وكالات/ الاقتصادية
مع إعلان تنفيذ هدنة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، تتجه الأنظار إلى سؤالٍ أكثر تعقيداً: ماذا بعد الحرب؟
فبينما قد يؤدي وقف إطلاق النار إلى تهدئة مؤقتة في أسعار الطاقة، تشير تحليلات خبراء الطاقة والمؤسسات الدولية إلى أن الأزمة الحقيقية قد تستمر فترة أطول، مدفوعة بأضرار البنية التحتية، وتغير حسابات المخاطر، وخلل عميق في توازن أسواق النفط والغاز.
تراجعت أسعار النفط بقوة وقفزت الأسهم وتراجع الدولار اليوم الأربعاء، بعد إعلان هدنة لمدة أسبوعين في الشرق الأوسط، ما أطلق موجة ارتياح في الأسواق مدفوعة بآمال استئناف تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز.
وجاءت هذه التطورات بعد أسابيع من التقلبات الحادة والاضطرابات الجيوسياسية، عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في نهاية فبراير شباط، التي دفعت التوترات إلى حافة التصعيد، مع إقدام طهران فعلياً على خنق الممر البحري الاستراتيجي الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز عالمياً.
انخفضت العقود الآجلة للخام الأميركي بنحو 15% لتصل إلى 96.31 دولار للبرميل، كما تراجعت عقود خام برنت بنحو 13% إلى 95.36 دولار للبرميل.
تحول هيكلي في أسواق الطاقة
يرى ديفيد جوربناز، الخبير في سوق النفط ومحلل اسواق النفط في ICIS، أن ما يحدث يتجاوز كونه أزمة مؤقتة، مؤكداً أنه مع بدء تنفيذ هدنة الحر لمدة أسبوعين، لن يعيد الأسواق إلى طبيعتها سريعاً، حيث إن الأضرار التي لحقت بمنشآت الغاز الطبيعي المسال في قطر، وخاصة مجمع رأس لفان، قد تستغرق سنوات لإصلاحها، وهو ما يضع قيوداً طويلة الأمد على الإمدادات العالمية.
وأضاف جوربناز أن ما تغيّر فعلياً هو تصور المخاطر في السوق، حيث أثبتت إيران قدرتها على التأثير المباشر في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة الطاقة العالمية، ما يعني أن علاوة المخاطر الجيوسياسية أصبحت جزءاً دائماً من تسعير الطاقة.
مضيق هرمز.. من ممر آمن إلى نقطة اختناق
أحد أبرز التحولات التي فرضتها الأزمة هو تغير مكانة مضيق هرمز في النظام العالمي للطاقة، فبعد أن كان ممراً مستقراً نسبياً لعقود، أصبح الآن نقطة اختناق استراتيجية يمكن أن تعطّل الإمدادات العالمية في أي لحظة.
ويحذّر جوربناز، الخبير في سوق النفط ومحلل اسواق النفط في ICIS، من أن استمرار إغلاق المضيق أو حتى تهديده سيجبر الأسواق على إعادة تسعير النفط والغاز عند مستويات أعلى بكثير، مشيراً إلى سيناريو متشدد قد يدفع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل، وهو مستوى غير مسبوق تاريخياً.
صدمة الأسعار.. بين الهبوط المؤقت والارتفاع الهيكلي
على الجانب الآخر، أظهرت الأسواق استجابة سريعة لأي بوادر تهدئة، فقد أوضح كبير المحللين ورئيس قسم الأبحاث في Global Risk Management، ارن لوهمان راسموسن، أن إعلان هدنة لمدة أسبوعين أدّى إلى تراجع أسعار خام برنت من نحو 110 دولارات إلى 94 دولاراً خلال ساعات، مع انخفاض حاد في أسعار المنتجات النفطية.
ويقول راسموسن، إن هذا التراجع لا يعكس بالضرورة نهاية الأزمة، إذ لا تزال الأسعار أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، عندما كان النفط يتداول بين 60 و70 دولاراً للبرميل، ويعكس ذلك استمرار ما يُعرف بعلاوة المخاطر، التي تضاف إلى الأسعار نتيجة عدم اليقين.
مفاوضات هشة ومشهد ضبابي
ويرى كبير المحللين ورئيس قسم الأبحاث في Global Risk Management، أنه على الرغم من الحديث عن هدنة، لا تزال الصورة غير واضحة؛ فبينما تشير تقارير إلى قبول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الدخول في مفاوضات على أساس مقترحات إيرانية، تبقى نقاط الخلاف الجوهرية قائمة، خاصة فيما يتعلق بالسيطرة على مضيق هرمز، وتعويضات الحرب، والوجود العسكري في المنطقة، كما أن هناك تضارباً في التصريحات حول آلية إعادة فتح المضيق، حيث تتحدث إيران عن مرور منظم للسفن تحت إشرافها، بينما تطالب الولايات المتحدة بعودة فورية وكاملة للملاحة، وهو ما يزيد تعقيد المشهد الطبيعة غير المتوقعة للسياسات الأميركية، ما يجعل أي اتفاق محتمل عرضة للانهيار أو التغيير المفاجئ.
اضطرابات الإنتاج وسحب المخزونات
وتعكس بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية حجم الصدمة في السوق، حيث قُدّرت إغلاقات الإنتاج بنحو 9.1 مليون برميل يومياً في أبريل 2026، قبل أن تنخفض إلى 6.7 مليون برميل يومياً في مايو مع تحسن تدريجي.
كما أدّت هذه الاضطرابات إلى سحب نحو 5.1 مليون برميل يومياً من المخزونات العالمية خلال الربع الثاني، وهو ما يزيد هشاشة السوق ويقلل قدرته على امتصاص الصدمات المستقبلية.
توقعات الطلب والأسعار
رفعت إدارة معلومات الطاقة توقعاتها لسعر خام برنت إلى متوسط 96 دولاراً للبرميل في 2026، مع ذروة عند 115 دولاراً في الربع الثاني، قبل أن تتراجع الأسعار تدريجياً إلى أقل من 90 دولاراً بنهاية العام.
لكن الأهم هو تأثير الأسعار المرتفعة على الطلب، حيث خفّضت الإدارة توقعاتها لنمو الطلب العالمي إلى 0.6 مليون برميل يومياً في 2026، مقارنة بـ1.2 مليون برميل يومياً في تقديرات سابقة.
وتتركز تخفيضات الطلب بشكل رئيسي في آسيا، نتيجة ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات، ما يدفع الحكومات إلى تقليل الاستهلاك وتقييد الصادرات.
تداعيات اقتصادية أوسع
لا تقتصر آثار الأزمة على أسواق الطاقة فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي. فارتفاع أسعار الوقود يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما ينعكس في معدلات تضخم أعلى، ويزيد من مخاطر الركود التضخمي.
كما أن نقص الإمدادات قد يؤثر في قطاعات حيوية مثل الصناعة والغذاء، خاصة إذا امتد التأثير إلى منتجات أخرى مثل الأسمدة.
تشير هذه المؤشرات كلها إلى أن العالم دخل مرحلة جديدة في أسواق الطاقة، حيث لم تعد الاستقراريات القديمة قائمة. فحتى في حال انتهاء الحرب، ستظل الأضرار الهيكلية، وتغير سلوك المستثمرين، وارتفاع علاوة المخاطر، عوامل تضغط على الأسعار.

