قال الخبير المالي والاقتصادي ثابت أبو الروس إن أي طرح قابل للتنفيذ ويمكن العمل من خلاله على تفكيك الأزمة الاقتصادية الفلسطينية يعد طرحاً مقبولاً من حيث المبدأ، إلا أن مقترح الحصول على قرض بقيمة 18 مليار شيكل من الدول المانحة بضمانة أوروبية، عبر القطاع المصرفي، يواجه جملة من الإشكاليات الاقتصادية والمالية، معتبراً أن مثل هذا القرض قد يعني ترحيل المشكلة الحالية إلى المستقبل بدلاً من معالجة أسبابها الحقيقية.
وأوضح أبو الروس في حديثه للإذاعة الرسمية، أن المشكلة الأساسية التي تواجه الاقتصاد الفلسطيني لا تتمثل في عدم القدرة على الحصول على قرض، وإنما في أزمة أموال المقاصة التي تحتجزها سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ ما لا يقل عن 16 شهرا.
وأضاف أن الحصول على قرض من القطاع المصرفي بضمانة الدول الأوروبية، مع تعهد هذه الدول بدفع فوائد القرض، لا يبدو في الظروف الحالية مقبولاً أو واقعياً، خصوصاً أن الدول الأوروبية دأبت منذ عام 1993 على التعهد بدعم موازنة السلطة الفلسطينية، إلا أن هذا الدعم لم يكن ملتزماً به حتى في حساباته السنوية بصورة كاملة.
وأشار إلى أن الحديث عن قرض بقيمة 18 مليار شيكل يتطلب إجراءات مطولة وضمانات مالية كبيرة، لافتاً إلى أن الدول الأوروبية عندما تمنح أي قرض تقوم بتصنيف الدولة المستفيدة من حيث قدرتها على الوفاء بالتزاماتها ودرجة ملاءتها المالية.
وأوضح، أبو الروس أن السلطة الفلسطينية تواجه في الوقت الحالي مديونية للقطاع الخاص، والقطاع المصرفي، والقطاع المؤسسي، إضافة إلى مديونية للخارج، تصل في مجموعها إلى نحو 50 مليار شيكل، الأمر الذي يعني، بحسب تقديره، أن الملاءة المالية للسلطة الفلسطينية ضعيفة، وهو ما يشكل أحد العوامل التي قد تعيق الحصول على قرض بهذا الحجم.
وقال إن هناك عدة مقومات اقتصادية تجعل الحصول على هذا القرض أمراً صعباً، معتبراً أن المسؤولية الأساسية للدول الأوروبية في هذه المرحلة تتمثل في دعم السلطة الفلسطينية ومساعدتها على الحفاظ على الكيان السياسي الذي يحفظ الوجود الفلسطيني أولاً، ويحافظ على الاقتصاد الفلسطيني ثانياً، بدلاً من دفعها نحو مزيد من الاستدانة.
قرض الـ18 مليار وفائض الشيكل قضيتان مختلفتان
وشدد أبو الروس على ضرورة عدم الخلط بين الحصول على قرض بقيمة 18 مليار شيكل وبين فائض الشيكل الموجود لدى القطاع المصرفي الفلسطيني، مؤكداً أن القضيتين مختلفتان بشكل جوهري.
وأوضح أن القرض يمثل التزاماً مالياً على السلطة الفلسطينية، ويتوجب عليها سداده مستقبلاً وفق شروط القرض، بينما فائض الشيكل الموجود في القطاع المصرفي الفلسطيني ليس أموالاً للحكومة أو للبنك، وإنما هو أموال تعود إلى المودعين والشركات والمستثمرين.
وأضاف أن البنوك الفلسطينية تؤدي دور الوسيط في العديد من العمليات المالية المرتبطة بالتجارة مع الجانب الإسرائيلي، فعلى سبيل المثال، عندما تقوم شركة محروقات فلسطينية بدفع قيمة مشترياتها إلى المورد الإسرائيلي من خلال أحد البنوك الفلسطينية، فإن البنك يكون وسيطاً لنقل الأموال إلى الجهة صاحبة الحق فيها.
