بقلم/د. محمود صبرة- أستاذ الإقتصاد بجامعة الأزهر
لم يعد السؤال الأكثر أهمية في غزة متعلقًا فقط بمن سيحكم القطاع بعد الحرب، بقدر ما أصبح متعلقًا بمن يملك القدرة على تصميم شكل الحكم نفسه، وتحديد المجال الذي يستطيع هذا الحكم أن يتحرك داخله. فالفرق بين وجود حكومة فلسطينية وامتلاك سيادة فلسطينية ليس تفصيلًا لغويًا أو قانونيًا. قد يكون رئيس الإدارة فلسطينيًا، والوزراء والمديرون والشرطة والبلديات فلسطينيين، بينما تظل مفاتيح التمويل والأمن والاستثمار وإعادة الإعمار والبيانات والبنية التكنولوجية والاعتراف الدولي موزعة بين جهات خارجية لا تخضع للمساءلة السياسية الفلسطينية. عندئذ نكون أمام صيغة أكثر تعقيدًا من الاحتلال التقليدي أو الانتداب المباشر، صيغة يمكن تسميتها Externally Engineered Sovereignty، السيادة المُهندسة من الخارج: حكم محلي في واجهته، لكنه شبكي ودولي في بنيته العميقة.
غزة، في هذا المعنى، قد تصبح أكثر من مجرد مساحة لإعادة الإعمار بعد حرب مدمرة. إنها مرشحة لأن تكون مختبرًا لنموذج جديد في صناعة السلطة، تُفكك فيه السيادة إلى وظائف منفصلة، ثم يعاد توزيعها بين المجالس الدولية، والممولين، والمستشارين، والشركات، والمؤسسات الأمنية والتكنولوجية، بينما تُترك للإدارة المحلية الوظائف الأكثر التصاقًا بالسكان والأكثر عرضة للمساءلة اليومية. الجديد هنا ليس فقط وجود تدخل خارجي؛ التدخل الخارجي قديم بقدم النظام الدولي. الجديد هو تحويل السيطرة من سلطة واحدة مرئية إلى بنية موزعة يصعب تحديد مركزها ومساءلتها.
من السيادة إلى الإدارة: عندما يتحمل الفلسطيني المسؤولية ولا يمتلك القرار
تظهر هذه الفكرة بوضوح في التصورات المبكرة لإدارة غزة بعد الحرب. ففي مسودة Gaza International Transitional Authority، GITA، لم تكن الإدارة الفلسطينية المقترحة صاحبة السلطة العليا، بل جاءت داخل هيكل أوسع تمارس فيه هيئة دولية سلطة استراتيجية وسياسية وتشريعية واسعة، في حين تتولى المؤسسة الفلسطينية إدارة الخدمات والشؤون التنفيذية اليومية. تغيرت الأسماء والتفاصيل لاحقًا، وظهرت هياكل مختلفة مثل Board of Peace واللجنة الفلسطينية التكنوقراطية، لكن المنطق المؤسسي يستحق الانتباه: توزيع غير متساوٍ بين من يدير المجتمع ومن يضع الشروط التي تجري الإدارة داخلها.
يمكن وصف ذلك بـ Administrative Sovereignty Trap، فخ السيادة الإدارية. تقوم الفكرة على منح المؤسسة المحلية أكبر قدر ممكن من المسؤوليات التشغيلية التي يراها المواطن ويلمس نتائجها، مع احتفاظ مستويات أخرى من النظام بالقرارات الاستراتيجية والمالية والأمنية التي تحدد أصلًا قدرة تلك المؤسسة على النجاح. وهكذا تصبح الإدارة الفلسطينية مسؤولة أمام السكان عن الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنفايات والرواتب والأمن المحلي، بينما تعتمد قدرتها على توفيرها على التمويل الخارجي والمعابر والقيود الأمنية والمانحين والمجلس المشرف وشروط الاستثمار. إنها عملية توطين للمسؤولية Localization of Responsibility، يقابلها تدويل للسلطة Internationalization of Authority.
وهذا الترتيب يخلق مفارقة سياسية عميقة. فكلما ازدادت المسؤوليات التي يتحملها الجهاز الفلسطيني من دون أن تتناسب معها سلطاته الفعلية، ازدادت احتمالات تحميله تبعات قرارات لم يصنع شروطها الأساسية. وبذلك يمكن أن تتحول الإدارة المحلية إلى طبقة امتصاص للصدمات السياسية والاجتماعية، بينما تبقى مراكز اتخاذ القرارات الأكثر أهمية بعيدة عن المجال الذي يستطيع المواطن الفلسطيني مساءلته.
