اليوم الأحد ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦م

التفاوت الاقتصادي والمالي في قطاع غزة وأثره على التعافي وإعادة الإعمار

أمس, ١٠:٢٦:٢٠ ص
تعبيرية

 بقلم: د. عماد سعيد لبد- نقابة الاقتصاديبن الفلسطينيين 

ان إعادة إعمار قطاع غزة ليست عملية هندسية لإعادة بناء المباني والبنية التحتية فقط، وإنما هي عملية إعادة تشكيل للاقتصاد والثروة والدخل وفرص العمل والتمويل.

 

ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق عملية إعادة الإعمار هو:

كيف يمكن أن نضمن أن تؤدي عملية التعافي وإعادة الإعمار إلى تخفيض التفاوت الاقتصادي والمالي، بدلًا من إعادة إنتاجه أو تعميقه ؟

 

وتكمن أهمية هذا السؤال من أن الحرب لم تؤثر على جميع الأسر والمنشآت والأصول بالطريقة نفسها، كما أن القدرة على الوصول إلى السيولة والتمويل والمساعدات وفرص العمل تختلف بين الفئات.

 

فقد كان قطاع غزة يعاني أصلًا من مستويات مرتفعة من الفقر قبل الحرب؛ إذ بلغت نسبة الفقر وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2023 نحو 63.6%، ونسبة الفقر المدقع 43.5%.

 

أما خلال الحرب، فقد أصبحت المؤشرات أكثر حدة؛ إذ يشير الجهاز المركزي للإحصاء إلى انخفاض الاستهلاك في غزة عام 2025 بنحو 81% مقارنة بعام 2023، مع ارتفاع الأسعار في غزة بنحو 22% خلال 2025.

 

وعليه، فإن نقطة الانطلاق إلى مرحلة التعافي ستكون من اقتصاد شديد الاختلال، وليس من اقتصاد طبيعي.

 

ان غياب صورة متكاملة عن كيفية توزيع الخسائر الاقتصادية والمالية، وكيف يمكن أن تتوزع مكاسب وفرص التعافي وإعادة الإعمار بين السكان والمنشآت والقطاعات والمناطق المختلفة في قطاع غزة يعني تشوهات هيكلية في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والتنمية المستدامة.

 

ومما يؤكد ما سبق أن الخسارة ليست متساوية بين الجميع؛ فقد فقدت بعض الأسر المسكن والأرض والمشروع ومصدر الدخل، بينما تمكنت أسر أخرى من الاحتفاظ بجزء أكبر من أصولها أو مدخراتها.

كما أن بعض المنشآت فقدت كامل أصولها، بينما تعرضت منشآت أخرى لأضرار جزئية.

 

ومن جهة أخرى، فإن امتلاك الحساب المصرفي أو القدرة على الوصول إلى التمويل والتحويلات والمساعدات قد يمثل عاملًا مهمًا في قدرة الأسرة أو المنشأة على التعافي.

 

وهنا تظهر مشكلة أساسية:

 

إذا بدأت عملية إعادة الإعمار دون وجود آلية لقياس التفاوت، فقد تصل الموارد إلى الفئات الأكثر قدرة على الوصول إليها بدلًا من الفئات الأكثر تضررًا.

 

ومن هنا يمكن أيضا طرح السؤال الرئيسي التالي:-

 

ما أثر الحرب والدمار الاقتصادي على التفاوت في توزيع الدخل والثروة والسيولة والفرص الاقتصادية في قطاع غزة، وكيف يمكن تصميم سياسات التعافي وإعادة الإعمار بما يحد من التفاوت ويحقق تعافيًا اقتصاديًا شاملًا ؟

 

والإجابة على السؤال الرئيس لابد من طرح بعض الأسئلة الفرعية ؛ وهي:

 

- كيف تغير توزيع الدخل والثروة بين الأسر منذ عام 2023 ؟

- كيف تغير توزيع الودائع والسيولة؟

- ما حجم الفجوة بين الأسر التي فقدت أصولها والأسر التي تمكنت من الاحتفاظ بها؟

- ما أثر فقدان العمل على التفاوت الاقتصادي؟

- ما أثر التهجير وتغير مكان الإقامة على الفرص الاقتصادية؟

- هل تختلف القدرة على الحصول على المساعدات والتمويل بين الفئات؟

- هل تختلف قدرة المنشآت الصغيرة على العودة إلى النشاط الاقتصادي؟

- ما الفئات الأكثر استفادة من فرص التعافي؟

- ما الفئات الأكثر عرضة للاستبعاد من عملية إعادة الإعمار؟

- كيف يمكن تصميم نظام أكثر عدالة لتوزيع موارد إعادة الإعمار؟

 

 ومما يجدر ذكره أن استخدام مفهوم "التفاوت الاقتصادي" بمعناه الضيق غير كاف؛ وانما يجب أن يتم تطويره الإجابة على السؤال التالي: 

 

 - ما مدى تفاوت القدرة على الاستفادة من إعادة الإعمار ؟

 

ومن هنا يمكن تقسيم التفاوت بصورة عامة إلى إلى ستة أبعاد؛ وهي:

 

1. تفاوت الدخل؛والمقصود به الفروق في الدخول بين الأسر والأفراد.

 

2. تفاوت الثروة؛ ونقصد به الفروق في ملكية: الأراضي؛ المساكن؛ المنشآت؛ المعدات؛ المدخرات؛ الأصول المالية.

 

3. التفاوت المالي؛ والمقصود به الفروق في: الودائع؛ السيولة؛ الوصول إلى الخدمات المصرفية؛ القدرة على الحصول على التمويل.

 

4. تفاوت فرص العمل؛ والمقصود به الفروق في: الحصول على العمل؛ نوع العمل؛ الدخل؛ الاستقرار الوظيفي؛ المهارات.

 

5. تفاوت الوصول إلى الخدمات.

مثل: التعليم؛ الصحة، المياه؛ الكهرباء؛ الاتصالات؛ السكن.

 

6. تفاوت القدرة على الاستفادة من إعادة الإعمار. وهذا هو البعد الجديد الذي ينبغي أن يتم التركز عليه بصورة خاصة.

 

ومن هنا يمكن بناء مفهوم: "القدرة الاقتصادية على التعافي"؛ و قياسها من خلال تطوير مؤشر بحثي خاص بها: