اليوم الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦م

كم استردت فلسطين من أموال الفساد المنهوبة إلى الخارج؟

اليوم, ١١:٠٣:٢١ ص
أرشيفية

رام الله/ الاقتصادية

6,137,225 شيقلا، و4,499,030 دولارا أمريكيا، و2,923,717 دينارا أردنيا، و6,974 يورو، وهو ما يعادل 32.485 مليون شيقل.

ما سبق ليست أرقاما في كشف حساب مصرفي، بل مبالغ قضت محكمة جرائم الفساد بردها إلى الخزينة العامة في قضية فساد واحدة، إلى جانب مصادرة عقارات وأراضٍ وفلل وأرصدة مالية داخل فلسطين، والأردن والإمارات العربية المتحدة، بملايين الشواكل، بعد إدانة رئيس الهيئة العامة للمعابر والحدود السابق نظمي مهنا بجرائم فساد شملت الكسب غير المشروع وغسل الأموال واستغلال الوظيفة العامة بتاريخ 3/2/2026.

لكن، بعيدا عن الحكم، يبرز سؤال أكثر إثارة وأهمية بالنسبة للمال العام الفلسطيني، وهو هل يكفي أن تقضي المحكمة بالمصادرة حتى تعود الأموال إلى الخزينة؟ وماذا يحدث عندما تكون تلك الأموال والعقارات خارج حدود دولة فلسطين؟ خصوصا وأن استرداد الأموال الموجودة في الخارج لا يخضع لإرادة القضاء الفلسطيني وحده، بل يرتبط بشبكة من الاتفاقيات الدولية، والمساعدات القضائية، وإجراءات التعقب والتنفيذ، وتعاون الدول التي توجد فيها تلك الأموال في حال كانت تشريعاتها الوطنية تسمح بذلك وتوفر الإرادة السياسية.

من هنا انطلق هذا التقرير الاستقصائي.. ليس من قضية نظمي مهنا وحدها، بل من أسئلة أوسع: هل نجحت فلسطين يوما في استرداد الأموال المتحصلة من جرائم الفساد والموجودة خارج حدودها؟ وكم عاد فعلا إلى الخزينة العامة من الأموال التي صدرت بشأنها أحكام قضائية؟

وللإجابة عن ذلك، تتبعنا ملف استرداد الأموال المتحصلة من الفساد عبر مقابلات مع مسؤولين في هيئة مكافحة الفساد ووزارة العدل والنيابة العامة، إلى جانب خبراء قانونيين ووثائق رسمية ومصادر مطلعة في المنظومة القضائية رفضت الكشف عن نفسها، لتكشف النتائج عن فجوات كبيرة في واحدة من أكثر قضايا مكافحة الفساد حساسية.

 

 

من هي الجهة الفلسطينية المختصة عن استرداد ومتابعة الأموال المنهوبة؟

أول ما خطر ببالنا هو تحديد الجهة المسؤولة عن استرداد الأموال المتحصلة من جرائم الفساد، حيث راجعنا القانون الفلسطيني المتعلق بذلك، كما راجعنا اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، التي جاء فيها أن استرداد هذه الأموال يُعد مسؤولية تقع على عاتق الدولة الطرف ككل، ولا تُسند إلى مؤسسة واحدة، بل تقوم على منظومة متكاملة من الجهات المختصة والتعاون فيما بينها، بما في ذلك التعاون القضائي والدولي. وفي الحالة الفلسطينية، تتوزع هذه المسؤولية بين عدة مؤسسات، في مقدمتها محكمة جرائم الفساد ونيابة جرائم الفساد ووحدة المتابعة المالية وهيئة مكافحة الفساد ووزارة العدل، ووزارة الخارجية، كلٌّ ضمن اختصاصه.

