بقلم/محمود صبرة/
ذكر تقرير الغارديان أن مسودة قانونية مرتبطة بما يسمى “مجلس السلام” في غزة تمنح المجلس وأعضاءه والجهات التابعة له والمتعاقدين والمقاولين والقوات الدولية والإداريين الفلسطينيين العاملين ضمن هذا الإطار حصانة واسعة من الاعتقال أو الاحتجاز أو الإجراءات القانونية داخل قطاع غزة.
من منظور الاقتصاد المؤسسي، لا تمثل هذه الحصانة مجرد تفصيل قانوني أو إجراء إداري لحماية مهمة دولية، بل تمثل تغييرًا جذريًا في “قواعد اللعبة” التي تحكم المجتمع والاقتصاد. فالمؤسسات، كما يوضح دوغلاس نورث، هي القيود والقواعد الرسمية وغير الرسمية التي تحدد سلوك الأفراد والمنظمات، وتحدد من يملك الحق، ومن يملك السلطة، ومن يخضع للمساءلة، ومن يستطيع الإفلات منها. لذلك فإن تغيير قاعدة المساءلة ليس أمرًا قانونيًا محضًا، بل تغيير في بنية الحوافز، وتوزيع السلطة، وتخصيص الموارد، ومستقبل الاقتصاد نفسه.
الحصانة الشاملة هنا لا تحمي مهمة إنسانية؛ بل تعيد تصميم البيئة المؤسسية في غزة بحيث تُفصل السلطة عن المسؤولية. ومن منظور اقتصادي، هذه أخطر معادلة ممكنة: سلطة واسعة، موارد ضخمة، عقود إعادة إعمار، أرض مدمرة، سكان منهكون، وقضاء محلي معطل أمام الفاعلين الأقوى. هذا ليس نموذجًا للسلام، بل نموذجًا لإنتاج الريع والفساد والاحتكار.
في الاقتصاد المؤسسي، الفساد لا يُفهم فقط بوصفه سلوكًا أخلاقيًا منحرفًا، بل بوصفه نتيجة لتصميم مؤسسي يرفع العائد المتوقع من استغلال السلطة ويخفض كلفة العقاب. عندما يعرف المقاول أنه محمي من الملاحقة المحلية، وعندما يعرف الإداري أنه يعمل داخل مظلة فوقية، وعندما تعرف القوة الأمنية أنها لا تخضع لقضاء السكان، فإن كلفة الانتهاك تنخفض، بينما يرتفع العائد المتوقع من النفوذ، والمحسوبية، والاستيلاء على العقود، والتحكم في الموارد.
هذه هي معادلة الحوافز المختلة:
سلطة بلا مساءلة = ريع بلا مخاطرة = فساد مؤسسي مضمون.
ومن منظور نظرية الوكيل والأصيل، يفترض أن تكون أي لجنة إدارية فلسطينية وكيلًا عن السكان، أي عن أصحاب الحق الأصليين. لكن إذا قبلت هذه اللجنة العمل تحت مظلة مجلس محصن لا يستطيع السكان مساءلته، فإن علاقة الوكالة تنهار. فالوكيل لا يعود مسؤولًا أمام الأصيل، بل يصبح أقرب إلى الجهة التي تمنحه الحماية والتمويل والنفوذ. هنا لا تعود اللجنة وسيطًا لخدمة المجتمع، بل تتحول إلى وسيط داخل بنية فوقية تدير المجتمع من خارجه.
هذه ليست مسألة سياسية فقط؛ إنها مشكلة مؤسسية عميقة. فحين ينفصل الوكيل عن الأصيل، تظهر المحاباة، وتضارب المصالح، والتوزيع الانتقائي للمساعدات، وترتيب الأولويات وفق مصالح السلطة المانحة لا وفق حاجات المجتمع. وعندها يصبح الوصول إلى الحق مرهونًا بالقرب من اللجنة أو المجلس أو المقاول أو شبكة النفوذ، لا بالقانون ولا بالاستحقاق.
ومن منظور حقوق الملكية، تمثل الحصانة الشاملة تهديدًا بالغ الخطورة. غزة ليست أرضًا فارغة. فيها ملكيات خاصة، وأراضٍ عامة، ومبانٍ مدمرة، وسجلات ملكية، وحقوق ورثة، ونازحون، ولاجئون، وممتلكات بلدية، وبنية تحتية عامة. أي جهة محصنة تتدخل في إعادة الإعمار دون رقابة قضائية فعلية تستطيع، عمليًا، إعادة ترتيب الملكية تحت غطاء التخطيط، أو الإزالة، أو التعويض، أو التطوير، أو الضرورة الأمنية، أو المصلحة العامة.