وأكد أن هذه الأموال لا يمكن التعامل معها باعتبارها أموالاً فائضة يمكن التصرف بها من قبل الحكومة، لأنها أموال شركات ومستثمرين ومودعين، ولا يمكن المساس بها دون موافقة أصحابها.
قطع العلاقة المصرفية يمثل شللاً للاقتصاد الفلسطيني
وحذر أبو الروس من أن قطع العلاقة المصرفية بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية سيؤدي إلى شلل كبير في الاقتصاد الفلسطيني، مشيراً إلى أن العلاقة المصرفية الحالية يمكن أن تتعرض للتجميد أو التقليص، وهي بالفعل تشهد تقليصاً في الوقت الراهن.
ولفت إلى أن بنكي ديسكونت وهبوعليم الإسرائيليين قررا وقف العلاقة المصرفية مع البنوك الفلسطينية، على أن يدخل قرار بنك ديسكونت حيز التنفيذ في الأول من أيلول/سبتمبر المقبل، فيما يبدأ قرار بنك هبوعليم في الأول من تشرين الأول/أكتوبر. وأوضح أن هناك ضغوطاً على البنكين للاستمرار في العلاقة المصرفية حتى نهاية العام، وتحديداً حتى 30 كانون الأول/ديسمبر، إلا أن كلاً منهما حدد موعداً مختلفاً لوقف العلاقة، معتبراً أن هذا الاختلاف في المواعيد يعكس وجود تباين أو مشكلة داخلية مرتبطة بالقرار.وقال إن الجميع يعتقد أن تداعيات قطع العلاقة المصرفية ستنعكس على الاقتصاد الفلسطيني فقط، إلا أن تأثير القرار سيطال البنوك الإسرائيلية أيضاً بصورة كبيرة، نظراً لحجم الحركة المالية القائمة بين الجانبين.
وأشار إلى أن هناك مفاوضات واتصالات جرت بين الحكومة الإسرائيلية والبنكين بهدف تقييد الوضع المالي في حال تم قطع العلاقة، موضحاً أن حجم الحركة المالية بين البنوك الفلسطينية والبنوك الإسرائيلية يصل إلى نحو 54 مليار شيكل سنوياً.
وبيّن أن هذا الحجم من التدفقات المالية يعني أن البنكين الإسرائيليين يستفيدان أيضاً من استمرار العلاقة المصرفية مع الجانب الفلسطيني، وبالتالي فإن قطعها لن يكون تأثيره محصوراً في الجانب الفلسطيني فقط.
شركة لنقل الأموال بين الجانبين لم تر النور
وفي سياق البحث عن بدائل للعلاقة المصرفية المباشرة، قال أبو الروس إن شركة لنقل الأموال بين الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي أنشئت منذ عام 2018، فيما بدأت في عام 2022 إجراءات وضع الأنظمة والقوانين الخاصة بها.
وأوضح أن هذه الشركة، رغم مرور سنوات على إنشائها والبدء بإعداد الأطر القانونية والتنظيمية اللازمة لعملها، لم ترَ النور حتى الآن.
وأشار إلى أن الجانب الفلسطيني يسعى حالياً إلى تفعيل هذه الشركة لتكون بديلاً عن البنكين الإسرائيليين، بما يسمح باستمرار التدفقات النقدية وحركة الأموال بين الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي، ولكن من خلال آلية مختلفة عن العلاقة المصرفية المباشرة الحالية.
فائض الشيكل يتجاوز قدرة الجهاز المصرفي على الاستيعاب
وحول حجم فائض الشيكل المتراكم لدى القطاع المصرفي الفلسطيني، أوضح أبو الروس أن حجم الفائض المتراكم قبل قيام الجانب الإسرائيلي بشحن نحو 4.5 مليار شيكل في الأول من آب/أغسطس 2026 كان يبلغ نحو 17 مليار شيكل.
