غزة/ الاقتصادية
شكّل قطاع الدواجن في غزة على مدار سنوات أحد أهم مكونات الاقتصاد الزراعي وأسهم في توفير اللحوم البيضاء وبيض المائدة للسوق المحلية إلى جانب توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، بما عزز دوره في دعم الأمن الغذائي. وتسببت حرب الإبادة الإسرائيلية في تدمير غالبية مكونات القطاع بدءا من الفقاسات ومزارع الإنتاج مروراً بمصانع الأعلاف والبنية التحتية، وصولاً إلى شبكات التسويق والتوزيع.
ومع توقف الإنتاج المحلي ارتفعت أسعار الدواجن المستوردة إلى مستويات غير مسبوقة. يؤكد مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة الزراعة بغزة، لؤي رجب، أن قطاع الدواجن كان من أكثر القطاعات الزراعية تضررا خلال الحرب، إذ بلغ إجمالي عدد المزارع نحو 2400 مزرعة، تعرض معظمها لأضرار جسيمة وصلت إلى التدمير الكامل. ويقول رجب لـ"العربي الجديد": "بلغت خسائر مزارع الدجاج اللاحم المغلقة 10.8 ملايين دولار بعد تدميرها بنسبة 100% فيما سجلت المزارع المفتوحة خسائر بقيمة 11.6 مليون دولار مع نسبة ضرر بلغت 95%".
ويلفت إلى أن مزارع الدجاج البياض والحبش تعرضت أيضا لأضرار تجاوزت 86% بينما دمرت مزارع الأمهات بالكامل، لترتفع إجمالي خسائر قطاع الدواجن إلى نحو 30.7 مليون دولار وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الأسعار. ويوضح أن القطاع قبل الحرب كان أحد أهم مكونات الإنتاج الحيواني في غزة، حيث بلغ إنتاجه عام 2022 نحو 50 ألف طن من اللحوم البيضاء و15 ألف طن من بيض المائدة وأسهم بشكل كبير في تلبية احتياجات السوق المحلية.
ويقول مربي الدواجن في شمال غزة، عمر حمودة، إن مزرعته الواقعة شرق مخيم جباليا تعرضت للتدمير الكامل ما أدى إلى خسائر تجاوزت 90 ألف دولار بعدما كانت تمثل مصدر رزقه الأساسي. ويوضح حمودة لـ"العربي الجديد" أن المزرعة كانت تنتج كميات من الدجاج اللاحم تطرح في الأسواق المحلية بأسعار مناسبة وتسهم في تلبية احتياجات الغزيين، إلا أن الإنتاج توقف كليا بعد تدميرها.
ويشير حمودة إلى أن غياب الدعم وإغلاق المعابر واستمرار القيود المفروضة على مستلزمات الإنتاج يحول دون أي فرصة لإعادة تشغيل المزارع في الوقت الراهن، ما ينعكس على الأمن الغذائي وارتفاع أسعار الدواجن في الأسواق
ويشرح أنه يتم منع إدخال الفقاسات والبيض المخصب والأعلاف ومستلزمات الإنتاج، وهي عناصر لا يمكن لقطاع الدواجن الاستغناء عنها. وفي جنوب القطاع، يروي مربي الدواجن محمد شعبان، النازح من رفح إلى خان يونس، أن مشروعه الذي تجاوزت تكلفته 130 ألف دولار كان يعيل أسرته ويوفر فرص عمل لخمسة أشخاص قبل أن يتعرض للتدمير الكامل خلال الحرب.
ويقول شعبان لـ"العربي الجديد" إن مشروعه كان يطرح آلاف الدواجن في الأسواق المحلية بصورة دورية بينما أصبح اليوم غير قادر حتى على شراء دجاجة واحدة بسبب فقدان مصدر الدخل وارتفاع الأسعار بشكل كبير، في وقت يعيش فيه مع أسرته داخل خيمة بعد فقدان المزرعة ومقومات العمل.
ويؤكد أن العودة إلى الإنتاج تبدو بعيدة المنال في ظل استمرار القيود على إدخال مستلزمات التربية والحاجة إلى إعادة بناء المزارع، إضافة إلى الظروف الميدانية التي تعيق استئناف النشاط الزراعي، وهو ما يفاقم معاناة المربين ويطيل أمد الأزمة الاقتصادية. من جانبه، يذكر خبير تطوير مشاريع الثروة الحيوانية والدواجن، سعود الشوا، أن قطاع الدجاج اللاحم في غزة كان يعتمد قبل الحرب على استيراد نحو 38 مليون بيضة مخصبة سنويا، ينتج منها حوالي 26 مليون دجاجة جاهزة للتسويق.
ويقول الشوا لـ"العربي الجديد" إن قطاع الدواجن ضمّ 19 فقاسة أوتوماتيكية بطاقة بلغت أكثر من 35 مليون بيضة وإنتاج أكثر من 28 مليون صوص بنسبة فقس بلغت 80%
ويضيف: "الحرب دمرت معظم هذه المنظومة ولم يتبق سوى نحو خمس فقاسات بطاقة إنتاجية محدودة تقدر بحوالي 1.5 مليون بيضة، كما كان القطاع يضم 1500 مزرعة مرخصة و200 مزرعة حديثة مغلقة ونحو 1000 مزرعة منزلية، إضافة إلى خمسة مصانع أعلاف دمّرت إسرائيل منها أربعة، الأمر الذي أدى إلى توقف الإنتاج المحلي بصورة شبه كاملة".
ويشير الشوا إلى أن تداعيات هذا الانهيار لم تقتصر على خسائر المربين وإنما امتدت إلى الأمن الغذائي، إذ ارتفعت معدلات سوء التغذية وازدادت الحاجة إلى استيراد الدواجن المجمدة، بينما قفز سعر كيلو الدجاج المستورد إلى نحو 35 شيكلا مقارنة بـ10 شواكل قبل الحرب. ويرى أن إعادة تأهيل القطاع تتطلب برنامجا متكاملا يبدأ بإعادة تشغيل الفقاسات وإعادة بناء المزارع ومصانع الأعلاف وتأمين إدخال البيض المخصب والأعلاف والأدوية البيطرية، إضافة إلى دعم الخدمات البيطرية التي يعمل فيها نحو 80 طبيبا بيطريا في 35 عيادة، بما يضمن استعادة الإنتاج تدريجيا.

