اليوم الأربعاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٦م

نيويورك تايمز: إسرائيل تخنق اقتصاد الضفة وتدفعه إلى الانهيار

اليوم, ١٠:١٦:٢٧ ص
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

دفعت الضغوط الإسرائيلية على الضفة الغربية، الأراضي الفلسطينية إلى شفا الانهيار المالي، في ظل قيود مشددة طالت مختلف جوانب الحياة اليومية وتسببت في تفاقم الأزمة الاقتصادية.

ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أوقفت سلطات الاحتلال الإسرائيلي آلاف الفلسطينيين عن العمل في إسرائيل، واحتجزت مليارات الدولارات من عائدات الضرائب، وفرضت قيوداً مصرفية ألحقت أضراراً بالغة بقطاع الأعمال.

وقالت صحفية "نيويورك تايمز" إن السلطة الفلسطينية، أُجبرت على خفض الإنفاق على رواتب الموظفين والخدمات العامة بسبب الانخفاض الحاد في الإيرادات. وظهرت آثار هذه التخفيضات بشكل واضح في قطاعات مثل الرعاية الصحية، حيث تعاني الصيدليات بشكل متكرر من نفاد الأدوية، في ظل تخصيص الحكومة مبالغ أقل لشرائها. كما أجبرت تخفيضات الموازنة العيادات على العمل بضعة أيام فقط في الأسبوع، والمستشفيات على العمل بعدد أقل من الأطباء والممرضين.

وكانت ابتسام حماد، البالغة من العمر 54 عاماً، قد شُخّصت بسرطان الثدي قبل ثلاثة أشهر. وبعد موعد لها في أحد مستشفيات مدينة رام الله في الضفة الغربية، توجهت إلى صيدلية للحصول على أدويتها، لكنها وجدت ثلاثة أدوية فقط من أصل وصفاتها الست متوفرة.

وقالت حماد، وهي تبتسم رغم الإرهاق: "أنا محظوظة. في المرة الماضية، لم يكن متوفراً سوى دواء واحد".

وتعكس صعوبة حصول حماد على الأدوية مشكلات اقتصادية أوسع نطاقاً. فقد حذرت السلطة الفلسطينية مراراً من خطر الانهيار المالي، إلا أن هذا الانهيار لم يحدث حتى الآن، فيما تتزايد المخاوف بشأن المدة التي ستتمكن فيها السلطة من الحفاظ على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية.

وقال رئيس الوزراء محمد مصطفى في مقابلة: "نحن نواجه مشكلة ضخمة. الجميع تأثر".

 

إسرائيل تضيق الخناق على الاقتصاد

باعتبارها أرضاً محتلة، تعتمد الضفة الغربية اقتصادياً بشكل لا مفر منه على إسرائيل، التي تسيطر على حركة الأشخاص والبضائع من وإلى الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة، بما في ذلك حركة الأموال الداخلة إلى هذه المناطق والخارجة منها.

وقد عززت اتفاقيات أوسلو الموقعة في تسعينيات القرن الماضي هذا الاعتماد، إذ جعلت الشيكل الإسرائيلي العملة الرئيسية في المنطقتين، وأقامت روابط بين المصارف الإسرائيلية والفلسطينية. وأدى ذلك فعلياً إلى منح إسرائيل السيطرة على شريان مالي يمكنها إغلاقه.

وتصاعدت الضغوط الاقتصادية على الفلسطينيين في فترات التوتر. فبعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، شنت إسرائيل حرباً مدمرة على قطاع غزة، وفتحت في الوقت ذاته مرحلة جديدة من الحرب الاقتصادية في الضفة الغربية.

في البداية، ألغت إسرائيل سريعاً تصاريح عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين للوصول إلى أماكن عملهم داخل إسرائيل. وكان كثير منهم يعملون في قطاعي البناء والزراعة، ويدرون مليارات الدولارات على الاقتصاد الفلسطيني سنوياً. ومنذ بداية الحرب على غزة، ارتفعت البطالة في الضفة الغربية إلى 28%، أي أكثر من ضعف مستواها قبل الحرب، وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

ثم بدأت إسرائيل، في أيار/مايو 2025، باحتجاز مئات ملايين الدولارات شهرياً من الضرائب على الواردات التي تجبيها نيابة عن السلطة الفلسطينية. وتشكل هذه الإيرادات نحو ثلثي موازنة الحكومة الفلسطينية لعام 2026، والبالغة نحو 6 مليارات دولار، وفق مسؤولين فلسطينيين.

وأجبر هذا العجز السلطة الفلسطينية على خفض رواتب 140 ألف موظف مدني وعنصر أمني، وتقليص أيام الدوام المدرسي إلى ثلاثة أيام أسبوعياً، وتراكم مليارات الدولارات من الديون.

وقال الرائد عرفات الحلبي، وهو ضابط في شرطة المرور بمدينة نابلس، إن راتبه الشهري البالغ نحو 1500 دولار انخفض إلى النصف.

وأضاف: "كل ما يمكنني فعله هو الحد الأدنى من الحد الأدنى".

وأوضح الحلبي، البالغ من العمر 36 عاماً، أنه لم يعد يتناول اللحوم إلا يوم الجمعة لتوفير المال، وأنه يتوجه إلى عمله باستخدام وسائل النقل العام بدلاً من سيارته، كما لم يعد قادراً على شراء ملابس جديدة لأطفاله. وتتزايد ديونه لأنه لا يستطيع سوى دفع جزء صغير من القسط الشهري لقرضه، إلى جانب فاتورة الكهرباء.

