اليوم الأربعاء ٢٩ يوليو ٢٠٢٦م

سلطة النقد تدعو لمعالجة أزمة فائض الشيكل ومراجعة بروتوكول باريس

اليوم, ٩:٥٠:٢٠ م
أرشيفية

عقد معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، لقاء الطاولة المستديرة الخامس لعام 2026 لمناقشة "علاقات المراسلة المصرفية" وذلك في مقر المعهد وعبر تقنية الزووم. أعد الورقة الخلفية الباحث في المعهد السيد محمد عطا الله، فيما قدم السيد يحيى شنار محافظ سلطة النقد الفلسطينية مداخلة أولى، والدكتور جمال حوراني مدير منطقة فلسطين في البنك العربي مداخلته الثانية.

افتتح مدير عام معهد ماس اللقاء، مرحباً بالمشاركين، ومؤكداً على أهمية هذه الجلسة لحساسية موضوع علاقات المراسلة المصرفية، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للنظام المالي والتبادل التجاري. وأشار إلى أن المعهد يولي أهمية خاصة لتنظيم هذه الجلسات الحوارية المتخصصة، لما توفره من مساحة للنقاش وتبادل وجهات النظر. كما أعرب عن تقديره للشراكة مع برنامج تصدير، الذي تنفذه شركة كوواتر – المملكة المتحدة (Cowater) بتمويل من الحكومة البريطانية. 

بدوره استعرض عطا الله تطور العلاقات المصرفية الفلسطينية – الإسرائيلية، موضحاً أنها تعود إلى فترة الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، قبل أن يعاد تنظيمها مع إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية وتوقيع بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994، الذي شكل الإطار القانوني الناظم للعلاقات النقدية والمصرفية بين الجانبين. كما استعرض المحطات التي مرت بها هذه العلاقة، مشيراً إلى أنها شهدت خلال السنوات الأخيرة تحديات متزايدة، تمثلت في تراجع التعاون المؤسسي وتوقف عمل العديد من اللجان المشتركة المنصوص عليها في اتفاق باريس، وتشديد القيود على عمليات ترحيل فائض الشيكل منذ عام 2009، وفرض قيود على بعض أشكال التعاون المصرفي. وصولاً إلى تصاعد المخاطر بعد عام 2023، وما تبع ذلك من تدخلات دولية اثمرت بتمديدات متكررة للضمانات القانونية للحفاظ على استمرارية علاقات المراسلة المصرفية وقنوات التسوية المالية.

وأوضح الباحث أن خصوصية الحالة الفلسطينية تتمثل في مجموعة من العوامل البنيوية التي تزيد من حساسية الاقتصاد تجاه أي اضطراب في علاقات المراسلة المصرفية، وتشمل غياب العملة الوطنية، والاعتماد الكبير على الشيكل الإسرائيلي، وارتفاع درجة التشابك التجاري والمالي مع الاقتصاد الإسرائيلي. وأضاف، في ظل هذه الخصائص، لا تقتصر علاقات المراسلة المصرفية على دورها التقليدي في تنفيذ المدفوعات والتسويات العابرة للحدود، بل تمثل جزءاً أساسياً من البنية التشغيلية اللازمة لاستمرار النشاط الاقتصادي وإدارة السيولة، وتأمين تدفق السلع والخدمات الأساسية.

كما بين الباحث أن أي تعطل جزئي أو كلي في علاقات المراسلة المصرفية قد يؤدي إلى تداعيات متدرجة تبدأ بالنظام المالي وتمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، وصولاً إلى الاقتصاد الكلي. وتشمل هذه التداعيات اضطراب المدفوعات والتسويات المالية، وزيادة تكاليف المعاملات، وضغوط السيولة، وتأثر التجارة الخارجية وسلاسل الإمداد والتحويلات المالية، إضافة إلى انعكاسات محتملة على الشركات الصغيرة والمتوسطة ومستويات النمو الاقتصادي. كما أشار إلى أن استمرار هذه الاضطرابات قد يؤثر في الثقة بالقطاع المالي ويزيد الضغوط على الأسعار والمالية العامة، مؤكداً ان الحفاظ على استمرارية علاقات المراسلة المصرفية يمثل عاملاً أساسياً لدعم الاستقرار الاقتصادي والمالي. 

وأوضح الباحث أن الخيارات المطروحة لتعزيز استدامة علاقات المراسلة المصرفية ورفع مرونة النظام المالي الفلسطيني، موضحاً أنها تتركز في ثلاثة محاور رئيسة: المحافظة على العلاقات القائمة، وتقليص مخاطر التركّز والاعتماد، وتطوير البنية التحتية المالية والتكنولوجية. وأشار إلى أن الحفاظ على العلاقات المصرفية الحالية يمثل أولوية في المدى القريب، نظراً لارتباط النشاط الاقتصادي الفلسطيني بقنوات التسوية القائمة، فيما يتطلب ذلك تعزيز الحوار والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، وتطوير أطر الامتثال وإدارة المخاطر، بما يدعم ثقة البنوك المراسلة ويحد من احتمالات الانقطاع. 