توني بلير وخصخصة فن الحكم
هنا تبرز أهمية توني بلير، ليس بوصفه رئيس وزراء بريطانيًا سابقًا فحسب، وإنما نموذجًا لنوع جديد من الفاعلين في السياسة الدولية. بعد مغادرته داوننغ ستريت، انتقل بلير من ممارسة السلطة الحكومية المباشرة إلى العمل داخل شبكة عالمية من الاستشارات والعلاقات والوساطة السياسية. ثم تولى مهمة مبعوث الرباعية إلى الشرق الأوسط، واكتسب من خلالها معرفة تفصيلية بالسلطة الفلسطينية وإسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمانحين والدبلوماسية الدولية المحيطة بالقضية الفلسطينية. هذه العلاقات والخبرة المؤسسية تحولت لاحقًا إلى أصل سياسي بالغ القيمة داخل منظومة Tony Blair Institute for Global Change، TBI.
المعهد نفسه يصعب اختزاله في تعريف مركز أبحاث تقليدي. فهو يجمع عمليًا بين وظائف Think Tank، وGovernment Consultancy، وPolicy Implementation Network، وPolitical Access Platform. لا يكتفي بنشر أوراق السياسات، وإنما يعمل مع الحكومات في صياغة الاستراتيجيات والسياسات وآليات التنفيذ، ويمتلك فرقًا كبيرة منتشرة في عشرات الدول. وهذه البنية تقترب مما يمكن تسميته Privatized Statecraft، خصخصة فن الحكم: انتقال جزء من المعرفة والقدرة على تصميم المؤسسات والسياسات، التي كانت تاريخيًا مرتبطة بالدول والمنظمات الدولية، إلى شبكات خاصة عابرة للحدود تستطيع العمل بصورة مباشرة مع رؤساء الحكومات وصناع القرار.
تصبح المسألة أكثر حساسية حين لا يدخل المستشار بعد أن تكون المؤسسة السياسية قد تشكلت، وإنما يكون حاضرًا خلال لحظة تكوينها نفسها. وفق ما كشفته تحقيقات صحفية، شارك TBI في تدريب أعضاء اللجنة الفلسطينية الجديدة وبحث الأولويات والاستراتيجيات معها في مرحلة مبكرة. وهذا يختلف جذريًا عن حالة حكومة مستقلة تقرر لاحقًا اختيار شركة استشارات. هنا يصبح بالإمكان الحديث عن Pre-State Capture، الاحتواء قبل الدولة، أي إدخال النفوذ في مرحلة تشكيل المؤسسة، حيث لا تزال هياكلها وثقافتها الإدارية ومعايير الأداء وحدود القرار قيد البناء. ومن يشارك في كتابة القواعد الأولى لا يحتاج بالضرورة إلى التدخل في كل قرار تالٍ، لأن كثيرًا من القرارات المستقبلية ستتحرك أصلًا داخل الإطار الذي أنشئ في البداية.
من "إعادة تصور الدولة" إلى إعادة تصنيع غزة
تكتسب هذه العلاقة دلالة إضافية لأن TBI يتبنى بصورة صريحة مشروعًا فكريًا عنوانه Reimagining the State، إعادة تصور الدولة. ينطلق هذا المشروع من أن هياكل الدولة التقليدية لم تعد ملائمة لعصر الذكاء الاصطناعي والبيانات، وأن الإدارة العامة تحتاج إلى إعادة تصميم تشمل الهوية الرقمية، والخدمات الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وإدارة البيانات، والبنية التحتية والاستثمار. داخل دولة مستقلة تمتلك مؤسسات مستقرة وقرارًا سياسيًا حرًا، يمكن اعتبار ذلك مشروع تحديث إداري مشروعًا بل وربما ضروريًا.