كما أقامت إسرائيل حواجز طرق جديدة في أنحاء الضفة الغربية، ما أدى إلى عرقلة حركة البضائع داخل الأراضي الفلسطينية. وفي الخليل، أكبر مدن الضفة الغربية من حيث عدد السكان، أغلق الجيش الإسرائيلي خمسة من أصل سبعة مداخل ومخارج للمدينة، وفقاً لرئيس بلديتها يوسف الجعبري والسكان.

 

المصارف تواجه قيوداً خانقة

كما حدّت إسرائيل من كمية الشيكل التي يُسمح للمصارف الفلسطينية بتحويلها إلى المصارف الإسرائيلية، وهي عملية حيوية تساعد التجار الفلسطينيين على شراء السلع من إسرائيل ومن بقية أنحاء العالم.

وتسمح حكومة نتنياهو بتحويل نحو 1.5 مليار دولار كل ثلاثة أشهر من المصارف الفلسطينية إلى المصارف الإسرائيلية، وهو مبلغ أقل بكثير مما كانت تسمح به الحكومات الإسرائيلية السابقة. وأدت هذه القيود إلى بقاء نحو 5.7 مليار دولار عالقة في خزائن المصارف بالضفة الغربية، وفق مسؤولين في الحكومة الفلسطينية والقطاع المصرفي.

وقال بشار ياسين، المدير العام لجمعية البنوك في فلسطين: "إنهم يمنعوننا من تلبية الطلب في أسواقنا".

وقال ثائر الأبهري، وهو مستورد بالجملة للطحين والسكر والأرز والشوكولاتة، إنه لم يعد قادراً على استيراد سوى نصف الكميات التي كان يستوردها سابقاً.

وأضاف، معبراً عن إحباطه: "أشعر باليأس. هذه المشكلة تقتل الاقتصاد هنا".

وفي الأسابيع الأخيرة، أعرب مسؤولون مصرفيون فلسطينيون عن مخاوف من إمكانية قطع المصارف الفلسطينية بالكامل عن نظيراتها الإسرائيلية. وقال مصرفا "إسرائيل ديسكاونت" و"هبوعليم"، وهما المصرفان الإسرائيليان الوحيدان اللذان يتعاملان مع المصارف الفلسطينية، إن هذه العلاقات قد تعرضهما لدعاوى قضائية تتعلق بغسل الأموال أو تمويل الإرهاب، وهددا بإنهائها.

وأعرب المصرفان الإسرائيليان عن استيائهما من عدم قيام الحكومة الإسرائيلية بما يكفي لحمايتهما من مخاطر التقاضي.

وحذر محافظ سلطة النقد يحيى شنار، دبلوماسيين في تموز/يوليو، من أن الاقتصاد الفلسطيني يقترب من "أزمة شاملة" بسبب القيود الاقتصادية الإسرائيلية، وفق تسجيل لتصريحاته حصلت عليه صحيفة "نيويورك تايمز".

وقال شنار: "لا تزال هناك نافذة ضيقة للتحرك، لكنها تغلق. وتغلق بسرعة".

وأضاف أن أندرو أبير، نائب محافظ بنك إسرائيل، حذر سلطة النقد الفلسطينية من ضرورة إعداد خطة طوارئ لاستبدال الشيكل كعملة لها. وقال البنك المركزي الإسرائيلي في بيان إن وجود ترتيبات بديلة للطوارئ أمر منطقي.

لكن خبراء اقتصاديين فلسطينيين حذروا من أن الإقدام على هذه الخطوة بصورة مفاجئة قد يؤدي إلى حالة من الفوضى ويجعل التجارة مع إسرائيل أكثر تعقيداً وكلفة.

 

الشركات والأفراد يشعرون بوطأة الأزمة

في بلدة مَجْد القريبة من الخليل، سمح منتصر عمرو، البالغ من العمر 32 عاماً، وهو صاحب متجر لبيع المواد الغذائية، لزبائنه بالحصول على حاجياتهم على أن يدفعوا لاحقاً. وقال إن ديون زبائنه له وصلت إلى نحو 155 ألف دولار، وإنه يواجه صعوبة في دفع مستحقات الموردين في مواعيدها، ما دفع بعضهم إلى رفض تسليم البضائع ما لم يدفع ثمنها مقدماً.

وقال: "كيف يفترض بي أن أدير عملي بهذه الطريقة؟ هذا الأمر غير قابل للاستمرار على الإطلاق".

وقال رئيس الوزراء محمد مصطفى إن حكومته لا تملك سوى أدوات محدودة لتحسين الوضع. فقد فرضت تجميداً للتوظيف باستثناء قطاع الصحة، وأوقفت تخصيص الأموال للمشاريع التنموية، وتعمل وفق موازنة طوارئ.

وأضاف أنه طلب من المجتمع الدولي تقديم مزيد من المساعدات، لكن هذه الطلبات لم تلقَ استجابة تُذكر.

وقال محللون ومسؤولون فلسطينيون إن الأمل الوحيد يتمثل في إمكانية استبدال ائتلاف نتنياهو اليميني بحكومة أقل تشدداً في الانتخابات المقررة في تشرين الأول/أكتوبر. ويرون أن حكومة إسرائيلية جديدة أقل إصراراً على إلحاق الضرر بالفلسطينيين قد تخفف الخناق الاقتصادي المفروض عليهم.

وفي مستشفى رام الله، كانت حماد تحاول التعايش مع نقص الأدوية والتغلب على إرهاقها. وكانت ابنتاها تمسكان بذراعيها أثناء عودتها إلى سيارتها.

وقالت: "إنه أسوأ وقت للإصابة بالسرطان".