اليوم السبت ٢٧ يونيو ٢٠٢٦م

خطة إسرائيلية لمضاعفة العمالة الأجنبية بعد إقصاء العمال الفلسطينيين

اليوم, ٩:٣٩:٢٥ ص
أرشيفية
الاقتصادية

غزة/ الاقتصادية

تشهد البنية الهيكلية لقطاع العمالة الوافدة في دولة الاحتلال الإسرائيلي تحولات جذرية غير مسبوقة أعادت صياغة مشهد الهجرة وسوق العمل وسد الفراغ المهني. وتأتي هذه التغيرات المتسارعة في أعقاب قرار الحكومة الإسرائيلية بتجميد دخول ما يقارب 80 ألف عامل فلسطيني بشكل شبه كامل منذ معركة طوفان الأقصى في 7 أكتوبر/ تشرين الثاني 2023، والذي جاء بالتزامن مع المغادرة الفورية لآلاف العمال الأجانب نحو بلدانهم الأصلية هرباً من التدهور الأمني الحاد. هذا الوضع الاستثنائي وضع قطاعي البناء والزراعة، اللذين يشكلان عصب الإنتاج اليومي، أمام أزمة وظيفية خانقة هددت بانهيار كامل للمشاريع الحيوية ومخططات التوسع العمراني.

 

ولتدارك هذا الشلل الاقتصادي، سارعت دولة الاحتلال إلى تبني سياسة طارئة قضت برفع الحد الأقصى لعدد العمال الأجانب المسموح باستقدامهم ليتجاوز 336 ألف عامل، وهو ما يعادل أكثر من ضعف المستويات المسجلة قبل الأحداث الأخيرة. وقد قفز هذا الإجراء الاستثنائي بأعداد الأجانب المقيمين في دولة الاحتلال إلى مستوى تاريخي يتجاوز 200 ألف شخص. إلا أن محاولة ترجمة هذه السياسة على أرض الواقع اصطدمت بتعقيدات بيروقراطية ولوجستية بالغة الصعوبة، مما أدى إلى تباطؤ شديد في وتيرة التعافي الاقتصادي ومراوحة الكثير من المشاريع مكانها.

 

فشل استبدال العمالة الفلسطينية

 

في سياق رصد هذا التخبط الإداري، تضمن التقرير الشامل الذي أصدره مراقب دولة الاحتلال، ماتانياهو إنجلمان، مراجعة دقيقة لأنشطة الأجهزة الحكومية المعنية؛ حيث خلص التقرير بوضوح إلى أن القفزة الكبيرة في حصص العمالة الوافدة جرت الموافقة عليها على عجل ودون تنظيم مؤسسي من قِبل اللجان المختصة، فضلاً عن غياب دراسة حقيقية للتداعيات الديموغرافية والاجتماعية بعيدة المدى جراء هذا الاعتماد الكثيف على الأيدي العاملة الأجنبية.

 

وبينما نجح القطاع الزراعي في تحقيق استقرار نسبي مدفوعاً بالعودة التدريجية للعمال التايلانديين، ظل قطاع التشييد والبناء ينزف خسائر فادحة جراء الفشل في سد الفجوة التي تركها العامل الفلسطيني.

 

ولم تفلح المحاولات الرسمية المستمرة لاستبدال العمالة الفلسطينية ببدائل مستوردة من الهند، وسريلانكا، وأوزبكستان، ومولدوفا في تحقيق الاختراق المطلوب، حيث تسير عمليات الاستقدام ببطء شديد يعكس الهوة الشاسعة بين القرارات السياسية والقدرة التنفيذية للمؤسسات. وتتركز أبرز الاعتراضات داخل أروقة قطاع المقاولات في فشل مسار التعاقد المباشر بين الحكومات، إذ يؤكد كبار المقاولين ووكالات التوظيف أن أعداداً ضخمة من العمال الوافدين عبر هذا المسار يفتقرون تماماً للمهارات المهنية والخبرات الفنية اللازمة لإنجاز أعمال البناء المعقدة، مما انعكس سلباً على معدلات الإنتاجية الإجمالية وتسبب في تأخير تسليم المواقع والوحدات السكنية.