وهنا يظهر خطر ما يمكن تسميته “إعادة التخصيص القسري للحقوق”. فالأرض التي دُمّرت قد لا تعود إلى صاحبها بالشروط نفسها. والمنطقة التي تُصنف كمشروع إعادة إعمار قد تتحول إلى مساحة استثمارية أو أمنية أو إدارية. والملكية التي كانت حقًا قانونيًا قد تتحول إلى مطالبة بيروقراطية تحتاج إلى موافقة لجنة أو مقاول أو جهة دولية. هذا التحول يضعف حقوق الملكية، ويزيد عدم اليقين، ويمنع الاستثمار المحلي، ويفتح الباب لصراعات طويلة الأمد حول الأرض والسكن والتعويض.
ومن منظور تكاليف المعاملات، يفترض أن تقلل المؤسسات الجيدة كلفة الوصول إلى الحق: محكمة واضحة، عقد واضح، سجل واضح، جهة مسؤولة، آلية تعويض. أما الحصانة الشاملة فتفعل العكس. إنها ترفع كلفة التقاضي، وتدفع المواطن إلى البحث عن وسطاء، وعلاقات، وولاءات، وحماية، ومساومات. وحين يصبح الوصول إلى الحق مكلفًا ومعقدًا وغير مضمون، تنمو الأسواق غير الرسمية، والرشوة، والزبائنية، والاعتماد على شبكات النفوذ بدل المؤسسات.
وهذا يعني أن الحصانة لا تنتج فقط ظلمًا قانونيًا؛ بل تنتج اقتصادًا مشوهًا. اقتصادًا تتحرك فيه الموارد لا نحو الأكثر كفاءة أو الأكثر حاجة، بل نحو الأقرب إلى السلطة. وهذا هو جوهر الاقتصاد الريعي: الدخل لا يأتي من الإنتاج، بل من الموقع داخل شبكة النفوذ.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، فإن إعادة إعمار غزة في ظل حصانة شاملة قد تخلق ما يمكن تسميته “اقتصاد المقاولين المحصنين”. هذا الاقتصاد لا يقوم على تنمية محلية مستدامة، بل على عقود ضخمة، ومناقصات مغلقة، وشركات خارجية، وسلاسل توريد مستوردة، وطبقة محلية وسيطة. وفي هذه الحالة، تصبح إعادة الإعمار نفسها قطاعًا ريعيًا مستقلًا يزاحم القطاعات الإنتاجية المحلية ويعيد تشكيل الاقتصاد حول المساعدات والعقود لا حول الإنتاج والعمل والسيادة الاقتصادية.
والخطر هنا لا يقتصر على الفساد المالي المباشر، بل يمتد إلى البنية القطاعية للاقتصاد. فبدل أن تُعاد غزة كاقتصاد إنتاجي يقوم على الصناعة الصغيرة، الزراعة، الخدمات المحلية، التعليم، الصحة، التكنولوجيا، والصناعات المرتبطة بالبناء، قد يعاد تشكيلها كاقتصاد تابع للمقاولات، الأمن، الإغاثة، الخدمات اللوجستية، والمنظمات الدولية. وهذا يعني انتقالًا هيكليًا خطيرًا من اقتصاد مجتمع إلى اقتصاد إدارة أزمة.
في مثل هذا النموذج، تنمو قطاعات معينة لأنها قريبة من المال الخارجي: المقاولات، الأمن الخاص، النقل، التخزين، الاستيراد، الاستشارات، إدارة المخيمات، خدمات المنظمات، التوريد، والوساطة. وفي المقابل، تضعف القطاعات التي تبني استقلالًا اقتصاديًا حقيقيًا: الإنتاج المحلي، الورش الصغيرة، الصناعات التحويلية، الزراعة، التعليم التقني، المشاريع العائلية، الاقتصاد البلدي، والملكية المحلية للأصول.
