وكالات/ الاقتصادية
في وقت تشهد أسواق قطاع غزة عودة تدريجية لبعض مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية، يواجه قطاع المطاعم والمقاهي تحديات متزايدة تهدد استمراره في ظل الارتفاع الكبير في تكاليف التشغيل والترميم وصعوبة توفير المواد الأساسية اللازمة لتدشين المشاريع وإعادة تشغيل المنشآت المتضررة. ورغم التراجع النسبي في أسعار بعض المواد الغذائية، لا تزال تكاليف إنشاء وتجهيز المطاعم والمقاهي مرتفعة، مع تصاعد أسعار الحديد والأخشاب ومستلزمات الكهرباء وغيرها من المواد الضرورية لأعمال البناء والتجهيز.
وفي ظل ضعف القدرة الشرائية وتراجع الإقبال، يجد أصحاب المشاريع أنفسهم أمام معادلة اقتصادية صعبة إذ تتجاوز تكاليف التأسيس والتشغيل الإيرادات، بينما تفرض المنافسة خفض الأسعار وتقليص هامش الربح ما يزيد الضغوط على استمرارية هذه المشاريع والعاملين فيها. خفض العمالة والأجور يقول النادل عبد الله سميح، الذي يعمل في أحد المطاعم بمدينة غزة، إن المطعم الذي يعمل فيه يمر منذ فترة بتعثرات مالية متواصلة نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل مقابل تراجع الإيرادات
ويوضح سميح لـ"العربي الجديد" أن إدارة المطعم أصبحت تواجه صعوبة في تغطية المصروفات اليومية، في ظل تراجع الإقبال وارتفاع تكلفة العديد من المستلزمات والخدمات الضرورية لاستمرار العمل. ويلفت إلى أن هذه الظروف دفعت صاحب المطعم إلى تقليص عدد العاملين من 22 موظفا إلى 14 فقط، في محاولة لتقليل النفقات والحفاظ على استمرار المشروع، مشيرا إلى أن تخفيض العمالة انعكس على ضغط العمل بالنسبة للعاملين الذين بقوا في وظائفهم، في وقت باتت المنشأة تحاول العمل بأقل عدد ممكن من الموظفين لتقليل فاتورة الأجور.
ويبيّن أن أجور العاملين تعرضت أيضا للتخفيض بنسبة تقارب 15%، موضحا أن أجره اليومي كان قبل الخفض 50 شيكلاً. (الدولار= 3.05 شواكل). أما لؤي دحلان، الذي دشن مقهى باعتباره مشروعاً صغيراً في منطقة مواصي خانيونس، فيقول إن تكلفة إنشاء المشروع وتجهيزه كانت مرتفعة بصورة كبيرة، إذ دفع أكثر من 25 ألف دولار لتدشين المقهى وهو مبلغ يرى أنه ضخم بالنسبة إلى مقهى صغير يحتاج إلى تحقيق مبيعات يومية مرتفعة حتى يتمكن من استرداد تكاليفه وتحقيق الأرباح.
ويشرح دحلان لـ"العربي الجديد" أن إدارة المشروع تعتمد على حسبة يومية دقيقة لحجم المبيعات وما يتم تحقيقه من أرباح، موضحا أن أي أرباح تقل عن مبلغ معين تُعتبر عمليا خسارة بالنسبة لهم، نظرا إلى حجم الالتزامات والتكاليف التي يتحملها المشروع. ويشير إلى أن ارتفاع تكلفة الإنشاء والتجهيز يجعل المشروع بحاجة إلى تحقيق مستوى مرتفع من المبيعات بشكل مستمر حتى يتمكن من تغطية مصروفاته والمحافظة على استمراريته.
ويلفت إلى أن ازدياد أعداد المطاعم والمقاهي أدى إلى خلق حالة كبيرة من التنافسية في السوق، وهو ما يجبر أصحاب المشاريع على المنافسة في الأسعار لاستقطاب الزبائن، الأمر الذي يؤدي في المقابل إلى تقليل هامش الربح. تكاليف تفوق الإيرادات بدوره، يرى المختص بالشأن الاقتصادي، محمد بربخ، أن قطاع المطاعم والكافيهات في غزة يمر بمرحلة شديدة الحساسية، إذ عاد جزء منه للعمل بعد توقف حرب الإبادة، لكنه يواجه تحديات اقتصادية تهدد استمراره.
ويقول بربخ لـ"العربي الجديد" إن غالبية المنشآت تعمل اليوم في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الاستقرار، الأمر الذي جعل تكاليف التشغيل أعلى بكثير من الإيرادات التي تحققها. ويلفت إلى أن المطاعم والكافيهات تعاني تراجعاً واضحاً في أعداد الزبائن رغم محاولاتها استعادة نشاطها، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الخدمات المقدمة، حتى مع انخفاض أسعار بعض المواد الغذائية مقارنة بالفترات السابقة، جعل كثيراً من المواطنين يعزفون عن ارتيادها، خاصة مع تغير أولويات الإنفاق لدى الأسر التي باتت تركز على الاحتياجات الأساسية فقط.
ويشير إلى أن الأزمة لا ترتبط بالأسعار وحدها، وإنما بانعدام مصادر الدخل وشح السيولة النقدية، إذ يعتمد كثير من المواطنين على وسائل دفع إلكترونية في ظل محدودية توفر الأموال النقدية، وهو ما انعكس سلباً على حركة الأسواق والقطاع الخدمي بشكل عام، وأضعف القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة. في حين، يذكر المختص في الشأن الاقتصادي، أنور عطاالله، أن قطاع غزة شهد خلال الأشهر الأخيرة توسعا في افتتاح المطاعم والمقاهي وصالات الأفراح واستوديوهات المناسبات. "ويعكس هذا النشاط وجود طلب اجتماعي متزايد ورغبة لدى السكان في استعادة جانب من الحياة الطبيعية، وهي إشارة على قدرة المجتمع على التكيف واستعادة بعض مظاهر النشاط الاقتصادي".
ويقول عطاالله لـ"العربي الجديد": "هذا الحراك لا يعني بالضرورة تعافيا اقتصاديا، فالتعافي الحقيقي يحتاج إلى نمو متوازن يشمل القطاعات الإنتاجية وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والإنشاءات، إلى جانب الخدمات المالية والتوزيع، بينما لا تزال هذه القطاعات تواجه تحديات كبيرة، ما يثير مخاوف من تحول الاقتصاد نحو أنشطة استهلاكية قصيرة الأجل تفتقر إلى الاستدامة". ويضيف: "المطاعم والخدمات تواجه تحديات تتعلق بتقلب الأسعار واضطراب سلاسل التوريد وصعوبة توفير مستلزمات التشغيل الأساسية. لذلك، يمكن النظر إلى المشهد الحالي باعتباره تعافيا اجتماعيا وخدميا جزئيا، يحتاج إلى إعادة بناء القطاعات الإنتاجية حتى يتحول إلى نمو اقتصادي مستدام وشامل".
إذ في ظل هذه الأوضاع، تبدو عودة المطاعم والمقاهي إلى العمل مؤشرا على رغبة المجتمع في استعادة الحياة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن هشاشة البيئة الاقتصادية التي تعمل فيها هذه المشاريع. فارتفاع تكاليف التأسيس والترميم والتشغيل يفرض أعباء كبيرة على أصحاب المشاريع، في وقت لا تزال الإيرادات محدودة والقدرة الشرائية ضعيفة.