وبحسب قانون مكافحة الفساد رقم (1) لسنة 2005 وتعديلاته، تتولى هيئة مكافحة الفساد إجراءات التحري وجمع المعلومات والأدلة اللازمة بشأن جرائم الفساد، كما تختص، وفق المادة (9/2)، بملاحقة كل من يخالف أحكام القانون، وطلب حجز أمواله المنقولة وغير المنقولة احتياطياً، وطلب منعه من السفر، والطلب من الجهات المعنية وقفه عن العمل، وفقاً للتشريعات السارية. وفي المقابل، تختص نيابة جرائم الفساد بطلب حجز الأموال المشتبه بارتباطها بالجريمة أمام المحكمة المختصة وفق المادة (24)، بينما يكون رد الأموال المتحصلة من الجريمة بموجب حكم قضائي، استناداً إلى المادتين (25) و(26)، وبناءً على طلب الهيئة. وبعد صدور الحكم، تتولى النيابة العامة تنفيذ الأحكام الجزائية وفق قانون الإجراءات الجزائية. وبذلك، فإن استرداد أموال الفساد في فلسطين ليس إجراءً تقوم به جهة واحدة، وإنما مسار قانوني متكامل يبدأ بالتحري والتعقب المالي والملاحقة، ويمر بالحجز والإجراءات القضائية، وينتهي بالرد والتنفيذ، بمشاركة عدة مؤسسات وطنية، وبحاجة إلى التعاون الدولي عندما تكون الأموال أو عائداتها خارج الولاية القضائية الفلسطينية.

 

ما حجم الأموال المتحصلة من جرائم الفساد في فلسطين؟

لم يكن الوصول إلى رقم واضح لحجم الأموال المتحصلة من جرائم الفساد في فلسطين مهمة سهلة، خلال مراجعتنا للدراسات والتقارير الرسمية، ظهرت فروقات في البيانات المنشورة، حتى بين الوثائق الصادرة عن الجهة نفسها، وغياب واضح في المعلومة حول ما إذا كان الاسترداد من داخل دولة فلسطين أو خارجها.

تقرير هيئة مكافحة الفساد لعام 2019 أظهر أن العائدات الجرمية المستردة بلغت 70.325 دينار و 5.121.231 دولار أمريكي و3.475.827 شيكل إسرائيلي، دون أي توضيح إن كان الاسترداد من داخل حدود دولة فلسطين أو خارجها.

 

 

 

في تقرير هيئة مكافحة الفساد لعام 2020، فإن المبالغ المستردة بقيت على حالها في فئة الدينار والدولار، بينما اختلفت عملة الشيكل بمقدار 231 ألف و700 شيكل إسرائيلي فقط، دون توضيح ما إذا كان هذا الاسترداد من داخل أو خارج حدود دولة فلسطين.

 

 

 

وفي دراسة صادرة عن ذات الهيئة عام 2020 تحت عنوان "مكافحة الفساد تحديات وحلول" جاء فيها أن مجمل المتحصلات الجرمية المحكوم بها من قبل القضاء حتى نهاية 2018 بلغت بعملة الدينار فقط، 86 مليون دينار أردني، فيما بلغت مجمل العائدات الجرمية المحكومة في التقرير السنوي لعام 2020 قرابة 96 ألف دينار، وفي تقرير عام 2019 بلغت نحو 96 ألف دينار، وذلك منذ تأسيس محكمة جرائم الفساد، ما يعكس تناقضا كبيرا في الأرقام الصادرة عن الهيئة.

 

وبعد تتبع التقارير السنوية التابعة للهيئة للأعوام 2021 و2022 و2023 و2024 و2025، فإن جميع هذه التقارير خلت بشكل كامل من أي متحصلات جرمية محكوم بها من قبل القضاء أو حتى قيمة الاسترداد المالي، وكأنها غير موجودة.

 

ماذا ردت الهيئة؟

تواصل معد هذا التقرير الاستقصائي مع رئيس هيئة مكافحة الفساد د. رائد رضوان، فانتدب مستشارته لمكافحة الفساد الخبيرة القانونية رشا عمارنة.

