بقلم/ د. سيف الدين يوسف عودة – باحث اقتصادي
أثير نقاش في الفترة الأخيرة حول انخفاض معدلات المواليد في قطاع غزة، ومخاوف حدوث تحولات ديموغرافية سلبية في قطاع غزة خلال السنوات القادمة. وقد أثار هذه المخاوف أيضاً الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني في إصداراته الأخيرة (مطبوعة: الفلسطينيون في نهاية العام 2025)، حيث أشار إلى انخفاض عدد سكان قطاع غزة بمقدار 10.6% في نهاية العام 2025ـ وذكر أنه: "من المتوقع أن يطرأ تغيير جذري في التركيب العمري والنوعي للسكان في قطاع غزة نتيجة الاستهداف المتعمد من قبل الجيش الاسرائيلي للفئات العمرية الشابة، لاسيما الأطفال والشباب. هذا الاستهداف يهدد بتشويه شكل الهرم السكاني، وبخاصة فئة الشباب التي تمثل أساس النمو الطبيعي لأي مجتمع. ولا يقتصر التأثير على الحاضر فحسب، بل يمتد إلى المديين المتوسط والبعيد، حيث يتوقع أن يؤدي فقدان نسبة كبيرة من النساء والرجال في سنة الانجاب، إلى تراجع مستقبلي في معدلات المواليد. وهذا من شأنه أن يحدث فجوة ديموغرافية ستؤثر على التركيبة السكانية للسنوات القادمة".
في ضوء هذه النقاشات والمخاوف التي أطلقتها النخب المفكرة، وكذلك الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني، نلقي الضوء في هذا المقال بنظرة تحليلية سريعة على معدلات المواليد والوفيات خلال العام 2025 وحتى مايو 2026. ومقارنتها بالمعدلات التي كانت سائدة قبل الحرب كي نقف على حجم الضرر والخطر الذي تسببت به الحرب، فعندما يذكر أثر الحروب على السكان، يتجه التفكير مباشرة إلى أعداد الضحايا والخسائر البشرية، باعتبارها الأهم والأشد قسوة وتأثيراً على معنويات الشعوب، جدير بالذكر أن الأثر الديموغرافي الحقيقي يبدأ غالباً بعد أن يتوقف القصف. فالحروب تعيد تشكيل مستقبل المجتمعات والشعوب من خلال تأثيرها في المواليد والوفيات والهجرة، والآثار الصحية والأمراض التي تظهر وتؤثر على معدلات النمو السكاني، وهي آثار قد تمتد لسنوات طويلة بعد توقف العمليات العسكرية.
بالنظر إلى بيانات المواليد والوفيات المسجلة رسمياً في قطاع غزة خلال الفترة من يناير 2025 إلى مايو 2026 يلاحظ انها تتضمن دلالات عميقة لاحتمالات حدوث تحول ديموغرافي ملحوظ يتجاوز الخسائر البشرية المباشرة للحرب، فهي تعبر عن ديناميكيات النمو السكاني والإنجاب ومستقبل التركيب العمري للسكان. فالحرب لم تؤثر فقط في عدد الوفيات، بل بدأت تترك آثاراً ممتدة زمنياً على وتيرة النمو الطبيعي للسكان وعلى السلوك الإنجابي للأسر الفلسطينية.
ولادراك وبيان حقيقة هذه الآثار فان هذا المقال يلقي الضوء على واقع معدلات المواليد والوفيات والنمو السكاني في قطاع غزة قبل الحرب، إذ أن قطاع غزة كان يعتبر من أكثر المناطق كثافة ونمواً سكانياً في العالم، حيث بلغ متوسط معدل النمو السكاني الطبيعي السنوي في قطاع غزة فقط خلال السنوات السابقة (2019-2023) حوالي 2.9% وفق تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وعلى مستوى الضفة الغربية وقطاع غزة ككل حوالي 2.5% بحسب قاعدة بيانات البنك الدولي (مؤشرات التنمية العالمية)، وبالتالي يعتبر معدل النمو السكاني في قطاع غزة واحداً من بين أعلى عشر دول زيادة في السكان على مستوى العالم.
حيث بلغ معدل الزيادة السكانية العالمي 0.9% لنفس الفترة، وفي العالم العربي 2%.
وبناءً على ذلك فقد ارتفع عدد سكان القطاع من نحو 1.88 مليون نسمة عام 2017 إلى أكثر من 2.22 مليون نسمة عام 2023، مدفوعاً بارتفاع معدلات المواليد واستمرار الزيادة الطبيعية للسكان. إلا أن بيانات عام 2025 تعكس واقع ديموغرافي صعب. فقد بلغ عدد المواليد المسجلين 50,224 مولوداً مقابل 24,542 وفاة، ما يعني أن الزيادة الطبيعية بلغت 25,682 فرد فقط، مقارنةً بحوالي 62,023 فرد قبل الحرب (متوسط الفترة 2019-2023)، أي أن معدل النمو الطبيعي انخفض إلى نحو 1.21% سنوياً، أي أقل من نصف مستواه المعتاد قبل الحرب.
لقد عاش قطاع غزة "صدمة وفيات" غير مسبوقة منذ بداية الحرب بسبب سقوط عشرات آلاف الشهداء، وتتجدد هذه الصدمة مع كل عودة للعمليات العسكرية والابادة، فقد تجددت صدمة الوفيات في العام 2025 مع تجدد الحرب والقتل في الفترة (أبريل-سبتمبر/2025) ليرتفع معدل الوفيات الشهري إلى حوالي 2045 حالة وفاة/شهرياً خلال العام 2025، مقارنةً بحوالي 612 حالة وفاة/شهرياً قبل الحرب (متوسط الفترة 2019-2023)، أي أعلى بأكثر من ثلاثة أضعاف المعدل قبل الحرب.
السنة | الشهر | عدد المواليد | عدد الوفيات | عدد الزيادة الطبيعية |
2025 | يناير | 3,764 | 1,561 | 2,203 |
فبراير | 3,342 | 575 | 2,767 | |
مارس | 3,305 | 1,505 | 1,800 | |
ابريل | 2,710 | 1,725 | 985 | |
مايو | 2,923 | 2,558 | 365 | |
يونيو | 3,949 | 3,054 | 895 | |
يوليو | 4,147 | 4,243 | -96 | |
أغسطس | 4,287 | 3,629 | 658 | |
سبتمبر | 4,694 | 3,049 | 1,645 | |
أكتوبر | 5,606 | 1,512 | 4,094 | |
نوفمبر | 6,076 | 589 | 5,487 | |
ديسمبر | 5,421 | 542 | 4,879 | |
الاجمالي 2025 | 50,224 | 24,542 | 25,682 | |
2026 | يناير | 5,210 | 652 | 4,558 |
فبراير | 3,433 | 365 | 3,068 | |
مارس | 3,133 | 358 | 2,775 | |
ابريل | 2,004 | 345 | 1,659 | |
مايو | 2,038 | 270 | 1,768 | |
الاجمالي حتى مايو 2026 | 15,818 | 1,990 | 13,828 | |
| المصدر: وزارة الصحة الفلسطينية - غزة | ||||
ومن الأهمية بمكان الوقوف على تأثير الهدن خلال فترة الحرب على معدلات المواليد والوفيات، ويمكننا هنا الحديث عن ثلاث فترات:
- فترة الهدنة الممتدة من 19 يناير إلى 17 مارس/2025
- فترة عودة الحرب بضراوة خلال الفترة 18 مارس إلى 9 أكتوبر/2025.
- فترة توقف الحرب اعتباراً من العاشر من أكتوبر 2025 والممتدة حتى الآن مع استمرار خرق الاحتلال المتواصل واستمرار وقوع الشهداء والجرحى.
وتكمن أهمية تحليل تأثير الهدن وتوقف العمليات العسكرية على أمرين:
- الأول: التأثير الفوري والمباشر على عدد الوفيات (وقف القصف والقتل)
- والثاني: التأثير الذي يظهر في فترات لاحقة على معدلات المواليد (تأثير متأخر زمنياً).
وبعبارةٍ أخرى الوفيات تستجيب فوراً للحرب، بينما المواليد تستجيب بعد فترة زمنية )مدة الحمل(
وتظهر البيانات بوضوح تأثير التطورات الميدانية على الوفيات. فخلال فترة الهدنة في بداية 2025 بقيت الوفيات عند مستويات أدنى نسبياً، قبل أن ترتفع بصورة حادة مع تجدد حرب الابادة ووقوع عشرات الشهداء يومياً. وقد بلغت ذروتها في يوليو 2025 عندما تجاوز عدد الوفيات عدد المواليد في مؤشر واضح على شدة التأثير المباشر للحرب على السكان.
