غزة/ الاقتصادية
تواجه الضفة الغربية أزمة متفاقمة في إمدادات الوقود، تتداخل فيها القيود الإسرائيلية على الحركة والتحويلات المالية مع أزمة السيولة التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، وحملة حكومية لمكافحة تهريب المحروقات والتهرب الضريبي. وتكشف المعطيات الرسمية والتقديرات الاقتصادية عن فجوة مستمرة بين حجم الطلب والإمدادات المتاحة، بالتوازي مع تراكم مليارات الشواكل داخل النظام المصرفي الفلسطيني وتعذر تحويلها إلى الجانب الإسرائيلي.
وتفاقمت الأزمة في الأسابيع الأخيرة على وقع القيود الأمنية الإسرائيلية في الضفة الغربية. فبعد أحداث 24 يوليو/تموز في قرية تل قرب نابلس، فرض جيش الاحتلال سلسلة من الإغلاقات والحواجز والقيود على الحركة، فيما أغلقت مستوطنات، بينها أريئيل، مداخلها أمام عمال فلسطينيين ومنعتهم من الوصول إلى بعض محطات الوقود التي كانوا يستخدمونها لتعويض النقص في السوق الفلسطينية. وبحسب موقع "سيحا مكوميت" العبري، تلقى عمال فلسطينيون تحذيرات شفهية وعبر تطبيق واتساب بعدم التزود بالوقود من محطات قرب أريئيل، تحت طائلة الاعتقال أو التحقيق أو سحب تصاريح العمل، رغم نفي بلدية المستوطنة وإدارة المنطقة الصناعية إصدار تعليمات رسمية بهذا الشأن.
أزمة مالية تضغط على سوق الوقود
ويربط مسؤول رفيع في السلطة الفلسطينية، تحدث لموقع "سيحا مكوميت" شريطة عدم الكشف عن هويته، أزمة الوقود بالشلل المالي الأوسع الذي تعاني منه السلطة نتيجة احتجاز إسرائيل أموال المقاصة، وهي الضرائب والجمارك التي تجمعها نيابة عن السلطة وتشكل، وفق المعطيات الواردة في التقرير، أكثر من 65% من موازنتها.
وتبلغ الإيرادات المحلية المتاحة للسلطة حالياً ما بين 9 و12 مليون شيقل يومياً، وفق المسؤول، في حين تصل كلفة تشغيل مؤسساتها إلى نحو مليار شيقل شهرياً. وبحسب التقرير، لا تغطي الموارد المتاحة سوى أقل من خُمس احتياجات الحكومة، ما دفعها إلى خفض رواتب موظفي القطاع العام إلى النصف. كما لم تتلق السلطة منذ أواخر العام الماضي مساعدات اقتصادية من دول عربية وإسلامية، وباتت تعتمد بصورة رئيسية على دعم الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي.
وفي محاولة لوقف استنزاف الإيرادات، بدأت الحكومة بحملة تستهدف ما تصفه بـ"الهدر" والتسربات المالية، شملت قطاعات المياه والكهرباء ثم الوقود. ووفق بيانات وزارة المالية الفلسطينية ومصادر رسمية، استهدفت الإجراءات في قطاع المياه شبكات سرقة وتعديات، خصوصاً على خط دير شاعر في الخليل وشبكات في جنين، حيث قُدرت كميات المياه المسروقة بنحو 12 ألف متر مكعب يومياً.
الوقود المهرب يصل إلى ثلث السوق
وتشير بيانات وزارة المالية ومسؤولين في السلطة إلى أن الوقود المهرب يمثل ما بين ربع وثلث استهلاك السوق الفلسطينية اليومي، بما يعادل نحو 30 مليون لتر شهرياً، تقدر قيمتها بأكثر من 130 مليون شيقل. وتقول الحكومة إن هذه التجارة تحرم الخزينة أيضاً من إيرادات ضريبة المحروقات ومن ضريبة القيمة المضافة البالغة 16%.
وفي يوليو/تموز الماضي، أعلن النائب العام الفلسطيني فتح تحقيق ضد شركة "الهدى" للمحروقات وإصدار مذكرة توقيف بحق رجل الأعمال طارق النتشة، للاشتباه بالتلاعب في سوق الوقود والتهرب الضريبي على نطاق واسع. وتملك الشركة، التي تأسست عام 1998، 28 محطة وقود في أنحاء الضفة الغربية، إضافة إلى حصص في منشآت تخزين، وكانت لعقود من أبرز موردي الوقود للأجهزة الأمنية والمؤسسات الحكومية.
وزارة المالية: لا توجد أزمة إمداد فعلية
وينفي مجدي حسن، نائب وزير المالية والتخطيط والمسؤول عن الإيرادات ورئيس هيئة البترول الفلسطينية، وجود أزمة وقود حقيقية بالحجم المتداول. وقال في مقابلة مع "سيحا مكوميت" إن هيئة البترول توفر أكثر من ثلاثة ملايين لتر من الوقود يومياً، معتبراً أن حالة الهلع والشائعات عبر شبكات التواصل تدفع المستهلكين إلى تخزين كميات تفوق حاجتهم، ما يضخم النقص بصورة مصطنعة.
