اليوم الأحد ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦م

حياة بلا كهرباء ولا ثلاجات.. طعام غزة يفسد خلال ساعات

اليوم, ٩:١١:٥٠ ص
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

في خيام النزوح الممتدة على رمال شاطئ البحر ووسط ركام المخيمات، لا تبدو معركة سكان قطاع غزة مقتصرة على تأمين الطعام فحسب وإنما تمتد إلى معركة موازية لا تقل قسوة، وهي كيف يحفظ هذا الطعام من التلف قبل أن يصل إلى الأفواه الجائعة. فمع انقطاع الكهرباء شبه الكامل وتدمير غالبية شبكات المياه والمرافق الخدمية، تحولت الثلاجة، ذلك الجهاز المنزلي البسيط الذي لا يثير انتباه أحد في الظروف الطبيعية إلى حلم بعيد المنال بالنسبة لآلاف العائلات النازحة.

ومع اشتداد موجات الحر خلال أشهر الصيف وارتفاع درجات الحرارة داخل الخيام المصنوعة من القماش والنايلون إلى مستويات خانقة، أصبح فساد الطعام أمراً يومياً يتكرر لا يمكن تفاديه. فما يُطهى في الصباح ربما لا يصلح للأكل عند المساء، وما يشترى من خضار وفواكه واللحوم النادرة أصلاً سرعان ما يتحول إلى مادة فاسدة يُرمى بها في ظل غياب أي وسيلة تبريد متاحة أو ميسورة التكلفة.

 

تبريد مفقود

تجلس الفلسطينية هناء اسليم أمام خيمتها المقامة في منطقة السودانية، قرب شاطئ بحر مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وهي تتأمل بقايا طعام أعدته قبل ساعات قليلة، وقد بدأت رائحته تتغير بفعل الحرارة. وتقول هناء لـ"العربي الجديد" إن حياتها في الخيمة تحولت إلى صراع يومي مع الحر ومع فساد الطعام السريع، مضيفة: "لا نعرف التبريد فهو مرتفع الثمن وقليل جداً من الأشخاص الذين لديهم مشاريع تجارية للتبريد، وهي أيضاً مرتفعة الثمن".

وتوضح أن الأمر لا يتعلق فقط بندرة وسائل التبريد وإنما بكلفتها الباهظة التي تفوق قدرة أغلب العائلات النازحة، فحين تحاول بعض الأسر الاستفادة من ثلاجة يملكها شخص قريب منها ضمن مشروع خاص أقامه، يجدن أنفسهن أمام تسعيرة لا يستطعن تحملها باستمرار. وتشير إلى أن ثمن التخزين لعلبة الطعام لليوم التالي من 5 إلى 10 شواكل (الدولار= 2.99 شيكل)، ويعتمد ذلك بحسب حجم الحلّة. وبين هذا وذاك، تجد هناء نفسها مضطرة في أغلب الأحيان إلى التخلي عن فكرة التخزين وتفضل طهي كميات صغيرة يومياً حتى لا تُهدر ما تبقى من مواد غذائية بات الحصول عليها بحد ذاته معركة يومية.

وتلفت إلى أن الخيار الوحيد المتاح أمامها هو استهلاك الطعام في اليوم نفسه وإن اضطرت أحياناً إلى إطعام أطفالها بقايا وجبات بدأت تفسد، خوفاً من أن يذهب الطعام هدراً في ظل شح الموارد. في حين، يتحدث الفلسطيني رامز حسونة الذي ينزح في منطقة الزوايدة، قرب شارع صلاح الدين وسط قطاع غزة، عن تفصيل بسيط بات يشكل حرماناً يومياً له ولعائلته، وهو كوب من الماء البارد.

ويقول حسونة لـ"العربي الجديد" إنه لم يتذوق طعم الماء المثلج منذ أشهر طويلة، مضيفاً: "ثمن كوب المياه المثلج 3 شواكل وهو سعر علبة الكولا"، وهو مبلغ يصعب توفيره باستمرار في ظل انعدام مصادر الدخل. ويبين أن غياب التبريد لم يعد مجرد مسألة راحة أو رفاهية وإنما أصبح عاملاً يتحكم في طريقة تعامل عائلته مع الطعام بأكملها.

