اليوم الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٦م

الحرب والديون والشيكات المرتجعة: عندما يُختبر الاقتصاد بالأخلاق

اليوم, ١:١١:٤٦ م
تعبيرية

 

بقلم/ أنور محمد عطالله- باحث في إدارة المخاطر والأزمات 

قد تبدو كلمات الحرب، الديون، والشيكات المرتجعة متباعدة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها ترتبط بخيط واحد يجمع بين الاقتصاد والأخلاق والدين. فالأزمات الكبرى لا تدمر المباني والبنية التحتية فحسب، بل تختبر أيضاً منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع، وفي مقدمتها الأمانة والوفاء بالالتزامات وحفظ الحقوق.

ومن خلال متابعتي لملف المديونيات المتعلقة بفترة ما قبل الحرب، سواء الديون الدفترية أو الشيكات المؤجلة، أصبح واضحاً أن سلوك بعض الأفراد والمنشآت تجاه تسوية التزاماتهم قد تغيّر بصورة ملحوظة. ولا يقتصر أثر ذلك على العلاقة بين الدائن والمدين، بل يمتد ليصيب أحد أهم أعمدة الاقتصاد، وهو الثقة. فعندما تتراجع الثقة بين الشركات الموردة والعملاء، تزداد المخاطر، وتتقلص حركة الائتمان التجاري، ويصبح التعامل الاقتصادي أكثر حذراً وتعقيداً، وهو ما ينعكس سلباً على الجميع دون استثناء.

ولا أحد ينكر أن الحرب ألحقت أضراراً جسيمة بالناس ومصادر أرزاقهم، وأن هناك من تعرض لخسائر قاسية، خصوصاً من كانوا في المناطق القريبة من خطوط المواجهة. وهذه الظروف الاستثنائية تستوجب التفهم والرحمة والتعاون. لكن في المقابل، فإن كثيراً من المحال والمنشآت استمرت في العمل خلال الحرب، واستفادت بدرجات متفاوتة من استمرار النشاط التجاري. ومن هنا، فإن تعميم الامتناع عن السداد أو التهرب من الالتزامات لا يمكن اعتباره حلاً عادلاً، لأن غالبية الشركات الموردة نفسها كانت من أكثر المتضررين، وتحملت أعباء ضخمة في التوريد والتشغيل والمحافظة على استمرارية العمل رغم المخاطر الهائلة.

إن الواجب الوطني والأخلاقي، قبل أن يكون التزاماً قانونياً، يقتضي من كل إنسان أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، وأن يعيد الحقوق إلى أصحابها قدر استطاعته. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]. فاستقرار المعاملات المالية ليس مجرد مسألة محاسبية، بل هو ركيزة من ركائز استقرار المجتمع وحماية مصالح الناس.

كما أن اللجوء إلى فرض خصومات كبيرة على أصحاب الحقوق بدافع الحرج أو الضغوط الاجتماعية يستحق إعادة نظر جادة؛ إذ إن أي تسوية ينبغي أن تقوم على التراضي الحقيقي والعدل والقدرة الفعلية على السداد، بعيداً عن الإكراه المعنوي أو استغلال الظروف الاستثنائية. فالمجتمعات التي تنهض بعد الحروب هي تلك التي تعيد بناء الثقة بين أفرادها ومؤسساتها، وتحافظ على سمعة التعامل التي تراكمت عبر سنوات طويلة من الصدق والالتزام.

إن معالجة هذا الملف تحتاج إلى حكمة وتوازن، بحيث تُراعى أوضاع المتضررين الحقيقيين، وفي الوقت نفسه تُصان حقوق أصحاب الديون والشركات التي تحملت من الخسائر ما تحملته بقية فئات المجتمع. والحل الأمثل هو الوصول إلى تسويات عادلة ومنصفة، تستند إلى الأعراف التجارية السليمة، وروح التعاون، والمبادئ التي حكمت العلاقات الاقتصادية بين الناس عبر العقود الماضية.

وفي ختام هذا المقال، أتقدم باسمي وباسم زملائي من الموردين بخالص التقدير والعرفان لكل تاجر وعميل بادر إلى تسديد كامل التزاماته خلال الحرب، رغم قسوة الظروف وصعوبة الحياة. لقد قدم هؤلاء نموذجاً مشرفاً في الوفاء والأمانة، وأسهموا في حماية الثقة داخل السوق، وهي الثروة التي لا تقل أهمية عن رأس المال نفسه.