وأضاف عطا الله، إن تعزيز مرونة النظام المالي يتطلب توسيع استخدام الحلول الرقمية وأنظمة الدفع الحديثة، واستكشاف قنوات تسوية إضافية إقليمية ودولية، مع التأكيد على أن هذه الخيارات تمثل أداوت داعمة وليست بديلاً كاملاً عن العلاقات القائمة. كما أشار إلى أهمية الجمع بين الحفاظ على القنوات المصرفية الحالية وتطوير بدائل تدريجية طويلة الأجل بما يعزز قدرة القطاع المالي الفلسطيني على التكيف مع المخاطر المستقبلية.

 

واستعرضت الورقة ثلاثة سيناريوهات مستقبلية لعلاقات المراسلة المصرفية؛ إذ يتمثل السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، في استمرار العلاقات القائمة مع بقاء حالة من عدم اليقين، في ظل المصالح الاقتصادية المتبادلة والدعم الدولي المستمر للحفاظ على القنوات المصرفية القائمة. أما السناريو الثاني، فيتمثل في تقييد أو اضطراب جزئي للعلاقات المصرفية، بينما يفترض السيناريو الثالث انقطاع شبه كامل، وهو الأقل احتمالاً والأعلى كلفة. 

اختتم الباحث عرضه بحزمة من الإجراءات التنفيذية، تهدف إلى تعزيز استمرارية الخدمات المالية ورفع مرونة النظام المالي الفلسطيني في مواجهة المخاطر المحتملة. وتشمل قصيرة الأجل الحفاظ على علاقات المراسلة المصرفية القائمة، وتعزيز خطط الطوارئ، وتكثيف التواصل مع الجهات الدولية الداعمة لاستمرار قنوات التسوية. أما الإجراءات متوسطة الأجل، فتتمثل في تنويع شبكة البنوك المراسلة الدولية، وتطوير البنية التحتية للمدفوعات الرقمية، وتقليص الاعتماد على النقد. فيما تركز الإجراءات طويلة الأجل على تطوير حلول إقليمية وعابرة للحدود للمدفوعات والتسويات، وتعزيز مرونة النظام المالي وتقليل مخاطر التركّز، وبناء ترتيبات مؤسسية أكثر استدامة وقابلة للتنبؤ بدلاً من الاعتماد على الضمانات المؤقتة، إلى جانب توسيع نطاق الشراكات المالية الدولية بما يعزز اندماج القطاع المالي الفلسطيني بالنظام المالي العالمي. 

وفي مداخلته، أكد معالي محافظ سلطة النقد الفلسطينية السيد يحيى شنار على أن تداعيات تهديدات وقف علاقات المراسلة المصرفية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، بما يهدد قدرة المواطنين والشركات على تنفيذ معاملاتهم المالية والتجارية. 

وشدد المحافظ على أن سلطة النقد تواصل جهودها واتصالاتها مع مختلف الأطراف المحلية والدولية للتعامل مع التهديدات التي تواجه علاقات المراسلة المصرفية، مؤكداً أن تجنب انقطاعها يتطلب تحركاً جماعياً وفورياً قبل دخول أي قرارات بإنهائها حيز التنفيذ، وتوظيف جميع الأدوات الدبلوماسية والفنية المتاحة لضمان استمراريتها، باعتبار أن معالجة الأزمة تكمن في ضمان استمرار انخراط فلسطين في النظام المالي العالمي، وليس في البحث عن بدائل مؤقتة. 

ودعا شنار إلى أهمية معالجة أزمة فائض الشيكل عبر إلغاء السقف المفروض على إعادة النقد إلى إسرائيل أو رفعه، إلى جانب إطلاق مراجعة مؤسسية لبروتوكول باريس الاقتصادي بهدف التوصل إلى ترتيبات قانونية وتشغيلية أكثر استدامة تضمن معالجة التحديات القائمة.

بدوره، أكد حوراني أن الأولوية تتمثل في الحفاظ على علاقات المراسلة المصرفية القائمة، محذراً من أن التركيز على إنشاء شركة وسيطة قد يشتت الجهود عن التحدي الرئيسي. وأشار إلى خصوصية العلاقة المالية المرتبطة بالشيكل، موضحاً أن الحوالات المالية مع إسرائيل تشمل ثلاث قنوات رئيسية: التحويلات التجارية، وتحويلات أجور العمال، والحوالات الجمركية. كما حذر من أن أزمة السيولة النقدية (الكاش) تمثل خطراً كبيراً على الاقتصاد، مؤكداً أهمية الحلول الرقمية رغم محدودية قدرتها على معالجة تحديات المراسلة المصرفية، وضرورة الانتقال إلى خطة طوارئ مالية تضمن استمرارية النظام المالي.