 

معضلة العمال الهاربين وظاهرة الأسواق الموازية

 

وتتضاعف الأزمة الاقتصادية مع تفاقم ظاهرة "العمال الهاربين" التي باتت تؤرق أصحاب العمل والشركات الكبرى، وتتمثل في قيام عمال استثمرت فيهم الدولة والشركات مبالغ طائلة لتغطية تكاليف استقدامهم واختبارهم بالفرار من مواقع عملهم الرسمية فور وصولهم، منتقلين للعمل في أسواق موازية وغير خاضعة للرقابة الحكومية بحثاً عن أجور يومية أعلى.

 

ورغم أن المسؤولية القانونية لتتبع هؤلاء وإعادتهم لبلدانهم تقع على عاتق سلطة السكان والهجرة وعبر شرطة الهجرة، فإن الواقع يشير إلى عجز شبه كامل في تحجيم الظاهرة نتيجة للقلة الحادة في أعداد المفتشين الميدانيين الذين لا يتجاوز عددهم مائة وخمسين مفتشاً، وسط وعود رسمية باستيعاب مائة وعشرين آخرين في محاولة للسيطرة على وجود نحو خمسة وأربعين ألف عامل غير شرعي يتوزعون في مناطق مختلفة.

 

وفي المقابل، تدافع بعض الجهات في دولة الاحتلال عن هذا الوجود الأجنبي الكثيف باعتباره يساهم بفعالية في تحريك عجلة الاقتصاد ولا يشكل عبئاً اجتماعياً مقارنة بملفات طالبي اللجوء من دول أخرى. ومع ذلك، يرى خبراء ومطلعون أن استمرار فتح الحصص واستقدام شركات تنفيذ أجنبية دون إجراء مسح منهجي وتنظيمي للعمال الموجودين بالفعل في البلاد يمثل هدراً للموارد وتعميقاً للأزمة، خصوصاً وأن مقترحات سابقة قدمتها الهستدروت للمساعدة في فرز وتدريب وتوجيه العمال الحاليين لمواءمتهم مع احتياجات السوق قوبلت بالرفض التام من قبل الجهات الحكومية المعنية.

 

مليون عامل بحلول 2027 

 

وتكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن الدوائر الحكومية عن طموح استراتيجي هائل يسعى للوصول إلى استيعاب مائة ألف عامل إضافي بحلول عام 2027، يضاف إليهم 26 ألف عامل مخصصين حصرياً لمشروع قطار الأنفاق "المترو" المصنف كمشروع وطني استراتيجي. 

وتعكس هذه البيانات حجم التحول الكبير في بنية قطاع البناء الإسرائيلي، الذي يضم حالياً نحو مائتين وخمسة وعشرين شركة مرخصة لتوفير العمالة، إلى جانب إحدى عشرة شركة بناء أجنبية كبرى تعمل بوصفها وحدات إنتاجية متكاملة تجلب معها عمالها ومديريها ومعداتها الثقيلة دون الاعتماد على السوق المحلي.

 

ويثير هذا التوسع في نموذج شركات البناء الأجنبية المتكاملة حفيظة النقاد والمهنيين في دولة الاحتلال، الذين يحذرون من تداعيات وخيمة تطاول المهندسين، والمشرفين، والموردين الإسرائيليين نتيجة إقصائهم من سلسلة الإنتاج.

 ورغم الدفوعات الحكومية التي تؤكد أن هذا الإغراق يهدف لخفض أسعار العقارات الكارثية وسد النقص الحاد في الأيدي العاملة دون المساس بفرص عمل المهندسين والمصممين الإسرائيليين، فإن المخاوف تظل قائمة من عودة خيار التوظيف المباشر لصالح شركات المقاولات العملاقة، وهو النموذج الذي جرى تفكيكه سابقاً لحماية حقوق العمال ومنع الاحتكار والهيمنة على مقدرات قطاع التشييد.