اليوم الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦م

أزمة تعصف بالمطاعم الإسرائيلية في نيويورك مع تغير المزاج الأميركي

أمس, ١١:٥٤:٣١ ص
أرشيفية

وكالات/ الاقتصادية

يبدو ذلك اليوم كأنه ينتمي إلى زمن بعيد، لكن نيويورك عرفت حقبة كانت فيها المطاعم الإسرائيلية مجرد مطاعم، بل وجهات رائجة أحياناً.

ومع أن حضورها في المدينة يعود إلى خمسينيات القرن الماضي على الأقل، حين افتتحت عائلة إسرائيلية سلسلة من مطاعم البيتزا والفلافل التي تقدم أطعمة "كوشير" في الأحياء الخارجية، فإن ذروة ازدهارها لم تأتِ إلا بعد عقود، خلال العقد الثاني من الألفية.

وعندما سجل الشيف "الإسرائيلي" الشهير إيال شاني ظهوره الأول في الولايات المتحدة عام 2018 بافتتاح محل لخبز البيتا في "تشيلسي ماركت"، وجد نفسه في مواجهة مطعم "ديزنغوف" للحمص، المملوك لمايكل سولومونوف، الذي كان يعمل في الموقع نفسه منذ عامين. (ورغم أفضلية السبق التي تمتع بها سولومونوف، رأت مجلة "نيويوركر" أن شاني هو من حقق "الصدارة في خبز البيتا").

وفي وقت لاحق من العام نفسه، عندما أغلقت عينات أدموني مطعمها "بالابوستا"، قائلة إن حي نوليتا في المدينة يضم عدداً كبيراً جداً من المطاعم الإسرائيلية، رثت مدونة "غرَب ستريت" التابعة لمجلة "نيويورك" خسارة "مطعم جيد آخر". (وسرعان ما أعيد افتتاحه في "ويست فيليدج").

وفي 2020، عندما كلف المالكون الإسرائيليون لمخبز "بريدز بيكري" الكاتب الإسرائيلي الحائز على جوائز إتغار كيريت بكتابة قصة قصيرة، ثم لفوها حول قالب من كعكة الباوند، سلطت صحيفة "نيويورك تايمز" الضوء على الأمر.

أما اليوم، فإذا كنت تقرأ عن مطعم إسرائيلي في وسيلة إعلام إخبارية رئيسية، فمن المرجح أن تكون القصة عن تعرضه للمقاطعة أو التخريب أو إغلاقه. فقد تحول الرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل بصورة حادة خلال السنوات التي أعقبت هجوم "حماس" في 7 أكتوبر 2023، والحرب الوحشية التي تلته في غزة، إذ أظهر استطلاع لمركز "بيو" للأبحاث نُشر في وقت سابق من هذا العام أن 60% من البالغين الأميركيين لديهم "نظرة سلبية تجاه إسرائيل"، ارتفاعاً من 42% في 2022.

لذلك فوجئت عندما تلقيت رسالة بالبريد الإلكتروني في نوفمبر الماضي تفيد بأن شاني يخطط لتنفيذ توسع "كبير" في الولايات المتحدة، ليضيف إلى قائمته اللافتة بالفعل التي تضم أكثر من 50 موقعاً حول العالم. ألم تصله الرسالة؟

 

غياب دليل إرشادي حول المطاعم الإسرائيلية

لا يوجد دليل موحد للمطاعم الإسرائيلية يرصد افتتاحاتها وإغلاقاتها، لكن كثيراً منها يزدهر رغم العناوين الإخبارية.

فعندما ذهبت إلى مطعم "موتيك" في حي فلات آيرون بنيويورك لتناول غداء متأخر في أحد أيام الأربعاء هذا الصيف، لم أتمكن من الحصول على طاولة واضطررت إلى الجلوس عند البار. (وأثناء دخولي، لمحت رجلاً يرتدي قميصاً كُتب عليه "صهيوني فخور").أخبرتني إحدى النادلات أن المكان، في الواقع، لم يكن مزدحماً جداً؛ ففي بعض الأحيان يمتد صف الانتظار إلى خارج الباب.