 

"فقدنا القدرة على التحقق"

وكشفت عمارنة أن هيئة مكافحة الفساد أوقفت منذ العام 2020 نشر البيانات السنوية المتعلقة بالأموال المستردة من قضايا الفساد، لعدم امتلاكها للمعلومات الدقيقة التي تعكس الواقع العملي لعمليات الاسترداد، وتمكنها من التحقق في مدى تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في قضايا الفساد.

 

وأكدت عمارنة أن الهيئة لا تمتلك اليوم رقما رسميا لحجم الأموال التي استردت فعليا من قضايا الفساد، كما لا تستطيع تحديد إجمالي قيمة الأموال التي نفذت بشأنها أحكام الاسترداد، مشيرة إلى أن هذه المعلومات يفترض أن تكون متاحة لدى الجهات المسؤولة عن تنفيذ الأحكام مثل النيابة العامة.

 

كما أقرت بوجود حاجة إلى تعزيز التنسيق ومأسسته بين الجهات المعنية بملف الاسترداد، مشددة على ضرورة وجود نظام موحد لتبادل المعلومات وتتبع الأموال منذ صدور الأحكام القضائية وحتى تنفيذها فعليا، بما يضمن توفير بيانات دقيقة للرأي العام ويعزز الشفافية والمساءلة.

 

ويشار الى أن تأكيد الهيئة عدم امتلاكها بيانات دقيقة حول الأموال المستردة، لا يجيب عن جوهر السؤال المتعلق بدورها في تعقب واسترداد أموال الفساد. لأن البند الثالث المنشور ضمن صلاحيات الهيئة على موقعها الرسمي ينص صراحة على الآتي: "تعقب وضبط وحجز واسترداد الأموال والعائدات المتحصلة من جرائم الفساد بالتنسيق مع الجهات المختصة". وبالتالي، فإن غياب نظام أو آلية تمكّن الهيئة من متابعة مصير الأموال التي باشرت إجراءات تعقبها أو استردادها، وصولا إلى معرفة ما إذا جرى استردادها فعليا، يظل مسألة شائكة تحتاج إلى تفسير.

 

 

 

 

 

 

دعوة لقانون خاص بالتعاون القضائي الدولي

وفيما يتعلق بالإطار القانوني، شددت عمارنة على أن فلسطين ما زالت تفتقر إلى قانون متكامل ينظم التعاون القضائي الدولي في المسائل الجزائية، معتبرة أن هذا النقص التشريعي ينعكس مباشرة على كفاءة ملاحقة الأموال المنهوبة خارج فلسطين واستعادتها.

وقالت إن الإطار القانوني القائم حاليا يعتمد على بعض النصوص الواردة في قانون مكافحة غسل الأموال، واتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي، إلا أن ذلك لا يشكل منظومة قانونية متكاملة قادرة على التعامل مع التعقيدات المتزايدة في ملفات استرداد الأموال عبر الحدود.

وأضافت أن "هناك حاجة إلى تشريع خاص يحدد الأدوار والصلاحيات وآليات تبادل المعلومات، وطلبات المساعدة القانونية المتبادلة، بما يسهم في تسريع إجراءات التتبع والحجز والمصادرة والاسترداد".

كما دعت إلى توقيع اتفاقيات المساعدة القانونية الثنائية مع الدول الأخرى، مؤكدة أن زيادة عدد اتفاقيات التعاون القضائي من شأنها تسهيل استعادة الأموال والأصول المرتبطة بقضايا الفساد.

 

 

الاسترداد الحلقة الأصعب

وأوضحت عمارنة أن استرداد الأموال يمثل الحلقة الأكثر تعقيدًا في منظومة مكافحة الفساد، مبينة أن العملية تمر بأربع مراحل أساسية هي: التتبع، والحجز، والمصادرة، ثم الاسترداد.

