رام الله/ الاقتصادية
انطلقت من استوديوهات إذاعة الرقيب فعاليات يوم إذاعي وطني نظّمه الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان)، بمشاركة ثماني إذاعات شريكة من مختلف محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة، خُصص لبحث قضايا مكافحة الفساد والتدفقات المالية غير المشروعة وشفافية المستفيد الحقيقي. وشهد اليوم الإذاعي نقاشات سلطت الضوء على أهمية تتبع أموال الفساد واستردادها، وتعزيز حماية المال العام، وترسيخ مبادئ النزاهة والمساءلة، من خلال تبسيط هذه المفاهيم وربطها بالقضايا التي تمس المواطن الفلسطيني بشكل مباشر.
وخلال المحور الأول من اليوم الإذاعي، ناقش ضيفا الحلقة المستشار القانوني لائتلاف أمان بلال البرغوثي، ورئيس وحدة الشؤون القانونية في هيئة مكافحة الفساد أسامة السعدي، آليات تحول الأموال الناتجة عن جرائم الفساد إلى أموال يصعب تتبعها، والطرق التي قد تُستخدم لإخفائها أو تمريرها بعيدًا عن الرقابة، إضافة إلى دور المؤسسات المختصة في كشف هذه المسارات وملاحقتها قانونيًا.
وأوضح البرغوثي أن التدفقات المالية غير المشروعة تعني الأموال المتحصلة من جرائم الفساد، وفي السياق المرتبط بعمل ائتلاف أمان فإن الحديث يدور بشكل أساسي حول الأموال الناتجة عن جرائم الفساد، مثل الرشوة، واختلاس المال العام، والمتاجرة بالنفوذ الوظيفي، والكسب غير المشروع أو استغلال الوظيفة العامة.
وبيّن أن مرتكبي هذه الجرائم قد يلجؤون إلى إخفاء مصادر الأموال أو محاولة إبعادها عن مسار الملاحقة القانونية من خلال وسائل متعددة، من بينها ضخ الأموال في النظام المصرفي، أو تحويلها إلى الخارج، أو استثمارها في صفقات عقارية، أو من خلال شركات وهمية، مشيرًا إلى أن هذه العمليات تدخل ضمن جريمة غسل الأموال، التي تقوم على إخفاء مصدر الأموال المتحصلة من جرائم عبر سلسلة من الإجراءات المالية أو التجارية الوهمية.
وأشار البرغوثي إلى أن جريمة غسل الأموال تختلف قانونيًا عن جريمة الفساد الأصلية، رغم ارتباطهما في كثير من الحالات، موضحًا أن الرشوة أو الاختلاس تمثل جريمة، بينما إخفاء الأموال الناتجة عنها أو محاولة التصرف بها يمثل جريمة أخرى مستقلة لها أركانها وإجراءاتها الخاصة.
وأضاف أن أهمية تتبع الأموال تكمن في أن كشف الفاسد لا يكون دائمًا عند ارتكاب الجريمة الأصلية، إذ قد يتم كشفه لاحقًا أثناء محاولته التصرف بالأموال الناتجة عنها أو إدخالها في قنوات مالية وتجارية بهدف إخفاء مصدرها، مؤكدًا أن غسل الأموال يمثل أحد المسارات المهمة لكشف جرائم الفساد.
وفيما يتعلق بطرق إخفاء الأموال في الحالة الفلسطينية، لفت البرغوثي إلى أن الصفقات العقارية تعد من أبرز الأنماط التي ظهرت في عدد من القضايا التي تناولتها الدراسات، نظرًا لطبيعة سوق العقار وارتفاع قيمته، إضافة إلى التحديات المرتبطة بتتبع حركة الأموال بين الجهات المختلفة.
وأكد أن ضعف الربط الإلكتروني بين المؤسسات ذات العلاقة يشكل أحد أبرز التحديات أمام عملية التتبع، موضحًا أن غياب التكامل بين قواعد البيانات المتعلقة بالقطاع المالي والعقارات والشركات يحد من قدرة الجهات المختصة على بناء صورة متكاملة حول حركة الأموال ومساراتها.
