رام الله/ الاقتصادية
كشف وزير المالية والتخطيط الفلسطيني د. اسطيفان سلامة، عن اتهامه من بعض الأطراف في مجلس الوزراء بارتكابه مجزرة مالية في موازنة الطوارئ للعام الحالي 2026 وبخاصة في بند النفقات والمصاريف التشغيلية وتتبعه مع الوزارات فاتورة لمواءمتها مع الموازنة، "فنحن في وضع تهديد وجودي ما بين الإبادة الجماعية في غزة وإرهاب المستوطنين للأرض والبشر والشجر والحجر في الضفة الغربية وتهديد القدس اليومي ووجودنا كله أصبح مهددا سياسيا".
ويؤكد الوزير سلامة، حقيقة الأزمة المالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية حينما قال: "هي أزمة حقيقية وعميقة جدا وأخطر مما يعتقد البعض أنها تهدد وجودنا بشكل واضح ومن الطبيعي أن تنهار السلطة التي تمكنت من الحفاظ على استمرار وجودها بـ 10% من إيراداتها الشهرية في الوقت الذي يتكبد فيه الاقتصاد الفلسطيني خسائر مالية قيمتها مليار دولار شهريا، والوصول للحد الأقصى من الاقتراض، لذا فمن غير الطبيعي أن مؤسساتنا ما زالت موجودة وما زلنا قادرين على توفير الحد الأدنى من الخدمات".
تسيير أعمال الدولة بـ 10% من إيراداتها
ويقول سلامة الذي كان يتحدث في ورشة عمل "عدالة التوزيع ومراجعة سبل الإنفاق - تقييم مُقارن لمخصصات الخدمات الأساسية من الموازنة العامة" التي نظمتها مؤسسة (مفتاح) بالشراكة مع الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة العامة: "البلد تمر في كوارث وليست في وضع طارئ فقط ابتداء من الإبادة الجماعية في قطاع غزة إلى إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية إلى الحواجز المتصاعدة وعدم سيطرتنا على المعابر والموارد الطبيعية واحتلال يضيق علينا بكل مكونات حياتنا بما فيها الوضع المالي، لذا، لأول مرة رفعنا بند موازنة الطوارئ، حيث تم رفع مخصصات بند "الطوارئ والاستجابة العاجلة" لأول مرة في تاريخ وزارة المالية من 40 مليون شيقل إلى 516 مليون شيقل لتغطية الاحتياجات الطارئة ومواجهة التحديات الكبيرة". علما أن إجمالي الموازنة والنفقات المتوقعة وفق موازنة الطوارئ حوالي 17.6 مليار شيقل (5.64 مليار دولار)، وهو انخفاض بنسبة 5.8% مقارنة بموازنة عام 2025.
ويتابع د. سلامة: "نقوم بإدارة الدولة وتسيير أعمالها بـ 10% من إيراداتها المعتادة بالتركيز على المفاصل الحيوية من خلال توجيه كافة الإمكانيات المتاحة لدعم قطاعات (التعليم وحصته 20% من موازنة الطوارئ، الصحة 15%، الحماية الاجتماعية 18.4%، والأمن 22%) لضمان استمرار الخدمات الأساسية. فلا نستطيع كمجتمع العيش بدونها ولها بعد وجودي وموازنة الأمن أكثر لسبب بسيط أن عدد موظفيه 60 ألف والفجوة المالية ما بين التعليم والأمن قليلة وهي 1% معظمه رواتب، رغم أن عدد المنتسبين للأجهزة الأمنية يزيدون عن التعليم لوحده 20 ألف.
