غزة/ الاقتصادية
لم يعد البحث عن مصدر دخل في قطاع غزة مرتبطاً بالوظيفة أو المهنة أو مكان العمل، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الإنسان على ابتكار أي وسيلة تدر عليه بضعة شواكل يومياً. فبعدما انكمش الاقتصاد الحقيقي في القطاع بنسبة 83% خلال عام 2024، وبلغت البطالة 78% خلال عام 2025، نشأت حول مخيمات النزوح أنشطة اقتصادية صغيرة فرضتها الحاجة، وأصبح يطلق عليها "اقتصاد الخيمة".
ففي محيط الخيام المنتشرة في مناطق النزوح، ظهرت خدمات لم تكن جزءاً من المشهد الاقتصادي المعتاد في غزة، من شحن الهواتف وبيع المياه والطعام، إلى نقل المساعدات وإصلاح الأجهزة والخياطة، في محاولة لتعويض جزء من مصادر الدخل التي انهارت بفعل الحرب وتدمير المنشآت وتعطل الأسواق.
ولا يمثل هذا الاقتصاد بديلاً عن سوق العمل التقليدي، بقدر ما يعكس اقتصاداً للبقاء، يقوم على خدمات بسيطة يقدمها النازحون لبعضهم، بعوائد محدودة لا تتناسب في كثير من الأحيان مع ساعات العمل أو حجم الاحتياجات المعيشية.
30 شيكلاً مقابل يوم من العمل
في مواصي خانيونس، جنوب قطاع غزة، يعمل صهيب حسنين في شحن الهواتف داخل مخيم النزوح الذي يقيم فيه، بعدما اضطر إلى ترك نمط حياته وعمله السابق نتيجة الحرب والنزوح.
وأصبح الهاتف بالنسبة إلى النازحين أكثر من وسيلة للاتصال؛ فهو وسيلة لمتابعة الأخبار، ومعرفة أماكن توزيع المساعدات، والتواصل مع الأقارب ومتابعة تفاصيل الحياة اليومية، ما جعل شحن الهواتف خدمة مطلوبة داخل المخيمات.
لكن دخل حسنين من هذا العمل لا يتجاوز نحو 30 شيكلاً في اليوم، وهو مبلغ محدود أمام تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار السلع والحاجات الأساسية.
ويقول في حديثه لصحيفة العربي الجديد، إن العمل لساعات طويلة مقابل هذا المبلغ يمثل محاولة يومية لتوفير الحد الأدنى من احتياجات أسرته، لكنه يبقى، في ظروف النزوح، مصدراً للدخل بدلاً من انعدامه بالكامل.
5 شواكل لكل توصيلة
وفي الزوايدة، وسط قطاع غزة، وجد ثائر الشاعر، النازح من رفح، فرصة أخرى لكسب المال من خلال نقل الطرود والمساعدات باستخدام عربة يجرها بنفسه.
ويقف الشاعر بالقرب من أحد مراكز توزيع المساعدات، حيث ينقل الطرود التي يحصل عليها النازحون إلى أماكن إقامتهم مقابل 5 شواكل لكل توصيلة.
ويقول إن دخله غير ثابت، إذ يعتمد على عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى خدمات النقل في كل يوم، لكنه يساعده في تأمين بعض احتياجات أطفاله الثلاثة.
وتكشف هذه المهنة الجديدة كيف تحولت المساعدات نفسها إلى نقطة تنشأ حولها خدمات اقتصادية محدودة؛ فمع وصول الطرود، تظهر الحاجة إلى نقلها، ومع انقطاع الكهرباء تظهر الحاجة إلى شحن الهواتف، ومع تضرر المنازل والمنشآت تظهر الحاجة إلى خدمات إصلاح مؤقتة.
مهن جديدة بعد انهيار سوق العمل
ويصف المختص في الشأن الاقتصادي عماد لبد ما يحدث بأنه انتقال قسري من اقتصاد السوق إلى "اقتصاد البقاء".
ويقول إن الحرب أدت إلى تعطيل أجزاء واسعة من النشاط الاقتصادي في غزة، من خلال تضرر المنشآت الإنتاجية والتجارية، وتعطل سلاسل التوريد، وانحسار قدرة القطاع الخاص على توفير فرص العمل.
وبحسب لبد، دفع هذا الواقع آلاف الفلسطينيين إلى تغيير طبيعة أعمالهم؛ فالعامل المتخصص أصبح يبحث عن بيع سلعة، والحرفي يقدم خدمة مؤقتة، وصاحب المركبة يتحول إلى ناقل، فيما يتجه آخرون إلى أي نشاط يمكن أن يوفر دخلاً يومياً.
ويشير إلى أن "اقتصاد الخيمة" لا يقوم على الإنتاج والتوسع والاستثمار، وإنما على الاستجابة للاحتياجات اليومية المباشرة للنازحين، ولذلك تظل عوائده محدودة ومتقلبة.
83% انكماش اقتصادي
ويأتي انتشار هذه الأنشطة في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية التي شهدها قطاع غزة، إذ انكمش الاقتصاد الحقيقي للقطاع بنسبة 83% خلال عام 2024، بينما بلغت البطالة 78% خلال عام 2025، وفق أحدث بيانات البنك الدولي.
وأدى تدمير المنشآت والبنية التحتية وتعطل الأنشطة الإنتاجية والأسواق إلى تفكيك مصادر الدخل التقليدية، ودفع الأسر إلى البحث عن بدائل مؤقتة للبقاء.
وبذلك، لم تعد الخيمة مكاناً للسكن فقط، بل تحولت في كثير من مناطق النزوح إلى نقطة تجمع لخدمات وأنشطة اقتصادية صغيرة، يتبادل فيها النازحون الخدمات مقابل مبالغ محدودة.
فـ30 شيكلاً من شحن الهواتف أو 5 شواكل من نقل طرد غذائي قد تبدو أرقاماً صغيرة في حسابات الاقتصاد الكلي، لكنها بالنسبة إلى أسرة فقدت مصدر دخلها قد تمثل الفارق بين الحصول على دخل يومي أو البقاء من دونه.
ومن هنا، يعكس "اقتصاد الخيمة" قدرة الفلسطينيين على ابتكار مصادر دخل في أقسى الظروف، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم الانهيار الذي أصاب سوق العمل والقطاعات الإنتاجية في غزة، حيث أصبح الهدف من النشاط الاقتصادي في كثير من الحالات ليس النمو، وإنما البقاء.