في المقابل بلغ المتوسط الشهري المسجل لعدد المواليد خلال الهدنة في بداية العام 2025 حوالي 3470 مولود/شهرياً، والذي يمثل حوالي 60% فقط من المتوسط الشهري لعدد المواليد قبل الحرب والمقدر بنحو 5780 مولود/شهرياً (متوسط الفترة 2019-2023). ومن البديهي الاشارة إلى أن المواليد خلال أشهر الهدنة (بداية 2025) بالطبع ليسوا نتاجاً وانعكاساً للظروف التي سادت في فترة الهدنة نفسها، بل انعكاساً لقرارات الزواج والحمل المتخذة من قبل الأسر خلال فترة النصف الاول من العام 2024 تقريباً، وهي فترة شهدت تجدد القتال والقصف الشديد عقب انتهاء الهدنة الاولى في نوفمبر 2023، أي أنها انعكاساً لظروف غاية في الصعوبة، وهذا يعني أن تأثير التجديد الأول للحرب (ديسمبر/2023 -2024) أدى بشكل مباشر إلى تراجع المتوسط الشهري لعدد المواليد بحوالي 40%.
والملاحظ أيضاً أنه عقب كسر الهدنة من قبل الاحتلال في مارس/2025، استمر عدد المواليد ضمن معدلاته خلال فترة الهدنة إلى حدٍ ما، وأخذ بالارتفاع التدريجي وبشكل واضح خلال الربع الرابع 2025 (أشهر أكتوبر ونوفمبر وديسمبر) حيث بلغ المتوسط الشهري للمواليد حوالي 5701 فرد/شهرياً وهو يكافئ إلى حدٍ ما المتوسط الشهري قبل الحرب (5780 مولود/شهرياً)، وهذا الأثر الواضح في الارتفاع إنما يمثل قرارات الزواج والحمل المتخذة من قبل الأسر خلال فترة الهدنة في بداية العام 2025، وهذا يعني أنه بمجرد حدوث فترة هدوء نسبي سرعان ما يعود المجتمع إلى نمطه المعتاد في الزواج والانجاب وهذا بحد ذاته مؤشراً إيجابياً يعكس مدى المرونة وقدرة المجتمع على التأقلم والعودة لنمطه الديموغرافي المعتاد رغم حدة الصدمات النفسية وحالة التجويع والتدهور الصحي الحاد والانهيار في الأوضاع الاقتصادية والمادية للأسر. ورغم ذلك تبقى المخاطر والآثار السلبية الممتدة زمنياً للحرب حاضرة وبقوة على الاتجاهات الديموغرافية للسكان.
|
صدمة المواليد في بداية العام 2026 والتناقض مع حالة توقف الحرب والعمليات العسكرية:
تأكيداً على شدة تأثر قرارات الزواج والانجاب التي تتخذها الأسر بالحالة الأمنية وتطورات الحرب، لوحظ التراجع الحاد مرةً أخرى في معدلات المواليد خلال النصف الأول من العام 2026 (الأشهر من فبراير وحتى مايو)، فبعد الارتفاع الواضح في المواليد في الأشهر الأخيرة من العام 2025 (والتي تعكس تأثير الهدنة في بداية العام) انعكس الاتجاه مرةً أخرى ليهبط معدل المواليد الشهري وبشكل حاد إلى مستوى 2652 مولود/شهرياً وهو حتى أقل من المتوسط الشهري خلال فترة الحرب في العام 2024، كما أنه يمثل تراجعاً لحوالي 54% من متوسط المواليد قبل الحرب. وهذا يعني أن تأثير التجديد الثاني للحرب (أبريل-سبتمبر/2025) كان أكثر حدة من معدل التراجع في التجديد الأول للحرب في العام 2024.
ويبدو هذا التراجع للوهلة الأولى متناقضاً مع حالة توقف القتال بموجب خطة ترمب في أكتوبر 2025، إلا أن هذا التراجع ليس سوى الأثر الديموغرافي المؤجل للحرب. فمواليد عام 2026 يعكس قرارات الزواج والحمل والإنجاب التي سادت خلال فترة تجدد القتال بشدة خلال الفترة (أبريل-سبتمبر/2025)، وهي فترة اتسمت بالنزوح الواسع، وسرعة تدمير المساكن، وانهيار شبه شامل في الخدمات الصحية، وعودة حالة التجويع الحادة خاصةً في شمال قطاع غزة، وارتفاع مستويات عدم اليقين الاقتصادي والاجتماعي.
وبحسب التجارب الدولية في مناطق الحروب والنزاعات فأن الأسر عادةً ما تؤجل قرارات الزواج والإنجاب في ظروف الحرب وعدم الاستقرار، كما أن تدهور الرعاية الصحية الإنجابية وسوء التغذية يؤثران بصورة مباشرة على فرص الحمل واستمراره. وبالتالي فإن انخفاض المواليد في عام 2026 لا يعكس آثار الاستقرار النسبي خلال فترة توقف الحرب نفسها، بل يعبر عن التبعات المتأخرة للأحداث التي عاشها القطاع خلال العام السابق.