ولم يخف وزير المالية قلقه على مستقبل التعليم في فلسطين، وقال: "علينا التنبه له كحكومة وأسرة ومجتمع؛ فغزة منذ جائحة كورونا عام 22 ولغاية اليوم لم ينتظم فيها يوم تعليمي طبيعي، وهو موضوع خطير يجب التنبه له ونسارع في إعداد الخطط والسياسات اللازمة لضمان مستقبل أولادنا وهو رافعة للمجتمع ولمستقبل الدولة، وإن كانت الضفة أقل ضررا لكنها تعاني من عدم انتظام المسيرة التعليمية، وفي كل الأحوال ستكون عندنا فجوة تعليمية كبيرة تحتاج إلى انتباه وسياسات ودعم ووعي بهذا الموضوع.
ضرب كل المنظومة المالية والاقتصادي
ويختلف وزير المالية د. سلامة عن سابقيه من وزراء مالية بإطلالته المستمرة عبر وسائل الإعلام المختلفة ومحاولته التحدث بشفافية ومكاشفة غير مسبوقة عن حقيقة الأزمة المالية، وحضوره الشخصي بدلا من إرساله مندوبين وممثلين عنه للمشاركة في ورشات العمل والندوات والمؤتمرات التي تعنى بالقضايا المالية.
وفي هذا السياق يؤكد سلامة أن هناك ما ضرب كل المنظومة المالية والاقتصادية، "فعمال الخط الأخضر كانوا يدخلون على السوق الفلسطينية 20 مليار شيقل سنويا بمعدل 1.5 مليار شيقل شهريا، وأهلنا في الداخل المحتل عام 48 كانوا يضخون في الاقتصاد الفلسطيني 6 مليارات شيقل سنويا، في حين تتراوح أموال المقاصة ما بين 10 – 12 مليار شيقل سنويا أي ما حصيلته 36 – 38 مليار شيقل سنويا، والدعم الدولي متذبذب والذي ما زال ضمن إطاره التقليدي وليس الطارئ ولأننا في وضع طارئ على المجتمع الدولي أن يستجيب للدعم الطارئ وليس فقط الدعم التقليدي".
وباختصار يقول د. سلامة: "يخسر الاقتصاد الفلسطيني من 1 مليار إلى 1.2 مليار دولار شهريا، فلو كانت لدينا عملة نقدية بالمنظور العالمي لكان هذا قد يتسبب في انهيار واضح. لذا فإن هدفي الواضح منذ تسلمي مهمتي كوزير مالية وتخطيط أن نمنع الانهيار على الأقل ماليا، فالحصار المالي علينا خانق من كل النواحي والقرار الإسرائيلي أصبح واضحا هو إسقاط السلطة الفلسطينية من الداخل، وقد وصلنا للحد الأقصى من الاقتراض من البنوك والأزمة تتعمق".
الإيرادات والنفقات
ويوضح وزير المالية الاحتياج الفعلي لمؤسسات السلطة الفلسطينية وقيمته 1,5 مليار شيقل شهريا وقال: "نحن تحت الحد الأدنى بعشر درجات حيث نحتاج ما بين 900 مليون إلى 1 مليار شيقل شهريا، وعندما ندفع 50% منها رواتب وأشباهها فهذا يحتاج توفير 650 مليون شيقل، والمتبقي معظمه ينفق على الصحة والتعليم ومصاريف تشغيلية بسيطة ومخصصات احتياجات قصوى وطارئة بقيمة متذبذبة تتراوح ما بين 100 إلى 300 مليون شيقل وفي هذه الفترة ننفق 700 – 900 مليون بالحد الأقصى.
ويتابع: "في حين تعتمد نفقاتنا على الأموال الفلسطينية من المقاصة المقدرة بـ 1 مليار شيقل شهريا بدون الخصومات والتي تقوم بسرقتها دولة الاحتلال، في حين تقدر إيراداتنا المحلية بحوالي 400 مليون شيقل زائد/ناقص (غير ثابتة) معظمها يصرف على خدمة القروض بما لا يقل عن 200 مليون شيقل شهريا وأحيانا تزيد عن 400 مليون، وهي مؤخرا في حالة انخفاض وتراجع نظرا للوضع الاقتصادي، وبالمجمل فإن حصلنا على كامل أموالنا من المقاصة مع الإيرادات المحلية وبعض الإصلاحات فإننا لا نحتاج الى أي أموال خارجية" .
