غزة - خاص الاقتصادية:
في قلب مخيم البريج وسط قطاع غزة، وبينما كانت "سلامة القريناوي" تخطط لمستقبلها الأكاديمي، عصفت آلة الحرب بكل أحلامها، فلم تعد سلامة اليوم تحمل قلماً ودفتر، بل تمسك بـ "فأس" ومجرفة، بعد أن تحولت من طالبة جامعية إلى المعيلة الوحيدة لأسرتها إثر استشهاد والدها وتدمير منزلهم بالكامل.
سلامة، التي لم تتجاوز ربيعها العشرين، وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام مسؤولية كبرى. غارة إسرائيلية لم تدمر جدران بيتها فحسب، بل غيبت سندها الأول (والدها).
ومع انعدام سبل العيش وتوقف الحياة التعليمية، اختارت سلامة "الأرض" لتكون ملاذها الأخير.
تقول سلامة وهي تواصل غرس الشتلات في التربة المجهدة: “لم يكن العمل في الزراعة خياري، بل كان قدري. تركت دراستي لأن الجوع لا ينتظر انتهاء الحرب، ولأن الأرض هي الصديق الوحيد الذي لم يخذلنا رغم كل الدمار.”
قصة سلامة ليست مجرد حالة فردية، بل هي مرآة لواقع زراعي منهك في قطاع غزة. لقد استهدفت الحرب العمود الفقري للأمن الغذائي الفلسطيني، مما خلق تحديات غير مسبوقة، بينها تدمير البنية التحتية، حيث تشير التقارير إلى تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، واستهداف مباشر للبيوت البلاستيكية (الدفيئات) وشبكات الري وآبار المياه.
كما تواجه الزراعة خطراً طويل الأمد يتمثل في تلوث التربة بمخلفات المتفجرات والمواد الكيميائية، مما يؤثر على جودة المحاصيل وصلاحيتها.
بالإضافة إلى ذلك هناك نقص حاد في البذور، الأسمدة، والمبيدات الحشرية، بالإضافة إلى الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود اللازم لتشغيل مضخات المياه.
وبينما تمسح سلامة القريناوي عرق التعب عن جبينها، تؤكد أن زراعة شتلة واحدة في ظل الدمار هي رسالة تحدٍ للعالم. إن حكاية سلامة ليست مجرد تقرير عن المعاناة، بل هي صرخة لإنقاذ ما تبقى من القطاع الزراعي في غزة، الذي يمثل خط الدفاع الأخير ضد المجاعة وسلاح التجويع.

