اليوم الجمعة ٠٨ مايو ٢٠٢٦م

لماذا يواصل الشيكل صعوده رغم الحرب؟

أمس, ١٠:٤٣:١٨ م
أرشيفية
الاقتصادية

بقلم/ نضال محمد الرنتيسي

 

في الوقت الذي يفترض فيه المنطق الاقتصادي التقليدي أن الحروب تُضعف العملات المحلية وتدفع المستثمرين نحو الهروب، يواصل الشيكل الإسرائيلي تسجيل مستويات قوة غير مسبوقة أمام الدولار، حتى وصل إلى حدود لم يشهدها منذ عقود.

هذا المشهد دفع كثيرين إلى التساؤل:

كيف ترتفع قيمة الشيكل بينما تعيش المنطقة حالة اضطراب أمني وسياسي واقتصادي معقّد؟

 

الحقيقة أن ما يحدث لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتيجة تداخل عدة عناصر مالية ونقدية وسياسية في آنٍ واحد.

 

أولًا، لا بد من فهم أن سعر صرف العملات لم يعد مرتبطًا فقط بالاقتصاد الحقيقي أو بالحروب الميدانية كما كان في السابق، بل أصبح يتأثر بشكل كبير بحركة رؤوس الأموال العالمية وأسواق التكنولوجيا والاستثمار المالي.

 

إسرائيل تمتلك قطاع تكنولوجيا ضخمًا يعتمد على تدفقات مالية بالدولار من الشركات العالمية وصناديق الاستثمار.

وعندما تدخل هذه الأموال إلى السوق الإسرائيلي، يتم تحويل جزء كبير منها إلى الشيكل لدفع الرواتب والاستثمارات المحلية، ما يرفع الطلب على العملة ويقويها.

 

إضافة إلى ذلك، فإن تراجع الدولار عالميًا خلال الأشهر الأخيرة لعب دورًا مهمًا في تعزيز الشيكل، إذ إن قوة الشيكل ليست منفصلة تمامًا عن ضعف العملة الأمريكية نفسها أمام عدة عملات حول العالم.

 

عامل آخر لا يقل أهمية يتمثل في سياسة بنك إسرائيل المركزي، الذي اختار حتى الآن عدم التدخل المباشر والعنيف في سوق العملات.

ففي كثير من الدول، تتدخل البنوك المركزية لمنع الارتفاع المبالغ فيه للعملة المحلية حفاظًا على الصادرات والصناعة، لكن إسرائيل تبدو أكثر ميلًا لترك السوق يتحرك بحرية في هذه المرحلة.

 

ورغم أن الشيكل القوي يمنح الحكومة الإسرائيلية بعض المكاسب، مثل تخفيف التضخم وتقليل تكلفة الاستيراد، إلا أن الصورة ليست إيجابية بالكامل.

 

فالقطاعات التصديرية بدأت تشعر بضغط واضح، لأن المنتجات الإسرائيلية تصبح أكثر كلفة في الأسواق العالمية عندما ترتفع قيمة الشيكل.

كما أن شركات التكنولوجيا التي تتقاضى إيراداتها بالدولار وتدفع نفقاتها بالشيكل تتأثر بشكل مباشر بتراجع سعر الدولار.

 

لهذا السبب، بدأت أصوات داخل الأوساط الاقتصادية الإسرائيلية تحذر من أن “الشيكل القوي أكثر من اللازم” قد يتحول من نقطة قوة إلى عبء اقتصادي حقيقي إذا استمر لفترة طويلة.

 

لكن السؤال الأهم يبقى:

هل يعكس ارتفاع الشيكل قوة اقتصادية حقيقية أم أنه نتيجة ظرف مالي مؤقت؟

 

بعض المحللين يرون أن ما يحدث أقرب إلى “فقاعة مالية” مرتبطة بحركة المضاربات والاستثمارات قصيرة الأجل أكثر من كونه تعبيرًا عن قوة اقتصادية مستقرة.

فأي تصعيد أمني كبير، أو هروب للاستثمارات الأجنبية، أو تدخل مفاجئ من البنك المركزي، قد يغيّر المشهد بسرعة.

 

في النهاية، يبدو أن الشيكل اليوم لا يتحرك فقط وفق قواعد الاقتصاد التقليدي، بل وفق معادلة أكثر تعقيدًا تتحكم بها الأسواق العالمية، والتكنولوجيا، والسياسة النقدية، وحركة رؤوس الأموال العابرة للحدود.

 

ولهذا، فإن قراءة المشهد تحتاج إلى هدوء بعيدًا عن التفسيرات السطحية أو الأحكام السريعة؛ لأن الاقتصاد الحديث لم يعد دائمًا يعكس ما يحدث على الأرض بشكل مباشر، بل كثيرًا ما يسبق الواقع… أو يتجاهله مؤقتًا.