اليوم الاثنين ١٨ مايو ٢٠٢٦م

دراسة تُحذر: قيود المصارف في غزة تدفع نحو "اقتصاد موازٍ" وتآكل الثقة بالنظام المالي

أمس, ٦:٥٠:١٦ م
النظام المالي
الاقتصادية

 غزة – الإقتصادية/ في وقت يتصاعد فيه الجدل داخل قطاع غزة حول أزمة تجميد الحسابات المصرفية وانعكاساتها المعيشية القاسية في ظل تفاقم شح السيولة، أصدر "المركز الفلسطيني للدراسات السياسية" ورقة بحثية معمقة تسلط الضوء على أبعاد هذه الأزمة البنيوية وسياسات الامتثال في ظل اقتصاد الحرب.

الورقة التي أعدها الباحث خالد أبو عامر، وجاءت بعنوان "تجميد الحسابات المصرفية في غزة: مفارقة الثقة وفجوة الامتثال في اقتصاد الحرب"، قدمت تحليلاً يربط بين الاقتصاد المؤسسي والسياسات العامة، كاشفة عن تناقضات حادة تضرب عمق الاستقرار المالي للمواطنين.

مفارقة الأرقام: ثقة اضطرارية يقابلها تقييد

تُبرز الدراسة مفارقة رقمية صارخة؛ إذ قفزت ودائع سكان قطاع غزة في المصارف من 1.7 مليار دولار قبل الحرب إلى نحو 4.2 مليار دولار حالياً. هذا التضاعف الكبير لا يعكس انتعاشاً اقتصادياً، بل يمثل لجوءاً اضطرارياً من المواطنين للنظام المصرفي باعتباره "الملجأ الآمن الوحيد" لحماية مدخراتهم من ويلات الحرب والنزوح.

ومع ذلك، تُشير الورقة إلى أن المنظومة المصرفية قابلت هذه الثقة بإجراءات تقييد وتجميد واسعة طالت مئات الحسابات تحت لافتة "الامتثال للمعايير الدولية"، مما خلق فجوة حادة وحرم آلاف الأسر من الوصول لأموالهم في أشد لحظاتهم ضعفاً وهشاشة.

مجموعة بنك فلسطين.. مركزية الثقل وتأثير القرار

وتوقفت الورقة عند الدور المحوري لـ"مجموعة بنك فلسطين"، كونه يستحوذ على أكثر من 36% من إجمالي الحسابات المصرفية الفلسطينية، حيث قفز عدد حسابات المجموعة من 700 ألف حساب عام 2021 إلى 1.5 مليون حساب حالياً.

ونتيجة لهذا التركز المالي الحاد، تؤكد الدراسة أن أي قرار بتجميد الحسابات داخل المجموعة لا يبقى مجرد إجراء إداري فردي، بل يتحول فوراً إلى "حدث نظامي مؤثّر" يمس الاستقرار المعيشي والاجتماعي لشريحة واسعة جداً من سكان القطاع.

أدوات الامتثال التقليدية تقرأ "استراتيجيات البقاء" كأنها "أنشطة مريبة" تُحلل الدراسة جوهر الأزمة البنيوية، موضحاً أن نماذج المخاطر المصرفية الدولية تعاني من عجز في "قراءة وفهم اقتصاد الحرب". فظواهر مثل (تأجير الحسابات، الاعتماد الجماعي على التحويلات الإنسانية عبر رقم IBAN واحد، وتوسع المعاملات غير الرسمية) هي في حقيقتها استراتيجيات تكيف حتمية فرضتها ندرة النقد وظروف النزوح، وليست مؤشرات على أنشطة غير مشروعة، لكن خوارزميات الامتثال التقليدية تصنفها بشكل خاطئ كـ "مخاطر عالية" تستوجب التجميد.

نتائج عكسية: انتعاش السماسرة وتآكل المنظومة

وخلصت الورقة البحثية إلى أن الإفراط في سياسات التجميد أدى إلى نتائج عكسية تماماً لما يطمح إليه النظام الرقابي، حيث أسفرت عن:

توسع "الاقتصاد الموازي" غير الخاضع للرقابة.

اضطرار المواطنين للجوء إلى سماسرة السيولة غير الرسميين، مما رفع تكلفة الحصول على النقد.

تآكل الثقة المجتمعية بالنظام المصرفي على المدى البعيد، مما يضعف فاعلية الرقابة المالية نفسها.

خارطة طريق: من تجنب المخاطر إلى التكيف

وفي ختام الورقة، صاغ الباحث حزمة توصيات عملية تقوم على منطق الانتقال من "تجنب المخاطر عبر التقييد" إلى "إدارة المخاطر عبر التكيّف"، وجهها لثلاث جهات رئيسية:

الجهة المستهدفةالتوصية الإجرائية
سلطة النقد الفلسطينيةتطوير بروتوكولات امتثال مرنة تراعي ظروف الحرب، وإنشاء آلية طوارئ سريعة لمعالجة شكاوى التجميد.
المصارف (وعلى رأسها بنك فلسطين)التخلي عن سياسة "التجميد الفوري والمفاجئ"، والاستعاضة عنها بنهج الإشعار المسبق والشفافية الإجرائية.
الجهات المالية الدوليةمراعاة خصوصية البيئة الاقتصادية الاستثنائية في غزة، والحد من مخاطر الإفراط في الامتثال.

 

من جانبه، أكد "المركز الفلسطيني للدراسات السياسية" أن إصدار هذه الورقة يأتي في سياق جهوده البحثية المتواصلة لتفكيك التحولات الاقتصادية والسياسية في فلسطين، وتقديم قراءات موضوعية تدعم صناع القرار والباحثين في صياغة استجابات وسياسات أكثر واقعية وفاعلية لخدمة المجتمع.