وفي عامه الثاني، نفدت جميع تذاكر مهرجان "ذا غريت نوش" الخارجي للطعام، وعددها 5 آلاف تذكرة. ويجمع المهرجان طهاة إسرائيليين ويهوداً مع طهاة متخصصين في مطابخ أخرى، لينتج ابتكارات مثل تاكو البسطرمة وخبز البيغل المحشو بدجاج تيكا.

أما مطعم "أورِش"، وهو مطعم متوسطي للطهي على النار المباشرة افتُتح قبل خمسة أشهر في سوهو على يد ناداف غرينبرغ، الشيف السابق في مطعم "شموني" الحائز نجمة "ميشلان" والمملوك لشاني في غرينتش فيليدج، فحاول الحصول على حجز فيه إن استطعت.

في بعض هذه الأماكن، تخفي المنافسة المحمومة للحصول على طاولة تحولاً في تركيبة الزبائن قد يثبت استمراره أو لا. يقول شاني، الذي يدير حالياً 10 مطاعم في نيويورك، مع افتتاح مطعم آخر الشهر المقبل، إنه لم يلحظ تأثيراً للتحول في المزاج العام بعد 7 أكتوبر إلا عندما حلّت الأعياد اليهودية في 2024.

ففي هذه الفترات، يكون كثير من اليهود المتدينين في نيويورك إما خارج المدينة، أو يحضرون الصلوات، أو يمتنعون ببساطة عن إنفاق المال. وقال لي شاني، خلال مكالمة عبر الفيديو من منزله في الكرمل بإسرائيل في أبريل، إن مطاعمه في نيويورك كانت "شبه خالية". وأضاف أنه أدرك أن "قاعدة زبائني تغيرت من سكان نيويورك عموماً إلى اليهود والإسرائيليين".

وبحسب شاني، ظهر هذا التحول في مطاعمه ذات الطابع الإسرائيلي واليهودي الأكثر وضوحاً، وهي "مالكا"، وهو مطعم متوسطي يقدم أطعمة "كوشير" وله موقعان في نيويورك، و"هاسالون"، وهو مطعم إسرائيلي وملهى ليلي في هيلز كيتشن. أما في بعض مطاعمه الأخرى، مثل "شموني" أو "ميزنون"، وهو مطعم متوسطي للوجبات السريعة غير الرسمية، فكان هذا التحول أقل وضوحاً، على حد قوله.

عندما حضرت افتتاح أول فرع لمطعم "مالكا" في نيويورك في نوفمبر 2023، لم يكن المزاج الشعبي في الولايات المتحدة قد انقلب بعد ضد إسرائيل.

وكان من الغريب والمريح في آن واحد أن أكون في فعالية يُقدَّم فيها طعام "كوشير"، فيما امتلأ المكان المكون من طابقين إلى درجة كبيرة بمحتفلين يتحدثون العبرية، حتى إنني اضطررت عملياً إلى التوسل للدخول رغم أنني كنت مدعوة.

كنا جميعاً هناك، نحن اليهود، ولم نكن نبكي. لم نأتِ لإجراء نقاشات سياسية. كنا هناك من أجل الفرح، وهو شعور لم يكن معظمنا قد اختبره منذ 6 أكتوبر. ومع ذلك، التفت إليّ في لحظة ما صديق قديم من كلية الحقوق كنت قد اصطحبته معي، وقال إن مجرد الوجود هناك بدا وكأنه موقف سياسي.

 

مطالبة بموقف من وجود دولة إسرائيل

لم نكن نعرف آنذاك أن البقاء بعيداً عن السياسة سيصبح رفاهية لن تعود متاحة لنا نحن اليهود الأميركيين، أينما كنا، سواء في حرم جامعي، أو داخل مترو الأنفاق، أو حتى في مطعم. فالعديد من الناس يطالبوننا اليوم باتخاذ موقف: إما أن تؤيد وجود دولة إسرائيل، سواء شمل ذلك تأييد زعيمها، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أم لا، وإما أنك لا تؤيد ذلك.