هنا لا تكون الحصانة مجرد حماية قانونية، بل أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد الاستراتيجي لغزة. فهي تحدد من يدخل السوق، ومن يحصل على العقود، ومن يملك المعلومات، ومن يتحكم في التصاريح، ومن يحدد معايير الجودة، ومن يستطيع الاعتراض. ومن يتحكم في هذه القواعد يتحكم في بنية الاقتصاد لعقود قادمة.
في القطاع الخاص، يعرف الاقتصاديون أن ضعف الحوكمة وغياب المساءلة يؤديان إلى ما يسمى “المخاطر الأخلاقية” أو moral hazard. أي أن الفاعل يتصرف بمخاطرة أعلى لأنه لا يتحمل كامل نتائج أفعاله. في الشركات، يؤدي ذلك إلى فساد الإدارة، تلاعب المدراء، تضخيم العقود، سوء استخدام أموال المساهمين، وتدمير القيمة طويلة الأجل. أما في غزة، فإن المخاطر الأخلاقية ستكون أكبر بكثير، لأن من سيدفع الثمن ليس مساهمين في شركة، بل سكان فقدوا بيوتهم وأمنهم ومواردهم.
كما أن هذه الصيغة تفتح الباب لما يسمى regulatory capture، أي التقاط الجهة التنظيمية من قبل أصحاب المصالح. فإذا أصبح المجلس هو من يضع القواعد، ويدير العقود، ويحمي المقاولين، ويحدد آليات الشكوى، ويمنح الحصانة لمن يعمل معه، فإن الجهة التي يفترض أن تنظم السوق تصبح جزءًا من السوق نفسه. وهذا يؤدي إلى تضارب مصالح بنيوي: من يراقب المقاول هو نفسه من يحميه، ومن يمنح العقد هو نفسه من يعطل مساءلته.
وفي تجارب الخصخصة غير المنظمة في دول كثيرة، أدى غياب الحوكمة إلى تحويل الموارد العامة إلى فرص خاصة للنخب والشركات القريبة من السلطة. حدث ذلك في نماذج متعددة من “رأسمالية المحاسيب” حيث لا يربح الأكثر كفاءة، بل الأكثر قربًا من القرار. وفي بيئات ما بعد الحرب، يصبح هذا الخطر مضاعفًا، لأن الحاجة العاجلة للإعمار تُستخدم لتبرير تجاوز القواعد، وتسريع العقود، وتقليل الشفافية، وتعليق المساءلة.
الحالات التطبيقية في العراق وأفغانستان تقدم تحذيرًا واضحًا. في العراق بعد 2003، خلقت الحصانات الواسعة، وتضخم دور المتعاقدين الأجانب، وضعف القضاء المحلي، اقتصادًا سياسيًا مشوهًا ربط الأمن بالإعمار بالعقود الدولية. لم تكن النتيجة مجرد فساد مالي، بل إعادة تشكيل للسلطة الاقتصادية حول شبكات مقاولين، وشركات أمنية، ووسطاء محليين، وعقود ممولة خارجيًا. وفي أفغانستان، أدى تدفق المساعدات والعقود في ظل ضعف المؤسسات إلى نمو اقتصاد ريعي قائم على المنح، والمقاولات، والوساطة، والحماية، بدل بناء قاعدة إنتاجية مستقلة.
وفي حالات أخرى من إعادة الإعمار بعد النزاعات، مثل البوسنة وكوسوفو وهايتي، ظهر نمط مشابه: عندما تسيطر المنظمات الدولية والمتعاقدون الخارجيون على تدفقات المال والقرار، تنمو فجوة بين الاقتصاد المحلي الحقيقي واقتصاد المساعدات. ترتفع أجور العاملين مع المنظمات الأجنبية، تتجه المهارات نحو وظائف الوساطة والترجمة والإدارة اللوجستية، وتتراجع الحوافز للاستثمار المنتج طويل الأجل. وهكذا تنشأ ازدواجية اقتصادية: قطاع محلي ضعيف، وقطاع دولي مرتفع الدخل محمي بالقواعد والتمويل الخارجي.
هذا ما يجب الحذر منه في غزة. فإعادة الإعمار قد تتحول إلى “مرض هولندي إنساني”: تدفق كبير للمال الخارجي يرفع أهمية القطاعات المرتبطة بالمساعدات والمقاولات، بينما يضعف القطاعات الإنتاجية المحلية. والنتيجة اقتصاد تابع للتدفقات الخارجية، هش أمام توقف التمويل، وضعيف القدرة على خلق تنمية مستقلة.