 

وأكدت أن الهيئة تبدأ بتتبع الأموال منذ مرحلة التحري والاستدلال، من خلال متابعة الحسابات البنكية والعقارات والأسهم والشركات والأموال المنقولة وغير المنقولة، بالتعاون مع النيابة العامة والقضاء ووحدة المتابعة المالية، لكن التنسيق بين هذه الجهات وخصوصا في قضية استرداد الأموال المتحصلة من الفساد يحتاج الى جهد أكبر.

 

 

غياب نظام وطني في فلسطين لتتبع الأموال..

وأكدت عمارنة على ضرورة "إنشاء نظام وطني متكامل لتتبع الأموال المحكوم باستردادها وربط بيانات الأحكام القضائية ببيانات التنفيذ الفعلي، بما يضمن توفير معلومات دقيقة للرأي العام وتعزيز ثقة المواطنين بجهود مكافحة الفساد واسترداد المال العام".

 

الحسابات البنكية الأكثر استخداما لتهريب الأموال..

وفي معرض حديثها عن أساليب إخفاء الأموال المتحصلة من جرائم الفساد، وصعوبة تتبعها وخصوصا على المستوى الدولي، أوضحت عمارنة أن الحسابات البنكية تعد من أكثر الوسائل استخداما في تتبع حركة الأموال المرتبطة بالفساد، تليها العقارات التي غالبا ما تُستخدم كأداة لتبييض الأموال وإخفاء مصدرها الحقيقي، ثم الأسهم والاستثمارات المالية. وأشارت إلى أن المتحصلات الجرمية لا تبقى بالضرورة على شكل أموال نقدية، بل يجري تحويلها إلى أصول وممتلكات مختلفة بهدف تمويه مصدرها وإضفاء صفة قانونية عليها.

 

وأضافت أن بعض القضايا تكشف عن استخدام شركات، سواء كانت حقيقية أو وهمية، داخل فلسطين أو خارجها، كوسيلة لإخفاء الأموال وتحريكها بين حسابات وجهات متعددة، بما يصعّب عملية تتبعها وربطها بالجريمة الأصلية. كما لفتت إلى أن عمليات غسل الأموال قد تتم عبر عقود استشارية أو تجارية صورية، أو من خلال تأسيس شركات في الخارج تُستخدم كغطاء لتحويل الأموال ودمجها في أنشطة تبدو مشروعة، قبل إعادة ضخها في النظام المالي بصورة يصعب اكتشاف مصدرها غير القانوني.

 

"المكان الصحيح: النيابة العامة"

بعد انتهاء المقابلة تواصل معد التقرير أكثر من مرة مع هيئة مكافحة الفساد طلبا لأي رقم متوفر حول مجمل الأموال المستردة من جرائم الفساد على المستوى المحلي والدولي، فردت الهيئة بشكل واضح: المبالغ المتحصلة من الفساد يتم إحالتها عبر حساب خاص الى الخزينة العامة وتصبح سراً من أسرار التحقيق، والمكان الصحيح لمعرفة هذه المعلومة هي: النيابة العامة.

 

ويوضح معد هذا التقرير أن السؤال لم يكن عن تفاصيل قضايا فساد ما زالت منظورة أمام جهات التحقيق، ولا عن أسماء المتهمين أو مسار التحقيقات، وإنما عن إجمالي الأموال التي جرى استردادها من جرائم الفساد، وهي معلومة مالية إجمالية يفترض أن تكون متاحة للجمهور، وهو ما يدعو للتساؤل: كيف يمكن للجمهور تقييم نتائج جهود مكافحة الفساد واسترداد الأموال إذا كانت إحدى الجهات المختصة في هذا الملف لا تنشر حصيلة ما تم استرداده؟

 

 

 