لكن غزة ليست حالة طبيعية لدولة مستقرة قررت تحديث مؤسساتها. نحن أمام مجتمع دمرت الحرب جزءًا واسعًا من مؤسساته وعمرانه واقتصاده، في ظل اختلال هائل في موازين القوة وعدم امتلاكه سيطرة كاملة على الحدود والمعابر والأمن والتمويل. هنا يصبح مشروع «إعادة تصور الدولة» سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا قبل أن يكون سؤالًا تقنيًا: عندما تكون المؤسسة المحلية نفسها لم تتشكل بعد، فمن الذي يمتلك الشرعية لتحديد شكل الدولة التي ينبغي أن تنشأ؟
وهنا يمكن الانتقال من فهم السيادة باعتبارها كتلة واحدة إلى مفهوم Sovereignty Stack، مكدّس السيادة. فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على حكومة ووزارات، بل على طبقات مترابطة من السلطة: السيادة السياسية التي تحدد الاتجاه العام، والسيادة الأمنية التي تتحكم بالقوة والحدود، والسيادة المالية التي تضبط الموازنة والتمويل، والسيادة التنظيمية التي تكتب القوانين والقواعد، وسيادة إعادة الإعمار التي تقرر ما الذي سيبنى وأين، وسيادة البنية التحتية التي تتحكم بالمياه والطاقة والاتصالات، وسيادة البيانات التي تتحكم بالسجلات والمنصات والهوية الرقمية. ومن الممكن نظريًا أن تحتفظ المؤسسة الفلسطينية بالطبقة الإدارية المرئية بينما تتوزع بقية الطبقات على فاعلين خارجيين. عندها تصبح الدولة موجودة من الناحية الشكلية، لكنها لا تمتلك كامل «مكدّس السيادة» الضروري لممارسة الاستقلال الفعلي.
من اتفاقيات أبراهام إلى "بنية أبراهام"
لا يكفي كذلك تفسير ما يحدث في غزة ضمن حدود اتفاقيات أبراهام بصفتها سلسلة اتفاقيات دبلوماسية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. المسار الأوسع قد يكون أقرب إلى ما يمكن تسميته Abrahamic Architecture، بنية أبراهام، أي الانتقال من مجرد التطبيع السياسي إلى إنشاء منظومة إقليمية مترابطة تشمل التكنولوجيا والأمن والاستثمار والطاقة والممرات الاقتصادية ورأس المال والصناديق السيادية والبنية الرقمية. في مثل هذه البيئة تصبح الدولة أقل انعزالًا وأكثر اعتمادًا على شبكات مشتركة من المصالح والخدمات والبنى التحتية.
وجود شخصيات أمريكية مرتبطة مباشرة بمسار اتفاقيات أبراهام، مثل جاريد كوشنر، إلى جانب توني بلير ومسؤولين إماراتيين ورجال أعمال دوليين وإسرائيليين داخل البيئة المؤسسية المرتبطة بترتيبات غزة، لا يثبت وجود مركز قيادة سري واحد، كما أن اختزال المشروع كله في محور إماراتي إسرائيلي لن يكون دقيقًا في ظل مشاركة دول أخرى ذات مصالح متعارضة، بينها قطر وتركيا ومصر. إلا أن ذلك لا ينفي وجود Structural Power، قوة بنيوية ناتجة عن تقاطع المصالح والشبكات. فالنفوذ السياسي المعاصر لا يحتاج دائمًا إلى تعليمات مباشرة. يكفي أن تتكون المؤسسات والحوافز والتمويل بطريقة تدفع الخيارات المختلفة في اتجاه واحد أو في مجموعة ضيقة من الاتجاهات.
وهنا يصبح السؤال الأهم ليس ما إذا كانت جهة ما «تأمر» اللجنة الفلسطينية، وإنما ما إذا كان النظام الناشئ يجعل اقتصاد غزة وأمنها وتقنياتها أكثر اندماجًا داخل بنية إقليمية تقودها المظلة الأمريكية ويلعب فيها رأس المال الخليجي والتكنولوجيا والشركات الإسرائيلية والدولية دورًا متزايدًا. فإذا حدث ذلك، فإن التغيير السياسي قد يجري عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والاعتماد المتبادل أكثر مما يجري عبر القرارات الدبلوماسية المباشرة.
من اللوبي إلى هندسة البيئة التي يصدر منها القرار
في الاقتصاد العالمي الحديث، يصبح البحث عن شركة تحمل جنسية محددة طريقة غير كافية لفهم النفوذ. الشركة قد تكون مسجلة في أوروبا أو الولايات المتحدة، ومدرجة في بورصة عالمية، ويملكها مستثمرون من جنسيات متعددة، وتعمل عبر صناديق استثمار وهياكل قانونية عابرة للحدود. ولذلك يصبح مفهوم Ultimate Beneficial Interest، المصلحة النهائية المستفيدة، أكثر أهمية من مجرد مكان تسجيل الشركة. المهم هو من يمتلك التكنولوجيا، ومن يمول المشروع، ومن يحصل على العقود، ومن يحتفظ بالبيانات، ومن يستفيد من التدفقات النقدية طويلة الأجل.
