اليوم السبت ٠٣ أكتوبر ٢٠٢٦م

هل يلتهم الذكاء الاصطناعي قطاع الخدمات في غزة؟

اليوم, ٨:٠٨:٠٣ ص
محمد سالم أبو يوسف

بقلم/ د. محمد سالم أبو يوسف- باحث أكاديمي وخبير مالي 

لم تعد التكنولوجيا في عالم اليوم مجرد أداة مساعدة لتحسين الأداء أو تسريع المراسلات، بل أضحت قوة هيكلية تُعيد تشكيل سوق العمل وتُلغي أدواراً وظيفية كاملة.

وفي الوقت الذي يعتقد فيه البعض أن الذكاء الاصطناعي والأتمتة خياران متقدمان محصوران في الاقتصاديات الكبرى، كشفت المتغيرات الاقتصادية الراهنة أن قطاع الخدمات —لا سيما وظائف خدمة العملاء والاستقبال، الدعم الإداري، والعمليات الاستشارية والمالية التنسيقية— بات في طليعة القطاعات المهددة بالإحلال التكنولوجي.

لكن كيف يبدو هذا المشهد عندما يُسقط على بيئة عمل معقدة واستثنائية كقطاع غزة؟

تعاني الشركات والمؤسسات الخدمية والتجارية في غزة من ضغوط اقتصادية غير مسبوقة وتكاليف تشغيلية مرتفعة، إلى جانب صعوبات لوجستية وتحديات في الحركة والتواصل. وفي محاولة للبقاء والاستدامة، تتجه العديد من الشركات والمؤسسات الخدمية والتجارية إلى اعتماد حلول البرمجيات الذكية والأتمتة وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتقليل التكاليف الإدارية، والاستجابة السريعة للعملاء، وضمان استمرار العمليات حتى في أحلك الظروف التشغيلية.

وهنا تبرز الإشكالية المعقدة عند الربط ما بين التكلفة والاستدامة وتدرك إدارة المؤسسات أن الاعتماد على الخوارزميات وأنظمة خدمة العملاء الآلية يقلل من النفقات الأسبوعية والشهرية، لكنه في المقابل يقلص الفرص الوظيفية المتاحة لآلاف الشباب والخريجين الذين يشكل القطاع الخدمي والإداري ملاذهم الأساسي مما يعني تقليص هامش مسئوليتها الاجتماعية بما لذلك من إنعكاسات.

في حين تتمكن الشركات العالمية من إعادة تدريب كوادرها وتوجيههم لنشاطات أكثر تعقيداً، تواجه البيئة الإدارية في غزة شحاً في برامج إعادة التأهيل التكنولوجي والمهني، مما يجعل فقدان الوظيفة الخدمية يعني الخروج شبه الكلي من سوق العمل.

وهنا يثار التساؤل الجوهري هل الإحلال هو الحل الوحيد؟

إن التنمية الإدارية الرشيدة لا تعني الانجراف الكلي خلف الأتمتة على حساب رأس المال البشري، ولا تعني كذلك إنكار التطور التكنولوجي والتمسك بأساليب إدارية تقليدية تزيد من بطء القرار وتكلفة التشغيل.

إن الخيار المستدام للشركات في غزة يتطلب تبني نموذج "التمكين التكاملي" (Augmented Workforce) بدلاً من الإحلال الكامل والذي يمكن ان يقوم على ما يلي:

- تحويل وظائف خدمة العملاء والاستقبال إلى أدوار قيمة مضافة: 

ويمكن من خلال نقل موظفي الدعم والخدمات من مجرد الرد على الاستفسارات الروتينية (التي تقوم بها البرمجيات بفاعلية) إلى إدارة العلاقات مع العملاء، تحليل الاحتياجات، وحل المشكلات التكتيكية والاستثنائية.

 - الاستثمار في المهارات غير القابلة للبرمجة: 

وذلك من خلال التركيز في التطوير الإداري على مهارات التفاوض، التعاطف الإنساني، والتفكير النقدي، وهي مساحات يتعذر على الذكاء الاصطناعي محاكاتها بدقة في بيئة تتطلب حلولاً مرنة ومخصصة.

 - حوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي:

وذلك بوضع أطر داخلية في الشركات تضمن التوازن بين تخفيض النفقات عبر التكنولوجيا وبين الحفاظ على الكفاءات البشرية وتطويرها لتكون جزءاً من حلول الاستجابة للأزمات.

إن معادلة البقاء والمسؤولية في ظل التطور الرقمي والذكاء الاصطناعي ليسا عدواً للشركات في غزة، بل هما وسيلة حتمية لرفع الكفاءة وضمان استمرار الأعمال في بيئة شديدة التقلب. لكن النجاح الحقيقي للقيادات المؤسسية لا يقاس بحجم الوظائف التي تم إلغاؤها لتوفير الموازنات، بل بمدى قدرتها على استغلال هذه التكنولوجيا لرفع كفاءة كادرها البشري، وبناء هيكل إداري مرن يقاوم التحديات ويكفل الاستدامة.