وقالت مورغان راوم، صانعة المحتوى في نيويورك المعروفة باسم "@tooomuchfoood"، والتي يتابعها 174 ألف شخص على "إنستغرام" وتستضيف حفلات عشاء "شابات كلوب" في مطاعم وحانات مملوكة ليهود وإسرائيليين، إن المطاعم الإسرائيلية تؤدي دور "المراكز المجتمعية".

وأضافت أن مطاعم، من بينها "موتيك" و"هاسالون"، إلى جانب "12 تشيرز كافيه" و"19 كليفلاند"، أصبحت "أشبه بمشهد اجتماعي، لكنه مشهد يهودي"، موضحة: "ولا أشعر بأن شيئاً كهذا كان موجوداً لدينا منذ وقت طويل جداً". ووصفها أحد أصدقائها بأنها "الكنس الجديدة"، مستخدماً كلمة "شول" باليديشية، التي تعني كنيساً.

وبالتأكيد، لا تقتصر هذه المطاعم على خدمة الزبائن اليهود وحدهم، كما أن هذه الديناميكية لا تظهر بوضوح في كل مطعم مملوك لإسرائيليين.

ومع ذلك، إذا كان الزبائن اليهود أصبحوا أكثر ولاءً، فمن المرجح أن يرجع ذلك إلى أن أعمال التخريب التي تطال المطاعم الإسرائيلية، ودعوات إلى المقاطعة، إلى جانب احتجاجات من العاملين، باتت شبه اعتيادية في كثير من الأماكن.

ووفقاً لرابطة مكافحة التشهير، قفزت الهجمات التي تصنفها بأنها معادية للسامية في الولايات المتحدة 70% منذ 2022. ومن بين أكثر من 6 آلاف هجوم وقع العام الماضي، حدث 11% فقط في منشآت تجارية، ومن بينها 12% فقط في مطاعم.

ورغم أن المطاعم لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من الأهداف، يصعب على كثير من يهود نيويورك تجاهل الاعتداءات على هذه الأماكن، التي يُعد كثير منها نقاط تجمع محبوبة وعريقة في أحيائها.

وفي يناير 2025، خط مهاجمون عبارة "مطبخ الإبادة الجماعية" على مطعم "ميريام" في بارك سلوب ببروكلين. وبعد عام، طالب موظفون في "بريدز بيكري"، التي لديها ستة فروع في نيويورك، عبر "إنستغرام" بأن يوقف المالكون الإسرائيليون "استخدام أرباح المخبز في تقديم دعم مادي للاحتلال الإسرائيلي"، وقالوا إنهم يرفضون "المشاركة في مشاريع صهيونية"، وذكروا مهرجان "ذا غريت نوش" تحديداً، رغم أن المهرجان لا يصف نفسه بأنه صهيوني. وفي كل حالة، سرعان ما أعقبت ذلك تقارير عن دعم من زبائن أوفياء وآخرين جدد.

 

موجة عداء تدفع مطاعم إسرائيلية إلى الإغلاق

أما بالنسبة إلى بعض المطاعم، فقد دفعت موجة العداء هذه أصحابها إلى إغلاق عدد من الفروع. وأغلق "كافيه آرون" عدة فروع، من بينها أول فرع له في ويست فيليدج، الذي كان يتعرض للتشويه نحو مرة أسبوعياً، بحسب مالكه آرون دهان، الذي تنحدر والدته من إسرائيل ووالده من لبنان.

ففي أحد الأيام، وُضع ملصق كتب عليه "اقتلوا اليهود بالغاز"، وفي يوم آخر ظهرت عبارة "حرروا غزة" مكتوبة على الجدران. كما قالت مالكة "تسيون كافيه" الإثيوبي الإسرائيلي في هارلم إنها لم تعد قادرة على تحمل المضايقات، وحولت مطعمها إلى مكان لإقامة الفعاليات مع تقديم خدمات الطعام.

أما مطعم "ريونيون" في وليامزبرغ ببروكلين، فأرجع قرار إغلاقه إلى ارتفاع تكاليف التشغيل وإلى "واقع أننا مطعم إسرائيلي في وقت بالغ الصعوبة". (وحتى لا يظن أحد أن كل هذه الاحتجاجات موجهة إلى سياسات الحكومة الإسرائيلية، تجدر الإشارة إلى أن مؤسسات يهودية في نيويورك لا يملكها إسرائيليون، مثل "سكند أفينيو ديلي" و"كاتز ديليكاتيسن"، تعرضت للاستهداف أيضاً).