ومن منظور ديموغرافي، يمكن القول إن غزة انتقلت من مرحلة "صدمة الوفيات" خلال ذروة الحرب إلى مرحلة "صدمة المواليد" بعد تراجع العمليات العسكرية. ففي حين تمثلت الآثار المباشرة للحرب في ارتفاع الوفيات وانخفاض النمو الطبيعي، بدأت الآثار غير المباشرة تظهر لاحقاً من خلال تراجع الإنجاب وتباطؤ الزيادة السكانية.
وتؤكد هذه النتائج أن التأثير السكاني للحرب لا ينتهي بانتهاء القتال. فالتحولات الديموغرافية التي تشهدها غزة اليوم قد تستمر لسنوات طويلة، نتيجةً لسقوط عشرات الآلاف من الشهداء، والجرحى والعاهات المستديمة والتأثيرات السلبية العميقة على الأطفال والأجيال الشابة نتيجةً لحالة التجويع لفترات زمنية طويلة، فكل ذلك بالتأكيد له انعكاسات على معدلات الخصوبة والقدرة الانجابية. نظراً لأن الأثر الديموغرافي للحرب لا يقتصر فقط على الخسائر البشرية المباشرة (ارتفاع معدل الوفاة)، بل يمتد إلى فقدان جزء من الإمكانات الإنجابية المستقبلية للسكان نتيجة ارتفاع الوفيات "الشهداء" بين الفئات الشابة، وبعبارةٍ أخرى فقد خسر قطاع غزة مواليد ومعدلات انجاب كانت متوقعة نتيجة استشهاد آلاف الشباب والشابات في سن القدرة على الانجاب، أي أنه من الأهمية بمكان أخذ الأثر السلبي المركب للحرب على معدلات الانجاب عبر الزمن.
كما أن الآثار الصحية والنفسية والاقتصادية الممتدة للحرب، لاسيما الاصابات والعاهات المستديمة ذات الأثر المباشر على الشباب والشابات في سن الانجاب وتحويلهم إلى حالات عقم دائم نتيجة إصابات الحرب، ستترك آثاراً عميقة ممتدة زمنياً على مدار سنوات طويلة وستنعكس مستقبلاً على حجم الأجيال الجديدة والتركيب العمري للسكان. ومن هنا فإن متابعة مؤشرات المواليد والوفيات والنمو الطبيعي تمثل أداة أساسية لفهم الآثار العميقة للحرب على المجتمع الفلسطيني ومستقبله الديموغرافي.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه السنوات القادمة: هل سيتمكن قطاع غزة من استعادة زخمه الديموغرافي إذا ما تحسنت الظروف المعيشية واستعاد المجتمع قدراً من الاستقرار، بما يسمح بحدوث تعويض ديموغرافي تدريجي أسوةً بما شهدته بعض الدول الخارجة من الحروب والنزاعات؟ أم أن الآثار العميقة للحرب، بما خلفته من خسائر بشرية واسعة، وتدهور صحي واقتصادي واجتماعي، ستؤدي إلى استمرار انخفاض الخصوبة وتراجع معدلات الإنجاب لفترة أطول؟.
جدير بالذكر أيضاً أن التحديات الديموغرافية لا تقتصر على مؤشرات المواليد والوفيات وحدها، بل تمتد لتشمل أنماط الهجرة السكانية التي قد تعيد تشكيل الحجم والتركيب السكاني للقطاع. فقد أشار الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى مغادرة نحو 100 ألف شخص إلى خارج القطاع خلال الحرب، في ظل توقعات بزيادة الهجرة الدائمة لبعض الأسر إذا ما أتيحت فرص الخروج بعد فتح المعابر واستقرار الأوضاع. ومن شأن استمرار هذه الظاهرة، إلى جانب ارتفاع الوفيات وتراجع المواليد والخصوبة، أن يعمق من آثار الحرب على النمو السكاني والتركيب العمري للسكان.
وفي ضوء هذه المتغيرات، يصبح استمرار الرصد الدوري لمؤشرات المواليد والوفيات والخصوبة والهجرة ضرورة أساسية لفهم المسار الديموغرافي لقطاع غزة خلال مرحلة التعافي. فمستقبل السكان لن يتحدد بما خلفته الحرب من خسائر مباشرة فحسب، وإنما أيضاً بقدرة المجتمع على استعادة مقومات الاستقرار، ومدى نجاحه في استعادة ديناميكية النمو السكاني خلال السنوات المقبلة.
[1] معظم المؤشرات والاحصاءات الواردة في هذا المقال استندت الى البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني، أما بيانات المواليد والوفيات الخاصة بالفترة المدروسة في المقال (2025-مايو/2026) فمصدرها وزارة الصحة الفلسطينية في غزة.

