بقلم/ انور محمد عطالله- باحث في ادارة المخاطر والأزمات- جامعة القاهرة
صدر مؤخرًا تصريح لرئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية يفيد بأن 67% من سكان قطاع غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن 10% يقتربون من المجاعة.
قد تبدو هذه الأرقام للبعض مجرد إحصاءات، لكنها في الحقيقة إعلان بأن غزة تسير على حافة كارثة إنسانية تتفاقم مع كل يوم يمر.
ولكي ندرك خطورة هذا التصريح، لا بد من التمييز بين انعدام الأمن الغذائي والمجاعة.
فالأمن الغذائي يعني توافر غذاء كافٍ، وآمن، ومغذٍ لجميع الأفراد في كل الأوقات. أما المجاعة فهي أشد مراحل انعدام الأمن الغذائي، حيث تتحول ندرة الغذاء إلى أزمة واسعة ينتشر معها سوء التغذية الحاد، وتبدأ الوفيات الناتجة عن الجوع والأمراض المرتبطة به. وهذا تعريف الأمم المتحدة، وليس توصيفًا إعلاميًا أو سياسيًا.
إذا عدنا إلى الأيام الأولى للحرب، سنجد أن أزمة الأمن الغذائي بدأت منذ اللحظة الأولى. فقد لجأ المواطنون إلى تخزين المعلبات، لأنهم أدركوا أن الحرب ستطول، وأن غاز الطهي والكهرباء سيختفيان. وبعد دخول المساعدات، كانت غالبية ما وصل أيضًا من المعلبات لقدرتها على تحمل النقل والتخزين والتأخير، ومع استمرار نقص غاز الطهي، تحولت المعلبات إلى الغذاء الرئيسي لآلاف الأسر.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالهدف من الأمن الغذائي ليس مجرد منع الإنسان من الموت جوعًا، بل أن يحصل على غذاء مغذٍ يحافظ على صحته. والاعتماد المستمر على المعلبات، كما يحذر الأطباء وأخصائيو التغذية، يحمل مخاطر صحية تتراكم بمرور الوقت، وخاصة على الأطفال، وكبار السن، ومرضى الأمراض المزمنة.
وخلال ما يقارب ثلاثة أعوام، لم يكن الحصول على الغذاء حقًا متاحًا للجميع في كل الأوقات. فقد شاهد العالم آلاف المواطنين يقفون لساعات طويلة أمام التكيات للحصول على وجبة بسيطة من العدس أو الأرز، لا تكفي لسد احتياجات الأسرة.
لهذا، فإن معظم سكان غزة عاشوا حالة من انعدام الأمن الغذائي، ولا يزالون يعيشونها حتى اليوم. أما الجوع، فقد عرفه معظم السكان خلال صيف عام 2025، واليوم تحذر الأمم المتحدة من أن 10% من السكان أصبحوا على أعتاب المجاعة.
إن خطورة هذه الأزمة لا تكمن في نقص الغذاء وحده، بل في أن آثارها الصحية لا تنتهي بمجرد دخول شاحنات المساعدات. فكل يوم يتأخر فيه الغذاء المتوازن يترك أثرًا جديدًا على طفل يفقد فرصة النمو السليم، أو مريض تتدهور حالته، أو مسنٍّ تضعف مقاومته للأمراض.
هذه المصطلحات ليست من صنعنا، بل وضعتها الأمم المتحدة واعتمدتها جميع الدول الأعضاء فيها. وإذا كانت هذه المؤسسات نفسها تحذر من خطر المجاعة، فإن الصمت لم يعد موقفًا محايدًا، بل أصبح جزءًا من الأزمة.
إن فتح المعابر اليوم لم يعد مطلبًا سياسيًا، بل ضرورة إنسانية عاجلة. وعلى الأمم المتحدة، وبرنامج الأغذية العالمي، وجميع الأطراف القادرة على التأثير، ممارسة أقصى درجات الضغط لضمان دخول الغذاء بجميع أنواعه بصورة دائمة ومنتظمة.
فكل تأخير في ادخال الغذاء هو خطوة أخرى نحو فقدان الامن الغذائي والمجاعة، ويضيف أسماءً جديدة إلى قائمة الضحايا الذين كان يمكن إنقاذهم.