وأضاف أنه بعد عملية الشحن الأخيرة، من المرجح أن يكون حجم الفائض المتراكم قد تراجع إلى ما بين 12.5 و13 مليار شيكل تقريباً.
ولفت إلى أن القدرة الاستيعابية للجهاز المصرفي الفلسطيني للتعامل مع فائض الشيكل تتراوح بين 6 و7 مليارات شيكل، وقد تصل في بعض الظروف إلى نحو 8 مليارات شيكل، ما يعني أن حجم الفائض الحالي ما يزال أعلى من قدرة الجهاز المصرفي على الاستيعاب.
اتفاق باريس لم يعد يواكب الواقع الاقتصادي
وتطرق أبو الروس إلى الآلية التي تم الاتفاق عليها في أعقاب توقيع اتفاق باريس الاقتصادي عام 1994، موضحاً أن الاتفاق نص على أن يقوم الجانب الإسرائيلي بشحن نحو 18 مليار شيكل سنوياً.
وتساءل: هل الظروف الاقتصادية والديموغرافية التي كانت قائمة عام 1994 تساوي الظروف الاقتصادية الحالية؟
وأوضح أن عدد السكان وحجم النشاط الاقتصادي وحجم الاستثمارات تغيرت بصورة كبيرة منذ ذلك الوقت، مشيراً إلى أن الاقتصاد الفلسطيني شهد نمواً في أعداد المستثمرين، إلى جانب وجود تدفقات مالية من الفلسطينيين في الداخل إلى السوق الفلسطيني.
وأشار إلى أن الواقع الاقتصادي الحالي يختلف بصورة جوهرية عن الواقع الذي كان قائماً عند إقرار اتفاق باريس الاقتصادي، سواء من حيث عدد السكان أو حجم السوق أو حجم النشاط التجاري والاستثماري.
وأضاف أن العلاقة التجارية بين السوق الفلسطينية والسوق الإسرائيلية شهدت نمواً كبيراً، وأن الجانب الإسرائيلي كان في السابق يتعامل بمرونة أكبر في موضوع استقبال أموال الشيكل وشحنها، بل كان يأخذ أموالاً تفوق في بعض الحالات الحدود المخصصة ضمن الآلية المتفق عليها.
54 مليار شيكل حجم التبادل المالي بين السوقين
وقال أبو الروس إن حجم التبادلات المالية بين السوق الفلسطينية والسوق الإسرائيلية، والذي يصل إلى نحو 54 مليار شيكل سنوياً، يعكس بشكل واضح النمو الكبير في حجم التجارة بين الجانبين.
وأوضح أن هذا الرقم يدل على وجود اعتماد اقتصادي وتجاري كبير ومتزايد بين السوقين، مشيراً بصورة خاصة إلى اعتماد عدد كبير من التجار الفلسطينيين على التجار والموردين الإسرائيليين.
وأكد أن هذا الاعتماد لا يمكن تجاهله عند الحديث عن مستقبل العلاقة المصرفية بين الجانبين، لأن أي قرار يؤدي إلى وقف تدفق الأموال بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية ستكون له انعكاسات مباشرة على حركة التجارة، وعلى الشركات والمستوردين والمصدرين والتجار، وليس فقط على القطاع المصرفي.
وأشار إلى أن حجم التعاملات المالية والتجارية الحالية يؤكد أن الآليات التي وضعت عام 1994 لم تعد بالضرورة تتناسب مع حجم الاقتصاد الفلسطيني الحالي، ولا مع التغيرات التي طرأت على السوق الفلسطينية خلال أكثر من ثلاثة عقود.
وبحسب أبو الروس، فإن معالجة الأزمة الحالية تتطلب النظر إلى جذورها الحقيقية، وفي مقدمتها أموال المقاصة، وآلية إدارة فائض الشيكل، واستمرار العلاقة المصرفية مع الجانب الإسرائيلي، بدلاً من الاكتفاء بحلول تقوم على زيادة المديونية وترحيل الالتزامات المالية إلى المستقبل.