وتبرز هنا تجربة GREAT Trust باعتبارها مثالًا يستحق الدراسة. فقد كشفت تحقيقات صحفية مشاركة رجال أعمال إسرائيليين ومستشارين دوليين واستخدام نماذج مالية مرتبطة بـBCG، كما شارك موظفون من TBI في بعض المناقشات. وقد نفى المعهد تبنيه للنسخة النهائية من المشروع، كما أعلنت BCG أن العمل تم خارج آلياتها الرسمية. لكن أهمية الواقعة لا تتوقف عند سؤال من كتب الصيغة الأخيرة. الأكثر أهمية هو أن رجال أعمال ومستشارين ومؤسسات دولية استطاعوا بالفعل أن يتداولوا تصورات تفصيلية لمستقبل غزة الاقتصادي والعمراني قبل أن تكون هناك سلطة فلسطينية مستقلة قادرة على وضع رؤيتها الاقتصادية الخاصة.
هذا التحول يمكن وصفه بـ Post-Lobby Power، قوة ما بعد اللوبي. فاللوبي التقليدي يحاول الضغط على صاحب القرار بعد وجوده، بينما تصبح القوة الأكثر تطورًا هي القدرة على المشاركة في تصميم البيئة التي يصدر داخلها القرار نفسه. إذا شاركت في بناء المؤسسة، وتحديد مصادر تمويلها، والمنصات التي تستخدمها، ومعايير تقييمها وشركائها المحتملين، يصبح التأثير في كل قرار منفرد أقل ضرورة، لأنك ساهمت بالفعل في صناعة المسار الذي تتحرك داخله القرارات.
سيادة البنية التحتية: حين تتحول قاعدة البيانات إلى جزء من الدولة
قد يكون البعد التكنولوجي أكثر خطورة من الجوانب السياسية المرئية. فالدولة الرقمية لا تقوم فقط على الوزارات والمباني، وإنما على السجل المدني، والهوية الرقمية، وسجل الملكية، وأنظمة الدفع، وقواعد بيانات الصحة والتعليم، ومنصات المساعدات، والخرائط والتراخيص وشبكات الطاقة والمياه والاتصالات. هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات تستخدمها الدولة؛ لقد أصبحت جزءًا من البنية العصبية للدولة نفسها.
من هنا يظهر مفهوم Infrastructure Sovereignty، سيادة البنية التحتية، وإلى جانبه Data-Layer Sovereignty، سيادة طبقة البيانات. فالجهة التي تدير السحابة الحكومية أو منصة الهوية أو سجل الملكية لا تحتاج إلى منصب سياسي لكي تمتلك قدرة هائلة على التأثير في المجتمع والدولة. وإذا أصبحت الإدارة الفلسطينية عاجزة عن تغيير المزود التقني أو نقل بياناتها أو تشغيل مؤسساتها من دونه، يتحول الاعتماد التقني إلى Sovereignty Lock-in، ارتهان سيادي.
هذه المسألة تكتسب حساسية إضافية بسبب المكانة المركزية التي تحتلها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية في تصور TBI للدولة الحديثة، والعلاقة المالية والمؤسسية الواسعة التي كشفت عنها التحقيقات بين المعهد ومؤسسات مرتبطة بـLarry Ellison وOracle. لا توجد أدلة منشورة تثبت أن Oracle حصلت على عقود لإدارة بيانات غزة أو هويتها الرقمية، ومن غير المسؤول الادعاء بذلك. لكن هذه العلاقة تجعل الشفافية في اختيار مزودي التكنولوجيا قضية سيادية من الدرجة الأولى. فالسؤال يجب أن يطرح قبل العقود لا بعدها: من يختار التكنولوجيا، وبأي شروط، ومن يملك البيانات، وهل تستطيع الإدارة الفلسطينية تغيير المورد مستقبلًا أم تصبح حبيسة Vendor Lock-in يتحول تدريجيًا إلى ارتهان سياسي؟
وهنا يمكن الذهاب أبعد نحو مفهوم Sovereignty-as-a-Service، السيادة كخدمة. فكما أصبحت المؤسسات تستأجر البرمجيات والسحابة بدل امتلاكها، يمكن أن تجد دولة ضعيفة نفسها تستأجر وظائف سيادتها الأساسية: شركة توفر الهوية، وأخرى تدير السحابة، وصندوق دولي يمول البنية، ومستشار يصمم الاستراتيجية، ومانح يراقب الإنفاق، ومجلس خارجي يحدد الأولويات، بينما تظل المؤسسة الفلسطينية هي الواجهة التي يتعامل معها المواطن. الدولة تبقى موجودة قانونيًا، لكن قدرتها على العمل تصبح مرتبطة باستمرار الخدمات التي يقدمها الآخرون.