وبالنتيجة يقول وزير المالية: "ما يتبقى من إيراداتها المحلية يتراوح ما بين 100 – 150 مليون شيقل. بينما الحد الأدنى الذي نحتاجه تحت الحد الأدنى بـ 10 درجات للوفاء ببعض الالتزامات الصحية والتعليمية، فإننا نحتاج بما لا يقل عن 900 مليون شيقل وبالنتيجة لدينا عجز كل شهر 800 مليون شيقل".
ويضيف: "ما نحاول عمله أن نقلب المعادلة ما بين المقاصة والإيرادات المحلية، فطوال حياتنا نعتمد على المقاصة بنسبة أكثر من 70 % على حساب الإيرادات المحلية، ما نحاول أن نعمله أن نقلب المعادلة ليصبح اعتمادنا على الإيرادات المحلية أكثر من اعتمدنا على المقاصة، وللأسف بتجربتنا أكثر من مرة في موضوع المقاصة يستخدم كابتزاز سياسي علينا وصمودنا له ثمن والكل يدفعه وليست الحكومة لوحدها فلذلك سنحاول التفكير بأشياء خارج الصندوق لمواجهة الإجراءات الإسرائيلية بطرق غير تقليدية".
ويوضح د. سلامة بقول: "بالعادة نتدبر الأموال من 3 مصادر أساسية قيمة المساعدات من المجتمع الدولي في حال توفرها واقتراض من البنوك حيث وصل إلى أكثر من الحد الأقصى المسموح به والإيرادات المحلية بالإضافة إلى جانب الإدارة المالية وهي كل شهر معجزة مع كل أول شهر نكون مكشوفين للبنوك بحدود 100 مليون شيقل وفي آخر الشهر ندفع 50% من الرواتب، تطرح هناك أفكار مبدعة لنقلص من النفقات ونحاول زيادة الإيرادات قدر الإمكان ونلجأ لملفات لم يسبق أن تم اللجوء لها ومع القليل من الإبداع في الإدارة المالية فإن هذا حتى الآن يساعدنا، ونؤكد التزامنا بتوفير جزء من الراتب بشكل منتظم ضمن الإمكانيات المالية التي تختلف من شهر إلى آخر، فلذلك التحدي موجود وعلى مدار الشهر ونتعرض يوميا لضغط هائل لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات للمؤسسات والمواطن".
تعمق المديونية العامة
وأكد وزير المالية ارتفاع المديونية العامة في النصف الأول من العام الحالي من 14.4 مليار دولار حتى نهاية 2025 إلى حوالي 15.7 مليار دولار ما يشير إلى أنها تتعمق بينما اقترب مجموع أموال المقاصة المسروقة اليوم و من 6 مليار دولار . وهذه الأرقام مهمة بالنسبة لاقتصاد فلسطيني صغير وبالرغم من التخوفات الموجودة فإن الحكومة لم تقصر بدفعة واحدة تتعلق بالقروض المحلية أو الخارجية، لذلك تعتمد معالجة المديونية على معالجة الاقتصاد الكلي وتحسن الوضع الاقتصادي وتحسن الإيرادات.
وقال: "عندما يتحسن الوضع المالي والاقتصادي تدريجيا ستكون هناك خطط لتسديدها تدريجيا، وعليه فإن دعم المنتج المحلي وتشجيع الصناعات المحلية تعزيز الجباية المحلية شيء أساسي لمواجهة الإجراءات الإسرائيلية".
