اليوم الثلاثاء ٢١ يوليو ٢٠٢٦م

عندما تتحول وسائل المواصلات من وسيلة رفاهية إلى وسيلة قهر ومعاناة.. غزة تروي الحكاية

أمس, ١٠:١٨:٠٢ ص
أرشيفية

بقلم/ انور محمد عطالله- باحث في ادارة مخاطر وازمات

بعد مرور أكثر من ربع قرن على دخول الألفية الثالثة، شهد العالم ثورة غير مسبوقة في قطاع النقل والمواصلات. فقد أصبحت وسائل النقل أكثر أمانًا وراحة وسرعة، واستثمرت الدول مليارات الدولارات في تطوير البنية التحتية، وإنشاء الطرق الذكية، وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان، حتى غدت رحلة التنقل جزءًا من جودة الحياة.

أما في قطاع غزة، فقد سلكت وسائل المواصلات مسارًا معاكسًا تمامًا، إذ تحولت من وسيلة لتيسير الحياة إلى واحدة من أكثر صور المعاناة اليومية قسوة.

فمع الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية، وانهيار شبكة الطرق، وامتلائها بالحفر والركام، أصبحت رحلة التنقل اختبارًا يوميًا للصبر والتحمل. ولم يعد المواطن يبحث عن وسيلة مريحة، بل عن أي وسيلة توصله إلى وجهته مهما بلغت المشقة.

ويتحمل كبار السن، والمرضى، والأطفال، النصيب الأكبر من هذه المعاناة، حيث تتحول كل رحلة إلى عبء جسدي ونفسي بسبب وعورة الطرق، والاهتزازات المستمرة، وطول المسافات التي تستغرقها المركبات في الوصول.

كما أدى ارتفاع الطلب على وسائل النقل مقابل الانخفاض الكبير في أعداد المركبات العاملة إلى ازدحام خانق، وفترات انتظار طويلة قد تمتد لساعات.

وللتغلب على نقص وسائل النقل، لجأ كثير من السائقين إلى تركيب مقطورة خلفية Trailer تُسحب خلف السيارة، ويُطلق عليه بعض المواطنين اسم “عَجَلاه” المأخوذة من الكلمة العبرية עגלה، وهي عبارة عن منصة حديدية مسقوفة ومغلقة من الجوانب بأغطية بلاستيكية شوادر، تُستخدم لنقل أعداد كبيرة من الركاب في وقت واحد.

ورغم أنها أصبحت حلًا اضطراريًا، فإنها تفتقر إلى أبسط معايير السلامة والراحة. ففي فصل الصيف ترتفع درجات الحرارة داخلها بصورة خانقة، ويعاني الركاب من الازدحام الشديد ونقص التهوية، الأمر الذي قد يؤثر في صحة المرضى وكبار السن والأطفال. كما شهدت بعض الحالات انفصال المقطورة عن المركبة أثناء السير، مما أدى إلى وقوع حوادث مباشرة.

ولم تتوقف المعاناة عند صعوبة التنقل، بل امتدت إلى التكلفة أيضًا. فقد تضاعفت أجرة المواصلات عدة مرات مقارنة بما قبل الحرب. فعلى سبيل المثال، كانت أجرة الراكب من مستشفى العيون إلى المجلس التشريعي لا تتجاوز شيكلين، أما اليوم فقد وصلت إلى خمسة شواكل. وحتي اكون منصفا فان السبب الرئيس لارتفاع التكلفة هو ندرة وشح مستلزمات وصيانة المركبات من محروقات وزيوت وقطع غيار وارتفاع أسعار المتوفر منها لاسعار قياسية غير مسبوقة  ،،،،،كذلك ارتفع الزمن اللازم للوصول إلى الوجهة بصورة كبيرة؛ فالرحلة التي كانت تستغرق نحو ثلاثين دقيقة من منطقة السرايا أو موقف مستشفى الشفاء، الي النصيرات أصبحت تستغرق ساعتين على الأقل في كثير من الأيام.

وهكذا، تحولت وسيلة كان الهدف منها راحة الإنسان إلى وسيلة معاناة يومية تثقل كاهله في كل صباح.

 

رسالة إلى السائقين

أنتم تؤدون دورًا مهمًا في هذه المرحلة الاستثنائية، لكن تذكروا أن من يجلس أمامكم في المركبة يحمل من الهموم ما يكفيه.

تعاملوا مع الركاب بإنسانية، وتذكروا أن كلمة طيبة، أو مراعاة لمريض أو مسن، أو تنظيم أفضل للركاب، قد تكون أثرها أعظم من أي مقابل مادي. فالأجرة التي تتقاضونها هي مصدر رزقكم، والمواطن هو شريككم في هذه الظروف القاسية، وليس طرفًا في مواجهتها.

 

ورسالة إلى أهل غزة

إلى كل من يخرج مع ساعات الفجر بحثًا عن عمل، أو طالب علم يسعى إلى جامعته، أو أم تحمل طفلها إلى المستشفى، أو شاب يقصد زيارة مريض، أو رجل يحرص على أداء واجب اجتماعي رغم كل الصعوبات…

 

لكم منا كل الاحترام والتقدير.

لقد أثبتم للعالم أن الإنسان يمكنه أن يتمسك بالحياة حتى في أقسى الظروف. وأن الإرادة الصلبة تستطيع أن تنتصر على الركام، وأن الأمل يمكن أن يولد من قلب المعاناة.

لقد صنعتم بطولاتٍ صامتة لا تنقلها شاشات الأخبار، لكنها ستبقى محفورة في ذاكرة التاريخ. فكل رحلة شاقة تخوضونها، وكل خطوة فوق طريقٍ مدمر، وكل صباح تبدأونه رغم الألم، هو انتصار جديد على اليأس.

لقد حاولت الظروف أن تكسر عزيمتكم، فحوّلتم الصبر إلى قوة، والمحنة إلى صمود، والمعاناة إلى رسالة بأن الإنسان الفلسطيني لا يستسلم.

وسيأتي اليوم الذي تُعبد فيه الطرق من جديد، وتعود المدارس والجامعات والمستشفيات أكثر قوة، وتعود وسائل المواصلات لتكون وسيلة راحة كما هي في كل دول العالم، ويبقى ما قدمه أهل غزة شاهدًا على أن الشعوب العظيمة لا تُقاس بما مرت به من مآسٍ، بل بما امتلكته من قدرة على النهوض بعد كل محنة.