الاقتصاد بوصفه الدستور الخفي لغزة الجديدة
إذا كان الجانب السياسي يحدد من يضع القواعد، فإن الاقتصاد قد يكون هو الدستور الفعلي الذي يحدد شكل غزة لعقود مقبلة. التصورات التي ظهرت حول إنشاء هيئات استثمارية مستقلة، ومناطق اقتصادية خاصة، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتعاون مع الصناديق السيادية والمستثمرين والمطورين، تعني أن إعادة الإعمار ليست ببساطة استبدال المنازل المهدمة بمنازل جديدة. إنها عملية إعادة توزيع ضخمة للأرض والملكية والبنية التحتية وحقوق الانتفاع والتدفقات المالية المستقبلية.
ولهذا يمكن الحديث عن Reconstruction Sovereignty، سيادة إعادة الإعمار. فمن يقرر ماذا يبنى، وأين، وبأي كثافة عمرانية، وبأي نموذج ملكية، ومن يحصل على الامتيازات والعقود وحقوق الانتفاع لعشرات السنين، يمارس شكلًا جوهريًا من السيادة حتى لو لم يكن جزءًا من الحكومة. وفي سياق غزة يصبح هذا المفهوم قريبًا من نقاشات Disaster Capitalism، رأسمالية الكوارث، وAccumulation by Dispossession، التراكم عبر نزع الحيازة، لكنه يحتاج إلى صياغة أكثر دقة هي Reconstruction Capture، الاستحواذ عبر إعادة الإعمار: تحويل عملية يفترض أنها تستعيد حقوق المجتمع وأصوله إلى عملية تعيد تعريف ملكية تلك الأصول لمصلحة شبكات استثمارية جديدة.
المشكلة الأخلاقية والاقتصادية هنا تظهر حين تختلف قيمة الأرض بحسب الطريقة التي يعاد استخدامها بها. فقد تكون إعادة حي مدمر إلى آلاف الأسر التي كانت تسكنه أقل ربحية من تحويل الموقع نفسه إلى مشروع تجاري أو عقاري ضخم. هنا ينشأ تعارض بين Restitution Value، قيمة إعادة الحق إلى صاحبه، وRedevelopment Value، قيمة إعادة التطوير. ومن هذه المفارقة يمكن اشتقاق مفهوم Displacement Premium، علاوة الإزاحة، أي الحالة التي تصبح فيها القيمة الاستثمارية للمكان أعلى كلما انخفضت القيود المرتبطة بوجود أصحاب الحقوق الأصليين عليه.
لا يعني ذلك وجود خطة مثبتة لتهجير السكان، ولا ينبغي استخدام المفهوم لإثبات نية لا توجد عليها أدلة كافية. لكنه يكشف خطرًا اقتصاديًا موضوعيًا: إذا أصبح غياب السكان أو عدم عودتهم يولد عائدًا أكبر لبعض المستثمرين، فإن النزوح لا يعود فقط نتيجة إنسانية للحرب، بل يمكن أن يتحول إلى حافز اقتصادي لدى أطراف معينة. ومن هنا يجب أن تكون حماية حقوق الملكية والعودة وإعادة السكن في صميم أي نظام لإعادة الإعمار، لا ملحقًا إنسانيًا يأتي بعد وضع خرائط الاستثمار.
