اليوم الجمعة ٢٢ مايو ٢٠٢٦م

تطبيق “يبوس” بثير التساؤلات.. حل مؤقت للحكومة أم أداة جديدة لإدارة الأزمة المالية

اليوم, ١:٣٦:٥٤ م
تعبيرية
الاقتصادية

أعلنت الحكومة رسميًا عن تطوير تطبيق مالي جديد يحمل اسم “يبوس”، يهدف إلى تمكين موظفي القطاع العام من تسديد فواتير الخدمات الأساسية عبر محفظة إلكترونية، في خطوة تعكس توجهًا نحو حلول مالية غير تقليدية للتعامل مع أزمة السيولة المتفاقمة وصرف الرواتب المنقوصة منذ سنوات، محاولة منها لمواجهة واحدة من أعمق الأزمات المالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية في تاريخها، 

 

وزير المالية والتخطيط سطيفان سلامة أعلن عن الانتهاء من تطوير تطبيق “يبوس” للهواتف الذكية، على أن يتم إطلاقه بشكل تجريبي خلال شهر حزيران المقبل، تمهيدًا لإتاحته أمام موظفي القطاع العام للاستفادة من خدماته.

 

ويهدف التطبيق، وفق ما أعلنته وزارة المالية، إلى تمكين الموظفين وعائلاتهم من دفع فواتير الكهرباء والمياه والاتصالات والإنترنت من خلال محفظة مالية إلكترونية، على أن يتم توسيع نطاق الخدمات مستقبلًا ليشمل مجالات إضافية.

 

وتقوم فكرة التطبيق على منح الموظف رصيدًا ماليًا افتراضيًا يُستخدم لتسديد الالتزامات الأساسية، بينما تجري الحكومة في المقابل عمليات تقاص وتسوية مالية مع البلديات وشركات الكهرباء والمياه والاتصالات، خاصة أن هذه المؤسسات تمتلك أصلًا التزامات مالية متبادلة مع الحكومة تتعلق بالكهرباء والمياه والضرائب.

 

وبحسب الآلية المطروحة، فإن قيمة الفواتير التي يدفعها الموظفون عبر التطبيق ستُخصم لاحقًا من المستحقات المالية المتراكمة لهم نتيجة صرف نسب من الرواتب خلال السنوات الماضية، وليس من الراتب الشهري الحالي، وفق ما تفيده المؤشرات الأولية.

 

ويأتي إطلاق “يبوس” بعد أسابيع من تسريبات وتقارير صحفية تحدثت عن توجه داخل وزارة المالية لتطوير محفظة إلكترونية للموظفين العموميين، في ظل استمرار أزمة الرواتب واحتمال انخفاض نسب الصرف خلال الفترة المقبلة.

 

وكانت معلومات متداولة قد أشارت في وقت سابق إلى اجتماعات مكثفة عقدتها وزارة المالية مع جهات فنية ومزودي خدمات، بهدف استكمال الترتيبات التقنية والتعاقدية الخاصة بالمشروع، تمهيدًا لإطلاقه تجريبيًا.

 

وتسعى الحكومة من خلال هذه الخطوة إلى تخفيف الضغط النقدي المباشر عن الموظفين، وضمان استمرار وصول الخدمات الحيوية للأسر الفلسطينية، في ظل أزمة مالية خانقة مرتبطة باقتطاعات إسرائيل من أموال المقاصة وتراجع الدعم الخارجي.

 

وتُقدّر قيمة الأموال التي تحتجزها إسرائيل من المقاصة بأكثر من 5 مليارات دولار، وهي مبالغ تقول الحكومة إنها كانت كفيلة بتغطية نحو 70% من التزاماتها المالية.

 

ويبلغ عدد موظفي القطاع العام في فلسطين نحو 146 ألف موظف، فيما تتجاوز فاتورة الرواتب الشهرية 620 مليون شيقل، الأمر الذي يضع الحكومة أمام تحديات مالية متصاعدة منذ سنوات.

 

ورغم الترحيب الحذر بالفكرة، يرى مراقبون أن نجاح تطبيق “يبوس” مرهون بقدرة الحكومة على إقناع الشركات المزودة للخدمات بالانخراط في آلية التقاص الجديدة، في ظل ارتفاع المخاطر المالية المرتبطة بالحكومة وتأخر سداد الالتزامات.

 

كما يطرح مختصون عدة تساؤلات تتعلق بآلية التطبيق، من بينها كيفية التعامل مع خدمات الدفع المسبق مثل الكهرباء، وما إذا كان سيكون هناك سقف محدد للمبالغ التي يمكن استخدامها عبر المحفظة، إضافة إلى طبيعة الخصومات وآلية احتسابها.

 

وتبرز أيضًا تساؤلات حول ما إذا كانت المحفظة الإلكترونية تمثل حلًا مؤقتًا للتخفيف من الأزمة الحالية، أم أنها تتجه لتكون جزءًا من سياسة مالية طويلة الأمد في إدارة التزامات الحكومة تجاه الموظفين.

 

وفي المقابل، يعتقد بعض المراقبين أن الحكومة كان بإمكانها البدء بتطبيق الفكرة داخليًا عبر تسديد الالتزامات الحكومية المباشرة، مثل رسوم الترخيص أو مستحقات البلديات والضرائب، باعتبارها أقل تعقيدًا من الناحية الفنية والتنفيذية قبل التوسع نحو القطاع الخاص.

 

كما يشير مراقبون إلى أن القطاع المصرفي وبعض شركات الخدمات لا يزال يتعامل بحذر مع أي ترتيبات مالية جديدة مرتبطة بالحكومة، بسبب الأزمة الحالية وارتفاع مستوى المخاطر، رغم وجود تقديرات بأن بعض الشركات قد توازن بين هذه المخاطر ودورها الاجتماعي والوطني.

 

ويؤكد متابعون أن الإعلان الرسمي عن التطبيق يشكل خطوة مهمة، لكنه لا يزال بحاجة إلى تفاصيل واضحة حول آليات العمل والتنفيذ، لضمان عدم تكرار تجارب سابقة أُعلن خلالها عن تسهيلات للموظفين لكنها واجهت صعوبات وإشكاليات عند التطبيق.

 

وبين الحاجة الملحة لحلول تخفف الأعباء المعيشية عن الموظفين، والتحديات المالية والقانونية التي تواجه الحكومة، يبقى تطبيق “يبوس” اختبارًا جديدًا لقدرة السلطة الفلسطينية على ابتكار أدوات بديلة لإدارة أزمتها المالية الممتدة.