اليوم السبت ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦م

بين مطرقة الدمار وسندان العقود: 6 دروس مستفادة من واقع أروقة التحكيم المالي للمنشآت السياحية في غزة.

اليوم, ٤:٠٦:٣١ م
محمد سالم أبو يوسف

بقلم: د. محمد سالم أبو يوسف - باحث أكاديمي وخبير مالي 

 

خلال الفترة الماضية، ومن قلب الجلسات الاستشارية وجلسات التحكيم والوساطة المالية التي ترأست بعضها وشاركت في أخرى لمعالجة النزاعات التجارية في العديد من المنشآت السياحية بقطاع غزة، لم تكن الأزمة المحورية تتعلق بتوقف الإيرادات أو الدمار المادي للمباني فحسب، بل كانت تتجلى في تفكك هيكل الشراكات الاستثمارية تحت وطأة الحرب.

في قطاع يعتمد بالأساس على الأصول المادية الثابتة والعمالة الكثيفة، كشفت الأزمة القاسية عن ثغرات قاتلة في عقود التأسيس ونماذج الحوكمة. 

ومن واقع الملفات والقضايا التي اطلعت عليها أو التي باشرتُ دراستها وفضّ النزاعات فيها، أشارككم أبرز 6 تجارب وأزمات تفكك واجهت الشركاء في هذا القطاع الحيوي، والدروس المستفادة منها:

1. انكسار معادلة "رأس المال مقابل الجهد الميداني":

في إحدى القضايا التي اطلعت عليها كانت بين شريك ممول (متواجد خارج القطاع) وشريك تشغيلي (مقيم بالداخل)، كان المطعم يمر بظروف تشغيل طارئة وكان الشريك التشغيلي يغامر يومياً لتأمين حراسة ما تبقى من المعدات وتوزيع الوجبات، بينما طالب الشريك الممول بحصته من الأرباح الطارئة وفق النسب الأصلية بالعقد (50% لكل منهما).

إن غياب التقدير المالي والتنظيمي لـ "مخاطرة إدارة الكارثة الميدانية" أدى إلى انعدام الثقة، حيث رأى الطرف الميداني أن حياته وجهده لا يُقيمان، بينما رأى الممول أن أصوله المالية هي المعرضة للخطر. 

وبعد وساطات مضنية انتهت الجلسات بتعديل جبري للنسب قبل أن تجهض الشراكة.

 

2. معضلة الضخ الإضافي للسيولة (Capital Calls):

مرّت عليّ حالة لمنتجع سياحي احتاج لمبلغ طارئ لحماية أصول المطبخ المركزي والمولدات من التلف والسرقة، ولدفع مصاريف إيجار الأرض وقد طالب الشريك التنفيذي بضخ أموال إضافية من الشركاء لإسعاف المنشأة، إلا أن الشركاء المستثمرين رفضوا قطعيا ضخ "أموال جديدة خلف أموال مفقودة" في ظل انعدام الرؤية.

 النزاع هنا حول التمويل الإضافي سارع في استنزاف المتبقي من الأصول. 

عندما يمتنع طرف عن التمويل، يستحيل الاستمرار بشكل ودي، وتصبح التصفية وإشهار التعثر المالي الخيار الوحيد للحد من تراكم الديون.

 

3. صدمة التحول الاستراتيجي (Pivot) واختلاف هوية المنشأة:

في ملف استشاري لمرفق سياحي مشهور، طرح أحد الشركاء فكرة تحويل المطبخ فوراً إلى "تكية مجتمعية" بالتعاقد مع المؤسسات الدولية لتوفير تدفق نقدي سريع، بينما اعترض الشريك الآخر بشدة اعتباراتٍ متعلقة بسمعة المكان والإسم التجاري والحفاظ على الهوية التجارية (Brand Equity)" وقيمة وسمعة المكان مستقبلاً.

الصدام هنا بين منطق "الاستجابة الفورية للبقاء" ومنطق "الحفاظ على قيمة العلامة التجارية" أدخل الشركة في حالة شلل اتخاذ القرار. 

لم نتمكن من الوصول لحل وسط إلا عبر فصل النشاطين وتقاسم المعدات التشغيلية بين الشركاء.

 

4. تصرفات الضرورة والشلل الإداري (Governance Breakdown):

شهدتُ نزاعاً حاداً اتهم فيه أحد الشركاء شريكه بـ "خيانات الأمانة" بسبب قيامه ببيع المولدات الضخمة ومنظومة الطاقة بسعر بخس دون مراجعته.

 بالتحقيق المالي، تبين أن الشريك تصرف تحت وطأة انقطاع الاتصالات وتهديد القصف لتوفير سيولة عاجلة لإخلاء المكان وتأمين أسرته ودفع أجور أمنية طارئة.

عند انقطاع وسائل الاتصالات، تُشاب تصرفات الضرورة بظلال الشكوك وتخرق بند الحوكمة. وإن افتقار العقود لبند مرن يحدد "صلاحيات الطوارئ القصوى" ينسف عنصر الثقة المتبادلة فور عودة التواصل.

 

5. امتداد الذمة المالية وضغوط الموردين:

تراكمت الديون على أحد المرافق الشهيرة لصالح تجار اللحوم والمواد التموينية، إلى جانب متأخرات إيجار العقار. 

ومع انعدام الإيرادات، بدأ الشركاء بتبادل الاتهامات حول المتسبب في عدم تأمين الاحتياطات المادية، وسعى كل طرف للتحلل من الإلتزامات لحماية ذمته المالية الشخصية.

 إن غياب التغطية القانونية الواضحة لمسؤولية الشركاء في حالة "الظروف القاسية force majeure" يجعل الشركاء عرضة للملاحقات القضائية الفردية، مما يدفعهم لفض الشركة للحد من الخسائر الممتدة.

 

6. تعقد تقييم الأصول عند التصفية والدمار الجزئي:

من أصعب القضايا التي باشرتُ التحكيم فيها هي تحديد قيمة السهم لشريك يرغب بالانسحاب من منشأة تعرضت لدمار جزئي بنسبة 50%. 

طالب الشريك المنسحب بحصته بناءً على تقييم ما قبل الكارثة، بينما أصر الشركاء الباقون على أن قيمة المنشأة حالياً بالسالب بسبب التلفيات والديون.

 للاسف تفتقر معظم العقود في غزة لآلية معتمدة لـ "التقييم زمن الكوارث". 

وعدم وجود صيغة للتقييم الديناميكي القائم على القيمة المتبقية أدى إلى نزاعات معقدة لم تُحل إلا عبر تقارير هندسية ومالية متخصصة أعادت قياس الأصول بقيمتها التخريدية والأرضية.

 

إن الخبرة الميدانية في إدارة هذه الأزمات تؤكد أن العقود التقليدية لم تعد صالحة لإدارة استثمارات قطاعات واسعة في ظروف الحرب التي تتسم بعدم اليقين. 

وإن استقرار أي شراكة في المرحلة القادمة يتطلب إعادة صياغة ملحقات العقود لتشمل:

 - آليات حوكمة الطوارئ وصلاحيات الإدارة الميدانية.

 -  قواعد إعادة تقييم الحصص بناءً على مخاطر التشغيل.

 - معايير واضحة للتصفية والانسحاب أثناء الكوارث.

وختاما أدعو الله لجميع منشآتنا الاستثمارية السلامة والتعافي القريب، وأضع هذه الخبرات بين أيدي إداراتها لحماية استثماراتها وحفظ حقوق المستثمرين.