القانون: الموافقة الشكلية لا تكفي لصناعة الشرعية
يطرح هذا النموذج أيضًا إشكالية قانونية عميقة. فقد يقال إن فلسطينيين شاركوا في اللجنة أو وافقوا على ترتيبات معينة، لكن الشرعية لا يمكن اختزالها في وجود توقيع فلسطيني. هناك فرق كبير بين Consent، الموافقة، وMeaningful Consent، الموافقة ذات المعنى. فحين تكون المؤسسات منهكة، والاقتصاد مدمرًا، والمساعدات والمعابر والتمويل والأمن خاضعة بدرجات مختلفة لجهات أخرى، يصبح مدى الخيارات المتاحة للطرف الفلسطيني عنصرًا أساسيًا في تقييم طبيعة الموافقة.
مبدأ Self-Determination، تقرير المصير، لا يتعلق فقط بوجود أشخاص من الشعب المعني داخل الإدارة، بل بقدرة الشعب نفسه على تحديد نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي. كما أن حقوق الملكية، وعدم النقل القسري، والسيادة على الموارد، وحقوق السكان في العودة إلى ممتلكاتهم وإعادة بناء مجتمعاتهم لا يمكن التعامل معها بوصفها عقبات إجرائية أمام سرعة الاستثمار. فإعادة الإعمار لا تنشئ استثناءً قانونيًا يسمح بتحويل المجتمع المنكوب إلى مادة خام لإعادة الهندسة السياسية والعمرانية.
وهنا تصبح العلاقة بين القانون والسيادة أكثر وضوحًا. فإذا كان القانون يمنح الشعب حق تقرير المصير لكنه لا يملك البنية المالية أو الأمنية أو التقنية التي تسمح له بممارسة هذا الحق، فقد تظهر فجوة بين Formal Sovereignty، السيادة الرسمية، وEffective Sovereignty، السيادة الفعلية. جوهر الخطر ليس غياب الوثيقة القانونية، بل إمكانية وجود دولة معترف بها أو إدارة وطنية لا تملك الأدوات الضرورية لترجمة حقوقها القانونية إلى ممارسة سياسية مستقلة.
أخلاق «الصفحة البيضاء»: الركام لا يمحو التاريخ
المسألة الأخلاقية ربما تكون أبسط وأعمق من كل البناء المؤسسي السابق. الخطاب عن «إعادة تصور غزة» أو «بناء غزة جديدة» يحمل خطر التعامل مع المكان باعتباره Blank Slate، صفحة بيضاء أنتجتها الحرب. لكن المدن المدمرة لا تتحول أخلاقيًا إلى أراضٍ بلا تاريخ أو ملكية أو مجتمع. الأنقاض لا تلغي أصحاب البيوت، وهدم الحي لا يلغي شبكة العلاقات الاجتماعية والذاكرة والحقوق التي كانت قائمة داخله.
تبدأ المشكلة عندما يُنظر إلى الدمار بوصفه فرصة هندسية، لأن الذين خسروا بيوتهم وأحياءهم قد يتحولون حينها من أصحاب حق إلى «قيود» على إعادة التخطيط. الفرق الأخلاقي بين إعادة الإعمار والاستحواذ يبدأ من هذه النقطة: هل الهدف الأول هو إعادة المجتمع إلى أرضه واستعادة قدرته على الحياة، أم استخدام لحظة الضعف القصوى لإعادة تصميم المجتمع بطريقة لم يكن سكانه سيختارونها في ظروف طبيعية؟
غسل المسؤولية: حين تتوزع السلطة حتى تختفي المساءلة
أحد أخطر خصائص النموذج الشبكي أنه قد ينتج سلطة واسعة من دون مركز واضح للمساءلة. فعندما تفشل خدمة ما، تستطيع الإدارة المحلية الإشارة إلى المانح، والمانح إلى القيود الأمنية، والمجلس الدولي إلى الجهة التنفيذية، والمستشار إلى أنه قدم توصية فقط، والشركة إلى أنها نفذت العقد، والمؤسسة الدولية إلى أنها تنسق ولا تحكم. كل طرف يمسك بجزء من القرار، لكن من الصعب العثور على طرف يمكن تحميله المسؤولية عن النتيجة الكاملة.
هذا ما يمكن تسميته Responsibility Laundering، غسل المسؤولية. فكما يُخفى أصل المال عبر سلاسل من الشركات والوسطاء، يمكن إخفاء أصل القرار عبر سلسلة من المؤسسات والمستشارين والممولين. وكلما ازدادت السلطة توزيعًا، قد تصبح أقل قابلية للمحاسبة. وهذا يتناقض مع الجوهر الديمقراطي البسيط الذي يفترض أن من يملك السلطة يجب أن يكون معروفًا وقابلًا للمساءلة والتغيير.
