلى تعطيل سلاسل التوريد العالمية ورفع تكاليف الاستيراد والنقل، ما سينعكس بدوره على أسعار السلع في فلسطين والمنطقة.
وأكد عفانة أن أي انفراجة في الأوضاع الإقليمية قد تسهم في خفض أسعار الوقود، وبالتالي التخفيف من الضغوط التضخمية، مشدداً في الوقت ذاته على أن استمرار الأوضاع الحالية يُبقي الأفق الاقتصادي غير واضح، مع توقعات بارتفاع تدريجي في أسعار بعض السلع المرتبطة بالنقل والطاقة خلال الفترة المقبلة.
أزمات اقتصادية
من جهته، حذّر الاختصاصي الاقتصادي د. هيثم دراغمة من تداعيات السياسات المالية الحالية، مؤكدًا أن المواطن لم يعد قادرًا على تحمّل أعباء إضافية في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة.
وأكد أن معالجة الأزمات الاقتصادية يجب أن تقوم على حلول هيكلية، تشمل تحسين كفاءة الإنفاق العام، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، ومكافحة التهرب الضريبي. ودعا إلى تبني سياسات اقتصادية أكثر عدالة واستدامة، توازن بين احتياجات الحكومة وقدرة المواطن، محذرًا من أن استمرار النهج الحالي قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية خلال الفترة المقبلة.