من جهته، أوضح رئيس وحدة الشؤون القانونية في هيئة مكافحة الفساد أسامة السعدي أن تتبع الأموال والأصول يمثل جزءًا أساسيًا من إجراءات البحث والتحري في القضايا التي تتضمن مؤشرات على وجود منافع مالية غير مشروعة أو كسب غير مشروع مرتبط بجرائم فساد.
وبيّن السعدي أن الهيئة تبدأ بتقييم الحاجة إلى تتبع الأموال منذ المراحل الأولى لدراسة البلاغات والشكاوى، وفي حال ظهور مؤشرات على وجود تحويلات مالية غير واضحة أو حركات مالية مشبوهة، يتم إدراج مسار تتبع الأموال بالتوازي مع إجراءات التحقيق.
وأوضح أن إجراءات التتبع قد تشمل، وفق الأطر القانونية، رفع السرية المصرفية عن حسابات المشتبه بهم، وتحليل الحركات المالية، وفحص الإقرارات المالية، ودراسة الشركات والأصول المرتبطة بالأشخاص محل التحقيق، إضافة إلى إعداد تقارير مالية متخصصة تساعد في تحديد مسارات الأموال.
وأشار السعدي إلى أن ظهور مؤشرات مثل تعدد الحسابات البنكية، أو وجود شركات غير معلن عنها، أو عمليات مالية غير واضحة، قد يشكل علامات تستدعي التحقق من احتمالية وجود جريمة غسل أموال مرتبطة بجريمة فساد أصلية.
وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه عملية ملاحقة الأموال غير المشروعة، أكد البرغوثي والسعدي أهمية تطوير قدرات المؤسسات المختصة، ورفع كفاءة الكوادر العاملة في التحقيقات المالية والجرائم الإلكترونية، خاصة مع تطور الأساليب التي يستخدمها مرتكبو الجرائم المالية.
وأوضح البرغوثي أن جرائم غسل الأموال أصبحت أكثر تعقيدًا، وتعتمد على أدوات مالية وتقنية متطورة، ما يتطلب توفير موارد بشرية ومادية متخصصة للجهات الرقابية، إلى جانب تعزيز التعاون بين هيئة مكافحة الفساد، ووحدة المتابعة المالية، والنيابة العامة.
وأكد السعدي وجود تعاون وتكامل بين الجهات المختصة في متابعة القضايا التي تتضمن أموالًا أو أصولًا مشتبهًا بها، موضحًا أن وحدة المتابعة المالية والنيابة العامة وهيئة مكافحة الفساد تعمل ضمن منظومة مشتركة تشمل تبادل المعلومات، ورفع السرية المصرفية وفق القرارات القضائية، وتحليل الحركات المالية المرتبطة بالملفات.
وشدد ضيفا الحلقة على أن الأموال الناتجة عن الفساد لا تمثل أرقامًا مجردة، بل ترتبط بشكل مباشر بحقوق المواطنين والخدمات العامة، موضحين أن استرداد هذه الأموال يمكن أن ينعكس على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.
وأكد البرغوثي أن المواطن هو المتضرر الأول من التدفقات المالية غير المشروعة، موضحًا أن الأموال التي يتم إخفاؤها أو تهريبها هي موارد كان يمكن أن تُستخدم في تحسين الخدمات العامة وتعزيز قدرة المؤسسات على تلبية احتياجات المواطنين.
ودعا المشاركون خلال الحلقة إلى تعزيز الوعي المجتمعي بمفهوم التدفقات المالية غير المشروعة، وتوفير مزيد من الشفافية والوصول إلى المعلومات، باعتبار أن إشراك المواطن في المعرفة والرقابة يشكل عنصرًا أساسيًا في مكافحة الفساد وتعزيز المساءلة.
ويأتي هذا اليوم الإذاعي ضمن جهود ائتلاف أمان لتعزيز النقاش العام حول قضايا النزاهة ومكافحة الفساد، عبر شراكة إعلامية جمعت إذاعة الرقيب وثماني إذاعات فلسطينية من مختلف محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة، هي: إذاعة منبر الحرية، وراديو وتلفزيون البلد، وراديو موال، وراديو زمن، وإذاعة ريحان، وراديو كل الناس، وراديو نساء، وراديو حياة، بهدف إيصال الرسائل التوعوية وتعزيز مشاركة الجمهور في النقاش حول حماية المال العام وملاحقة التدفقات المالية غير المشروعة.

