غزة/ الاقتصادية
لم تعد المأساة في قطاع غزة تقتصر على فقدان المنازل أو انعدام الغذاء والماء، بل امتدت إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، حتى باتت أبسط الأدوات التي كانت تُعد من المسلّمات قبل الحرب تتحول إلى همٍّ يومي وشغلٍ شاغل للأسر النازحة. وسط الخيام التي تفتقر إلى مقومات الحياة، أصبحت القداحة (الولاعة) واحدة من أكثر الاحتياجات أهمية، فهي المفتاح الوحيد لإشعال موقد الغاز أو الحطب لإعداد الطعام أو غلي الماء.
ومع ندرة توفرها وارتفاع أسعارها إلى مستويات تفوق قدرة معظم العائلات، تحولت إلى سلعة نادرة يتناقلها الجيران، ويبحث عنها الناس كما لو كانت شيئًا ثمينًا لا يمكن الاستغناء عنه. فلم يعد الحديث يدور فقط عن الغذاء أو الوقود او شح المياه وعن ظروف الخيام المريرة، بل عن كيفية إشعال النار أصلًا؛ فهناك عائلات تؤجل إعداد الطعام حتى تجد قداحة، وأخرى تستعيرها من الجيران، فيما يحتفظ بعض النازحين بجمر مشتعل لساعات خوفًا من انطفائه، لأن إعادة إشعال النار قد تصبح مهمة مستحيلة كما يصف النازح حسام أبو خاطر.
ويضيف، أنها صورة جديدة من صور المعاناة التي فرضتها الحرب، وتكشف كيف دفعت الظروف القاسية الناس إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، حتى أصبحت أداة صغيرة لا يتجاوز حجمها راحة اليد، حديث الخيام ومصدر قلق يومي لعشرات الآلاف من الأسر، ويؤكد أبو خاطر أن القداحات أصبحت من الاحتياجات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في حياة النازحين.
ويقول: برأيي توفير القداحات أمر ضروري لأنها من الاحتياجات الأساسية في ظل الظروف الحالية، وعندما لا تتوفر كنت أستعين بالجيران أو أبحث عن أي وسيلة بديلة لإشعال النار، وكانت أسعارها مرتفعة وصعبة على معظم الناس.
ويتابع أنه تمكن لاحقًا من استلام قداحة، وهو ما خفف عنه جزءًا من معاناة البحث اليومي عنها وذلك عبر مؤسسات محلية ودولية قامت بتوزيعها كطرد لبعض الأسر.
ويشير إلى أن غياب القداحات دفع الناس إلى ابتكار وسائل بديلة، منها استعارة النار أو القداحة من الجيران، أو نقل شعلة مشتعلة من موقد إلى آخر، أو الاحتفاظ بجمر مشتعل لاستخدامه لاحقًا، فيما يضطر آخرون لشراء القداحات بأسعار مرتفعة عند توفرها أو انتظار وصول كميات جديدة إلى الأسواق.
أما النازح ياسين النجار، الذي تزوج قبل شهر داخل خيمة نزوح يقول: القداحات شبه معدومة، وإذا توفرت فإن سعر الواحدة منها بين 70 و80 شيقلا، وأحيانا نضطر إلى استلافها من جيراننا، وتبقى تلف بين الخيام لأنها شيء ضروري وأساسي لكل عائلة.
ومن المواقف الطريفة يقول ياسين: في إحدى أيام النزوح، كان لدينا ضيوف وكنا ننوي تقديم الشاي لهم فكان هناك إحراج واضطررت للوقوف في الشارع من أجل استلاف قداحة من شخص غريب كان يمر في الطريق.
من أداة مهملة إلى قطعة ذهب: كيف غيرت الحرب أولويات الخيام؟
أما النازح ماجد قديح فيصف حجم المفارقة التي يعيشها الناس قائلاً: مع ارتفاع الأسعار أصبح من الصعب توفير أبسط احتياجات عائلتنا، وأكثر شيء لم نكن نتوقعه هو كيف نوقد النار لإعداد الطعام، وإذا كانت هناك قداحة فإن عددا من العائلات على الأقل خمسة ستستفيد منها.
ويضيف أن المشكلة لم تعد في توفر الطعام فقط، بل في القدرة على طهيه، بعدما أصبحت أبسط أدوات إشعال النار نادرة وباهظة الثمن.
أما مها وجدي تصف أهمية القداحة داخل حياة الأسرة النازحة بعبارة تختصر الواقع كله، فتقول: عندما تضيع الولاعة من الخيمة، يحدث استنفار كأننا أضعنا قطعة ذهب. مختزلة حجم التحول الذي فرضته الحرب، حيث أصبحت أداة صغيرة كانت تُشترى يومًا بثمن زهيد، تساوي اليوم راحة عائلة كاملة وقدرتها على إعداد وجبة طعام.
"بورصة دوار الأقصى".. أسعار خيالية واستغلال لإعادة التعبئة
ويشير المواطن علم صادق إلى الارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات إشعال النار، مؤكدًا أن الأمر تجاوز حدود المنطق بالنسبة للأسر النازحة. ويقول: الولاعة الصغيرة المستعملة وصل سعرها إلى 30 شيقلا وهي بدون غاز، أما تعبئتها بالغاز الأصلي فتكلف 10 شواقل، بينما بلغ سعر حجر القداحة الأصلي 7 شواقل.