من هنا لا يكفي تقييم اللجنة الفلسطينية من خلال كفاءة أو وطنية أعضائها. المسألة بنيوية وتتعلق بما يسمى Policy Space، حيز القرار. يستطيع المسؤول أن يكون نزيهًا ومستقلًا شخصيًا، لكنه يعمل داخل نظام يقلص الخيارات المتاحة له مسبقًا. وبالاستعارة التقنية، قد تكون الإدارة الفلسطينية User Interface، واجهة المستخدم التي يراها المواطن، بينما يكون Back-end Architecture، الهيكل الخلفي المكون من التمويل والبيانات والأمن والعقود والمعايير موزعًا بين جهات أخرى. السيادة هنا لا تُقاس بشكل الواجهة، بل بمن يملك البنية الخلفية التي تجعلها تعمل.
من التعددية الدولية إلى «التعددية الموازية»
حتى دور الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية قد يعاد تشكيله من خلال هذا النموذج. فليس من الضروري إلغاء المؤسسات القائمة أو الصدام معها مباشرة. يمكن إنشاء بنى موازية تجمع التمويل والقرار والخبرات، ثم تتحول تدريجيًا إلى بوابات واقعية تمر عبرها المؤسسات القديمة. هذه الظاهرة يمكن تسميتها Parallel Multilateralism، التعددية الموازية.
القوة في هذا الأسلوب تكمن في أنه لا يحتاج إلى هدم النظام الدولي؛ يكفي خلق De Facto Gateway، بوابة أمر واقع، تصبح المشاركة فيها شرطًا عمليًا للوصول إلى التمويل والمشروعات والميدان. عندئذ تظل الأمم المتحدة موجودة قانونيًا، لكنها تعمل داخل هندسة جديدة لم تصممها وحدها. وبذلك يصبح الاحتواء أكثر فاعلية من الإلغاء، لأن المؤسسات القديمة تمنح الشرعية، بينما تمسك المنصات الجديدة بجزء متزايد من القرار العملي.
غزة بوصفها نموذجًا قابلًا للتصدير
القضية الأخطر مستقبلًا هي أن غزة قد لا تبقى حالة استثنائية. إذا اعتبر مهندسو النموذج أن التجربة نجحت في إنشاء إدارة محلية، وجذب رأس المال، وتنظيم الأمن، وإعادة الخدمات من دون إدارة استعمارية غربية مباشرة وطويلة، فقد تتحول إلى Prototype، نموذج أولي لإدارة مناطق ما بعد النزاعات.
يمكن تسمية هذا الاحتمال Managed-State Export، تصدير الدولة المُدارة. لا توجد أدلة تثبت وجود خطة لتطبيق النموذج نفسه في سوريا أو لبنان أو دول أخرى، ومن غير الدقيق الادعاء بذلك. لكن المنطق المؤسسي قابل للتكرار: إدارة محلية، ومجلس إشراف خارجي، وتمويل مشروط، ومستشارون عالميون، وشركات تكنولوجية، وصناديق استثمار، ومنظومة أمنية متعددة الأطراف. إنه نموذج يبدو أقل تكلفة سياسيًا من الاحتلال، وأكثر قابلية للتسويق بوصفه «بناء مؤسسات» و«إعادة إعمار».
وقد تكون الضفة الغربية هي الاختبار الأقرب. فالخطاب الرسمي يتحدث عن إعادة توحيد غزة والضفة مستقبلًا، لكن ذلك يفتح سؤالًا جوهريًا حول اتجاه عملية الدمج. إذا أمضت غزة سنوات في بناء مؤسسات مالية وأمنية ورقمية واستثمارية جديدة، ثم عُرض هذا النموذج بوصفه ناجحًا، فقد لا تعود غزة ببساطة إلى نموذج السلطة الفلسطينية القائم، بل يمكن أن تصبح هي المعيار الذي يُطلب من السلطة في الضفة التكيف معه.
هذا الاحتمال يمكن وصفه بـ Reverse Reintegration، إعادة الدمج المعكوسة، أي أن الكيان الجديد لا يعود إلى المؤسسة القديمة، وإنما يعاد تشكيل المؤسسة القديمة وفق النموذج الذي جرى اختباره في الكيان الجديد. في هذه الحالة تصبح غزة Prototype والضفة Scale-up، وتتحول عملية إعادة الإعمار تدريجيًا إلى مشروع لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني بأكمله.