معجزة إدارة الدولة وتسيير أوضاعها
ويتابع وزير المالية: "اليوم لا نقوم بإدارة مال عام فقط، فاليوم ندير مصير شعب لأن التهديد أصبح عنوانه مالي وهدفه إسقاط المنظومة، فلذلك عندنا مهمة الحفاظ على مصير شعب ومؤسسات بما فيه الخدمات الأساسية للمواطن، فلذلك التعليم مثلا لن نسمح للخدمات الأساسية أن تنهار، وهناك مفاصل مقومات أساسية للصمود وفي هناك مفاصل أساسية للمشروع الوطني وللمؤسسات".
ويقول مستدركا: بصفتي وزير مالية مسؤول عن المال العام، جاهز للمكاشفة والمحاسبة علينا اطلاع الشعب على قيمة إيراداتنا ونفقاتنا المالية وأين تنفق؟ ودوري اليوم الحفاظ على المفاصل الأساسية للبلد وللدولة وللمجتمع.
ويصف سلامة ما يقومون به في وزارة المالية والحكومة اليوم بالمعجزة بإدارة الدولة وتسيير أوضاعها بنسبة 10% من الإيرادات بينما المتطلبات هائلة، وأشاد بصمود المواطن وقال: "الصمود الذي نعيشه ليس سببه الحكومة الفلسطينية ولا وزارة المالية وإنما سببه المواطن رغم كل ما يعانيه، لذلك فالحصار والضغط المفروض علينا يتحمله المواطن قبل أي طرف آخر، فصمودنا مهم وصمود المؤسسة مهم لأنه يساعد من صمود الفرد وصموده مهم لأنه يساعد من صمود المؤسسة، وإذا ضربت المنظومة العامة فإننا نفقد مكونات أساسية للصمود العام. وفي هذه المرحلة ليس هناك خيار".
العدالة الاجتماعية وارتباطها بالعدالة الضريبية
وفي حين قال وزير المالية: "أخطر ما نواجهه اليوم في المالية العامة هو التهريب والتهرب الضريبي وهو خطير للمالية العامة الذي يجب محاربته وإن نجحنا في ذلك فإن وضعنا المالي سيصبح جيدا، ومن المؤسف القول إن التهريب والتهرب الضريبي كبيران بشكل خطير ونسبته وقيمته كبيرة كثيرا (دون أن يذكر نسبته وقيمته وفي أي القطاعات لعدم معرفته بالرقم الدقيق على حد قوله).
ورفض وزير المالية الإجابة على سؤال "الحدث"، حول كم تبلغ نسبة وقيمة التهريب والتهرب الضريبي وفي أي القطاعات تتركز؟ مبررا ذلك أنه لا يمتلك المعلومة الدقيقة حولها، لكنه أشار إلى أن هناك فئات مهنية تعدادها 100 ألف من المكلفين لكن المسجلين منهم في الضريبة 5 آلاف فقط، وهناك 11 ألف شركة غير مسجلة بالضريبة، وهو ما يحدث خللا في العدالة الضريبية، وهذا أصبح واجبا وطنيا وقانونيا وأخلاقيا لذلك فإنه يجب العمل على هذا الموضوع لكننا نحتاج إلى تعاون من الشركات والمجتمع والمؤسسات والأفراد.
وتابع د. سلامة: "أن جزءا من المشكلة التي نواجهها انعدام أو ضعف ترابط الأنظمة ما بين المؤسسات حيث نعمل على تربيطها، كما أن هناك بعض الإجراءات بين مؤسسة وأخرى التي لا تحتاج إلى تشريع ولا قانون، وهناك عدد كبير من الشركات مسجلة رسميا في وزارة الاقتصاد لكنها غير مسجلة في دوائر الضريبة في وزارة المالية وهذه فجوة يجب معالجتها، وإن تمت معالجة هذه القضايا وإن كانت تأخذ وقتا لكنها ستحقق لنا نوعا من الاستقلال المالي وهو واحد من المقومات الأساسية للصمود العام. ويجب أن تكون عندنا قوانين ضريبية عادلة فالعلاقة الضريبية ما بين المكلف وما بين الحكومة موضوع أساسي".