تقول أدموني إن مطعم "بالابوستا" أُضيف إلى قائمة تضم "مطاعم صهيونية" تتم الدعوة إلى مقاطعتها، كما تلقى سيلاً من التقييمات بنجمة واحدة على "جوجل". وتقول إنها لا تزال "ليبرالية جداً"، لكن "الحزب الديمقراطي تغيّر كثيراً، وأشعر بأنه خان مجتمعي".

وأضافت، خلال حديث في مقهى ببروكلين هذا الشتاء، أن رؤيتها منشوراً لحركة "حياة السود مهمة" في 10 أكتوبر يظهر فيه شخص على طائرة شراعية يحمل علماً فلسطينياً، في إشارة واضحة إلى مقاتلي حماس المصنفة جماعة إرهابية، الذين استخدموا طائرات شراعية ونصبوا كميناً لرواد مهرجان موسيقي في جنوب إسرائيل، "حطمتني". (واعتذرت المجموعة عن المنشور في اليوم التالي، لكنها لم تقدم أي تعازٍ لعائلات الضحايا الإسرائيليين).

وتقول أدموني: "الآن أعرف من هو صديقي". ورغم أن أصولها إيرانية ويمنية، تقول أدموني إن الارتياب والقلق اللذين باتا يصاحبان الحياة بوصفها يهودية معروفة علناً: "أصبحنا جميعاً من الأشكيناز". وتضيف أن إدراج اسم مطعمها في قائمة "المطاعم الصهيونية" انتهى به الأمر إلى أن يكون، على حد وصفها، "خدمة كبيرة لنا".

 

توسيع الوصول إلى جمهور واسع

تركز خطط شاني للتوسع في الولايات المتحدة على توسيع نطاق الوصول إلى "جمهور واسع"، بحسب ممثل عن مجموعة مطاعمه "غود بيبول غروب" (Good People Group)، لكن المجموعة تعطي الأولوية أيضاً لمدن تضم أعداداً كبيرة من اليهود والإسرائيليين، مثل لوس أنجلوس وميامي ونيويورك.

وقال لي شركاء شاني في هذه المشروعات إن إقبال الزبائن اليهود وحده لا يمكن أن يكفل استمرار هذه المطاعم، كما أنهم لا يتوقعون منه ذلك. ومع ذلك، يثير الأمر تساؤلات بشأن مصير المطاعم الإسرائيلية إذا تحولت المواقف الأميركية المتغيرة تجاه إسرائيل إلى توجه أكثر رسوخاً وديمومة. كما يطرح تساؤلاً آخر حول ما الذي قد يعنيه هذا الفصل الفعلي بين رواد المطاعم بالنسبة إلى مدينة مثل نيويورك، التي تركت جاليتها اليهودية الكبيرة بصمة لا تُمحى عليها.

وفي مايو، قال لي صاحب المطاعم، الذي يعيش في إسرائيل، خلال مقابلة في مطعم "بورت سعيد" في مانهاتن السفلى، إنه يشعر بأنه "مختطَف" من جانب الحكومة الحالية. ومع ذلك، لم يتعرض لحوادث تصنف على أنها معادية للسامية، إلا بعدما جاء إلى الولايات المتحدة.

وبعد فترة وجيزة من 7 أكتوبر، كان يقف خارج أحد مطاعمه في نيويورك خلال استراحة لتدخين سيجارة، حين رأى شاباً وامرأة يسيران بالقرب منه. ويتذكر شاني أنه عندما اقتربت المرأة من النافذة لإلقاء نظرة عن قرب، "رأيت الرجل يأتي إليها من الخلف، ويمسك بذراعها ويدفعها إلى الوراء قائلاً: اتركيه. إنه ملك لليهود".

هو كذلك. لكن الجميع مرحب بهم. فلا يوجد هنا أي اختبار للمواقف.