ويضيف أن هذه الأسعار جعلت الحصول على أبسط وسيلة لإشعال النار عبئًا إضافيًا على العائلات التي تكافح يوميًا لتأمين الطعام، في وقت أصبحت فيه القداحة سلعة نادرة لا تقل أهمية عن كثير من الاحتياجات الأساسية داخل الخيام. ويتابع: منذ أسبوع خرجت ولاعتي عن الخدمة، وتقطعت بنا السبل في إشعال النار للحطب، كنت يومًا بعد يوم أستعين بجيراني لاستعارة ولاعة، لكن بعد بحث عرفت مكانًا لبيع الولاعات في منطقة دوار الأقصى بمواصي خانيونس، حيث يوجد سوق كامل لبيع السجائر قطعت مسافة طويلة بالمواصلات من شمال مواصي خان يونس إلى وسطها لشراء ولاعة، بعد أن أصرت أمي على ضرورة امتلاك واحدة لحاجتنا الماسة إليها في حياة الخيمة والعراء، وعندما وصلت إلى دوار الأقصى، وجدت ما يشبه بورصة للولاعات؛ منها الجديد، ومنها المستعمل، ومنها ما يُعرف باسم “كليبر” المستورد، الذي يمتاز بإمكانية تعبئته بالغاز أكثر من مرة ويدوم لفترة أطول، أما الولاعات الملونة الصينية فهي مخصصة للاستخدام مرة واحدة فقط، ولكل نوع سعره وثمنه.
ويقول، أن من الأسعار التي سمعها وعُرضت عليه؛ ولاعة “كليبر” يتراوح سعرها بين 60 و90 شيقلًا، بينما يصل سعر الولاعة الصينية ذات الاستخدام الواحد إلى 45 شيقلًا، وهناك ولّاعات مستعملة تُباع ما بين 30 و40 شيقلًا، إضافة إلى أنواع أخرى، فالسوق مفتوح وكبير، ولا يقتصر على بيع الولاعات، بل يضم أيضًا من يعمل على تعبئة الولاعات بعد نفاد الغاز، فتعبئة الولاعة بغاز الطهي المصري تكلف 4 شواقل، بينما تبلغ تكلفة تعبئتها بالغاز الأصلي 10 شواقل.
ويشير إلى "دوامة كبيرة تدفعه إلى الجنون، والأزمة في النهاية هي “ولاعة”، أزمة صغيرة أمام أزمات الخيمة الأكبر؛ من الحر الشديد، والحشرات، والقوارض، والأمراض الجلدية، وصعوبة توفير الحطب، وقلة حصة الغاز لكل نازح، وحالة الانتظار التي لا تنتهي، وأزمة المواصلات، وغيرها من المآسي القاسية".
ويتفق النازح جهاد قديح من بلدة عبسان الكبيرة مع ما أورده الآخرون، مؤكدًا أن القداحة أصبحت داخل الخيمة أهم من الوجبة نفسها، لأنها الوسيلة الوحيدة لإشعال النار وإعداد الطعام. ويقول: القداحة اليوم أهم من الوجبة الرسمية داخل الخيمة، نظرا لأهميتها واستعمالاتها الكثيرة.
ويضيف: نحن نفكر كيف نشعل النار قبل التفكير في توفير الطعام، وممكن الطلب من أكثر من 5 عائلات نازحة حتى نجد قداحة واحدة للاستخدام لأقل من دقيقة، وهذا كله بسبب الاحتكار ورفع الأسعار.
وتروي إيمان بركة، وهي أم نازحة تقيم داخل أحد المساجد، جانبًا آخر من المعاناة اليومية، مؤكدة أن البحث عن القداحة أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة التي تبدأ مع كل صباح. وتقول: نحن نبحث بشكل يومي عن القداحة، وقداحة واحدة فقط يمكن أن تمر على أكثر من 200 أسرة داخل المسجد، وكل واحد يستعملها لدقائق ثم يسلمها لغيره. وتستذكر حياتها قبل الحرب بحسرة، قائلة: كنا نعيش حياة طبيعية، لكن الحرب أتت على كل شيء، إحنا بدنا نستعيد عافيتنا، وبدنا تنتهي المعاناة اللي صارت تلازمنا في كل تفاصيل حياتنا اليومية.
وتتابع: العقبات كبيرة، والأزمات تضيق علينا يومًا بعد يوم، لكننا نحاول البقاء من أجل أطفالنا، ونتمسك بالحياة رغم كل الظروف، موجهة نداءً إلى المجتمع الدولي، قائلة: ندعو العالم إلى التدخل لوقف هذه المعاناة، وإتاحة الفرصة للناس الذين يعيشون الأمرّين، حتى يتمكنوا من استعادة أبسط مقومات الحياة بكرامة، فلم تعد قيمة الأشياء تُقاس بحجمها، بل بقدرتها على إبقاء الحياة ممكنة، فالقداحة التي كانت تُرمى بعد انتهاء غازها، أصبحت اليوم تُحفظ بعناية، وتُستعار بين الجيران، وتتنقل من خيمة إلى أخرى، لأنها قد تكون الفارق بين وجبة ساخنة وأسرة تنام جائعة في ظل واقع دفع الناس إلى البحث عن أبسط مقومات البقاء، ومأساة وصلت إلى حياة الإنسان الذي بات يكافح كل يوم ليؤمن أبسط احتياجاته.
المصدر/ صحيفة الحدث