ودافع حسن عن المقترح المتجدد لإنشاء شركة وقود حكومية، مؤكداً أن الفكرة ليست استجابة طارئة للأزمة، وإنما إصلاح هيكلي جرى التخطيط له سابقاً، يقوم على الفصل بين وظيفة هيئة البترول بصفتها جهة تنظيمية ورقابية، وبين عمليات شراء الوقود ونقله وتوزيعه تجارياً، على غرار نماذج مستخدمة في قطاعات المياه والكهرباء في دول أخرى.
15 مليار شيقل عالقة في البنوك الفلسطينية
ويبرز في خلفية أزمة المحروقات اختناق مالي متزايد في الجهاز المصرفي الفلسطيني. فنتيجة القيود الإسرائيلية على التعاملات مع البنوك الفلسطينية، تراكمت كميات ضخمة من العملة الإسرائيلية لديها، وتقدر المادة فائض الشواكل العالق بما لا يقل عن 15 مليار شيقل.
وتنعكس المشكلة مباشرة على تجارة الوقود، إذ تحتاج الشركات الفلسطينية إلى تحويل الأموال إلكترونياً إلى الموردين الإسرائيليين للحصول على شحنات جديدة، بينما يحد تراكم السيولة النقدية وتعطل قنوات المقاصة المصرفية من قدرتها على إجراء هذه المدفوعات. ونقلت المادة عن مصادر في وزارة المالية الفلسطينية أن بعض المحطات بدأت تفضل بطاقات الدفع أو وسائل الدفع الإلكتروني لتجنب تراكم النقد الذي يصعب إيداعه وتحويله.
767 مليون شيقل لتسوية ديون موردي الوقود
وتظهر بيانات مالية سابقة حجم اعتماد السلطة على الموردين الإسرائيليين. فوفق تقارير وزارة المالية وبيانات مالية تعود إلى عام 2024، اضطرت السلطة إلى تحويل 767 مليون شيقل من أموال كانت مودعة في النرويج بموجب ترتيب جرى بوساطة أميركية، بهدف تسوية ديون مستحقة لشركات وقود إسرائيلية وضمان استمرار الإمدادات. وبحسب التقرير، تقوم إسرائيل كذلك اقتطاع الديون غير المسددة من أموال المقاصة المحتجزة، في وقت تظل فيه قادرة على التأثير في حجم الإمدادات المتدفقة إلى السوق الفلسطينية.
وتشير المادة أيضاً إلى أن وزارة الأمن الإسرائيلية حولت مؤقتاً، بموجب ترتيبات الطوارئ، جزءاً كبيراً من أسطول ناقلات الوقود المستخدم عادة لتزويد مناطق السلطة إلى الاحتياجات العسكرية. ويقدر التقرير عدد الناقلات الاعتيادي بنحو 400 شاحنة، بينما تشير بعض المصادر التي استند إليها إلى تحويل ما يصل إلى 250 ناقلة للاستخدام العسكري.
لا مخزون استراتيجياً
وتزداد هشاشة السوق بسبب غياب احتياطي استراتيجي فلسطيني فعلي للمحروقات. ووفق تقديرات أوردها التقرير، تعتمد السوق بصورة شبه كاملة على المخزون الموجود داخل محطات الوقود، والذي يكفي لنحو خمسة أيام فقط في حال توقف الإمدادات. ويرى التقرير أن اجتماع احتجاز أموال المقاصة، وتراكم فائض الشواكل داخل البنوك الفلسطينية، والاعتماد شبه الكامل على إسرائيل في توريد الوقود، والتهريب واسع النطاق، إضافة إلى نقص المخزون الاستراتيجي، جعل أزمة الطاقة جزءاً من أزمة مالية واقتصادية أوسع تعاني منها السلطة الفلسطينية.
كما يشير إلى حقل رنتيس، أو "مجد"، للنفط والغاز، مقدراً احتياطاته، استناداً إلى تقديرات خبراء أوردها، بنحو 1.5 مليار برميل من النفط و180 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي، معتبراً أن معظم الحقل يقع جغرافياً في الضفة الغربية، لكنه ظل لعقود تحت السيطرة الإسرائيلية.
وبذلك، لا تبدو أزمة الوقود، وفق المعطيات الواردة في التقرير، مجرد خلل مؤقت في التوزيع، بل نتيجة لتداخل أزمة مالية داخلية حادة مع قيود إسرائيلية هيكلية على التجارة والمصارف والحركة، في وقت تحاول فيه الحكومة الفلسطينية زيادة الإيرادات وتقليص التهريب والتهرب الضريبي للحفاظ على قدرتها على الاستمرار.