ومن منظور التغير الهيكلي، فإن الخطر أن تنتقل غزة من اقتصاد مقاوم للبقاء، رغم كل ضعفه، إلى اقتصاد وصاية. اقتصاد تديره العقود لا المؤسسات الوطنية، وتتحكم فيه الجهات المانحة لا الأولويات المحلية، وتتشكل طبقاته الجديدة حول الوصول إلى المجلس والمقاول والتمويل، لا حول الإنتاج والكفاءة والابتكار. عندها لا تُبنى طبقة منتجة، بل طبقة وسطاء.
ومن منظور التنمية، هذا أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب. فالدول والمجتمعات لا تنهض فقط بإعادة بناء المباني، بل بإعادة بناء الثقة. والثقة تحتاج إلى قواعد عادلة، ومساءلة، وحقوق ملكية واضحة، وشفافية في العقود، وقضاء يمكن الوصول إليه. أما الحصانة الشاملة فتدمر الثقة من البداية، لأنها تقول للسكان إن من سيقررون في أراضيهم وأموالهم ومساكنهم ومصيرهم لن يخضعوا لمحاسبتهم.
إن اللجنة الإدارية الفلسطينية، في هذا السياق، تتحمل مسؤولية خاصة. فإذا قبلت العمل ضمن هذه الصيغة، فإنها لا تشارك فقط في ترتيب إداري، بل في تصميم مؤسسي سيحدد شكل الاقتصاد الفلسطيني في غزة لسنوات قادمة. قبولها سيعني القبول باقتصاد يقوم على الامتياز لا الحق، وعلى الوساطة لا القانون، وعلى الريع لا الإنتاج، وعلى الحماية لا المساءلة.
لذلك لا يكفي أن تطالب اللجنة بضمانات سياسية عامة. يجب أن ترفض مبدأ الحصانة الشاملة ذاته. ويجب أن تشترط، قبل أي مشاركة، وجود قواعد واضحة: خضوع كل متعاقد لآلية قضائية أو تحكيمية مستقلة وملزمة، شفافية كاملة للعقود والمناقصات، نشر المستفيدين الحقيقيين من الشركات، منع تضارب المصالح، حماية حقوق الملكية، ضمان حق السكان في الشكوى والتعويض، رقابة فلسطينية ومجتمعية مستقلة، وتحديد صارم للحصانة الوظيفية بحيث لا تمتد إلى الفساد أو الجرائم أو الاعتداءات أو مصادرة الحقوق.
لا يجوز أن تتحول غزة إلى اقتصاد امتيازات محصنة. لا يجوز أن يصبح المقاول فوق المنتج المحلي. لا يجوز أن تصبح شركة الأمن فوق الشرطة والقضاء. لا يجوز أن يصبح الإداري المحمي فوق المواطن. ولا يجوز أن تبدأ إعادة الإعمار من قاعدة تقول إن من يملك العقد يملك الحماية، ومن يملك الحماية يملك القرار.
من منظور الاقتصاد المؤسسي، الحصانة الشاملة ليست ضمانة للاستقرار، بل وصفة لإنتاج تبعية طويلة الأمد. إنها تضعف الحوافز الصحيحة، وتكافئ القرب من السلطة، وتزيد تكاليف الوصول إلى الحق، وتهدد حقوق الملكية، وتخلق اقتصادًا ريعيًا حول المساعدات والعقود، وتعيد تشكيل القطاعات الاقتصادية لمصلحة المقاولين والوسطاء بدل المنتجين والسكان.
السلام الذي يبدأ بحصانة شاملة لا يبني مؤسسات؛ إنه يهدم شرط المؤسسة الأول: المساءلة.
والإعمار الذي يبدأ بإعفاء الحاكم والمقاول والقوة المسلحة من القضاء لا يبني اقتصادًا؛ إنه يفتح الباب لاقتصاد ريعي محصن تحت لافتة الإنقاذ.
غزة تحتاج إلى إعادة إعمار مؤسسية قبل إعادة إعمار مادية: قواعد عادلة، حقوق ملكية واضحة، مساءلة، شفافية، قضاء، رقابة مجتمعية، وتمكين محلي. أما أي صيغة تضع المجلس والمقاول والقوة والإداري فوق المحاسبة، فهي لا تعيد بناء غزة؛ بل تعيد هندسة اقتصادها ومجتمعها على قاعدة التبعية والفساد.