ويضيف: "بات التبريد صعب المنال وبالتالي نعمل طعاماً قليلاً، وربما ينقص، ولكن الأهم ألا يتلف"، في إشارة إلى أن العائلة باتت تفضل الجوع القليل على مضاعفة الخسارة بفقدان الطعام كلياً نتيجة الفساد السريع. ويشتكي حسونة من تكرار تلف الأطعمة بسبب الحرارة المرتفعة داخل الخيمة التي يقطنها، لافتاً إلى أن العائلة تلجأ إلى عدة طرق بديلة لمحاولة إطالة عمر الطعام قدر الإمكان، منها "التبريد بالمياه العادية وفي أوقات أخرى التسخين"، لكنه يؤكد أن كل هذه الطرق تبقى "أقل نجاعة من التبريد" الحقيقي، وغير قادرة على منع الفساد بشكل كامل.

 

مشاريع مرتفعة التكلفة

وفي ظل هذا الواقع المرير، ظهرت مبادرات فردية صغيرة حاول من خلالها بعض الأهالي والشباب بل حتى الأطفال، إيجاد حلول بديلة عبر ألواح الطاقة الشمسية والثلاجات المحدودة، مقابل أجر رمزي بات عبئاً إضافياً على عائلات أنهكها النزوح والفقر. وبين أزقة النزوح، يظهر مشهد مختلف يجسد كيف تحولت المعاناة إلى مسؤولية مبكرة على أكتاف الأطفال.

الطفل أسامة مسعود النازح في منطقة مواصي خانيونس، يقضي ساعات يومه في تجهيز أكياس نايلون صغيرة يملؤها بالعصير ثم يضعها للتبريد، قبل أن يبيع الكيس الواحد بشيكل واحد، في محاولة منه لمساعدة والدته وأشقائه الثلاثة على تدبير أمور الحياة اليومية وسط ظروف قاسية. ويعيش أسامة، الذي لا يزال والده أسيراً منذ بداية حرب الإبادة، واقعاً مختلفاً عن أقرانه من الأطفال، إذ يجد في لوح الطاقة الشمسية الوحيد الذي تملكه عائلته، والثلاجة التي اشترتها له والدته، طوق نجاة حقيقي لإعالة أسرته الصغيرة في ظل شح المساعدات وتأخرها وعدم كفايتها لتغطية احتياجات العائلة الأساسية.

 

ورغم صغر سنه، يحقق أسامة صافي ربحاً يومياً يراوح بين 20 و25 شيكلاً، وهو مبلغ بسيط بمقاييس الأسواق العادية، لكنه يشكّل بالنسبة لعائلته مورداً أساسياً يمكّنها من شراء بعض احتياجات إخوته الصغار، في مشهد يختصر كيف باتت الثلاجة والتبريد في زمن الحرب، أداة لكسب الرزق قبل أن تكون وسيلة للراحة. ويروي الفلسطيني محمود البابا، من مخيم البريج وسط القطاع، تجربته في إقامة مشروع صغير لتبريد المياه والأطعمة لأهالي منطقته، بعدما لاحظ حجم المعاناة المتزايدة جراء غياب أي بدائل.

ويقول البابا لـ"العربي الجديد" إن تكلفة تجهيز المشروع كانت باهظة، إذ بلغت نحو 8 آلاف دولار، شملت شراء لوحين للطاقة الشمسية وبطاريتين ومستلزماتهما، إضافة إلى 3 ثلاجات. ويوضح محمود أن هذا الرقم الكبير يعكس بوضوح حجم الكلفة الحقيقية لخدمة التبريد في قطاع غزة اليوم، وهي كلفة تنعكس بدورها على الأسعار التي يضطر إلى فرضها على الزبائن رغم محاولاته المستمرة لمراعاة الظروف الصعبة التي يعيشها الأهالي.

ويضيف: "نحاول مراعاة ظروف الناس في بيع الثلج والمياه والمشروبات الباردة، ولكن تكلفة المشروع المرتفعة تجعل من تكلفة الخدمة مرتفعة أيضاً، في معادلة صعبة بين استمرارية المشروع وقدرة الناس على الدفع". ويشير إلى أن عمل المشروع مرتبط بشكل كامل بفصل الصيف فقط حيث تشتد الحاجة إلى التبريد، بينما يتوقف تماماً خلال أشهر الشتاء، وهو ما يجعل من هذا النشاط مصدر دخل موسمي وغير مستقر رغم الجهد والتكلفة الكبيرة التي يتطلبها تشغيله على مدار الأشهر الحارة.