الدولة الوصائية الشبكية: السيطرة التي لا تحتاج إلى رفع العلم
من مجموع هذه العناصر يمكن صياغة مفهوم أوسع هو Networked Tutelary State، الدولة الوصائية الشبكية. إنها دولة تحتفظ بمؤسساتها المحلية وواجهتها الوطنية، بينما تتوزع مفاتيح السيادة بين شبكة خارجية من الممولين والمجالس والمستشارين والشركات والقوى الأمنية. لا تحتاج هذه الشبكة إلى احتلال الوزارة إذا كانت تتحكم في النظام التقني الذي تعمل الوزارة من خلاله، ولا تحتاج إلى تعيين وزير المالية إذا كانت تسيطر على مصادر التمويل وشروطه، ولا تحتاج إلى مصادرة الأرض مباشرة إذا كانت تملك القدرة على إعادة صياغة قواعد الاستثمار وإعادة الإعمار، ولا تحتاج إلى إلغاء الأمم المتحدة إذا استطاعت إنشاء مسار تصبح المؤسسات الدولية مضطرة للعمل داخله.
بهذا المعنى، يمكن أن يظل المسؤول الفلسطيني في موقعه، وتبقى المؤسسة فلسطينية الاسم، لكن تتجاوز مسؤولياتها الفعلية صلاحياتها السيادية. وهذا ربما يكون أكثر أنماط الوصاية ملاءمة لعصر الشبكات والأسواق والبيانات: سلطة خارجية لا تحتاج إلى الظهور بوصفها سلطة، لأنها مدمجة في البنية التي تجعل الدولة نفسها قابلة للعمل.
الخاتمة: من يملك نظام تشغيل غزة؟
الخطر الأكبر إذن ليس بالضرورة أن يجلس توني بلير داخل مكتب حكومي في غزة، أو أن تظهر شركة إسرائيلية تحمل اسمًا واضحًا في كل مشروع، أو أن ترفع دولة أجنبية علمها فوق مبنى رسمي. الصورة الأكثر حداثة للسيطرة قد تكون أقل ظهورًا بكثير: حكومة فلسطينية كاملة في الشكل، لكنها تعتمد في عملها على تمويل خارجي، وأمن خارجي، وبيانات وسحابة رقمية صممت أو تدير أجزاء منها شركات أجنبية، واستثمارات تخضع لشروط الصناديق والمطورين، وإعادة إعمار ترسمها اعتبارات العائد والتمويل، واعتراف سياسي مرتبط بالتزام المؤسسة بمجموعة من المعايير الموضوعة خارجها.
عند هذه النقطة لا تكون المشكلة أن الفلسطيني فقد الحكومة، بل أنه قد يفقد القدرة على جمع وظائف السيادة المختلفة في مركز سياسي يخضع لإرادته ومساءلته. وهذه هي خلاصة مفهوم Externally Engineered Sovereignty، السيادة المُهندسة من الخارج: دولة تستطيع أن تبدو مستقلة بينما تكون خياراتها الأساسية محددة بواسطة بنية لم تصنعها وحدها.
في القرن الماضي كان الاحتلال يعني السيطرة على الأرض والحدود ورفع العلم. أما في القرن الحادي والعشرين فقد تصبح هناك صيغة أكثر كفاءة وأقل تكلفة: ترك الحكومة لأصحاب الأرض، مع الاحتفاظ بالتمويل والأمن والبيانات والبنية الرقمية والاستثمار ومعايير الأداء وشروط الاعتراف. عندئذ لا يحتاج الطرف الخارجي إلى إصدار الأوامر اليومية، لأنه يكون قد أسهم في بناء Architecture of Choice، هندسة الخيارات، التي تتحرك الحكومة داخلها.
ولهذا فإن السؤال الفلسطيني الأكثر أهمية لا ينبغي أن يظل محصورًا في هوية من سيدير غزة، بل يجب أن ينتقل إلى مستوى أعمق بكثير: من سيمتلك نظام تشغيل غزة؟ فمن يملك نظام التشغيل لا يحتاج إلى الجلوس على كرسي الحكم، ما دام يستطيع تحديد ما تستطيع الحكومة أن تفعله، وما لا تستطيع.