مهنّا.. ليس حالة وحيدة

خلال تتبعنا لملفات الفساد التي صدرت فيها أحكام مالية كبيرة، رصدنا عدداً من القضايا التي طالت مسؤولين وشخصيات بارزة، كان من أبرزها قضية المستشار الاقتصادي السابق للرئيس الراحل ياسر عرفات، محمد رشيد. ففي عام 2012، أصدرت محكمة جرائم الفساد حكماً غيابياً بسجنه 15 عاماً وتغريمه 15 مليون دولار، كما ألزمت المدانين في القضية برد نحو 34 مليون دولار من الأموال المختلسة، إلى جانب مصادرة أموال وممتلكات وأسهم وعقارات.

كما رصدنا قضية أخرى طالت مدير عام الأمن الداخلي الأسبق ورئيس جهاز الأمن الوقائي السابق في غزة، رشيد أبو شباك، الذي أصدرت بحقه محكمة جرائم الفساد، نهاية عام 2013، حكماً غيابياً بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة 15 عاماً، بعد إدانته بالاختلاس الجنائي والكسب غير المشروع، مع تغريمه 930,496 دولاراً أمريكياً، وهي قيمة الأموال المختلسة وفق الحكم.

وفي قضية ثالثة، أصدرت محكمة مكافحة جرائم الفساد في رام الله يوم الأربعاء 14 كانون الأول عام 2016 حكماً غيابياً بالسجن لمدة 3 سنوات ضد محمد دحلان (القيادي المفصول من حركة فتح)، مع إلزامه برّد مبلغ مختلس وفق القرار يزيد عن 16 مليون دولار أمريكي وغرامة مالية بنفس القيمة، وذلك على خلفية اتهامه باختلاس أموال أثناء توليه منصب منسق الشؤون الأمنية للرئاسة الفلسطينية.

 

وزارة العدل تكشف: عقبات قانونية وسياسية تجعل الأموال والمطلوبين خارج متناول القضاء الفلسطيني..

- غياب الاتفاقيات الثنائية المشكلة الأبرز

 

ورغم مرور سنوات على انضمام فلسطين إلى الاتفاقيات الدولية والإقليمية الخاصة بمكافحة الفساد والتعاون القضائي، ما تزال استعادة الأموال المتحصلة من جرائم الفساد واحدة من أكثر الملفات تعقيداً وغموضاً. فبينما تتحدث الجهات الرسمية عن جهود متواصلة لتعقب المطلوبين والأموال المهربة خارج البلاد؛ تكشف بيانات وزارة العدل التي اطلع عليها معد هذا التقرير بطريقة رسمية، أنها لم ترسل أي طلب لاسترداد أموال متحصلة من الفساد خلال عام 2025، فيما اقتصر الأمر خلال النصف الأول من عام 2026 على طلب واحد فقط، دون الإفصاح عن تفاصيله. 

معلومات الوزارة تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: أين ذهبت الأموال المتحصلة من قضايا الفساد؟ ولماذا تبدو عملية استعادتها بالغة الصعوبة والتعقيد؟ وما حجم المبالغ المطلوب استردادها أصلا؟

 

30 طلباً لتسليم مطلوبين.. وصفر طلبات لاسترداد الأموال!

وبحسب المعلومات التي حصلنا عليها من وزارة العدل، أرسلت الوزارة خلال عام 2025 نحو 30 طلبا لتسليم مطلوبين فارّين من العدالة للقضاء الفلسطيني على خلفية قضايا متنوعة، إلا أنها لم ترسل أي طلب لاسترداد أموال متحصلة من الفساد خلال العام نفسه.

أما خلال النصف الأول من عام 2026، فقد أرسلت الوزارة طلبا واحدا فقط لاسترداد أموال متحصلة من الفساد، ورفضت الكشف عن هوية الشخص أو الدولة المعنية بحجة سرية الإجراءات القضائية.

وتشير المعلومات ذاتها إلى أن الوزارة لا تمتلك قاعدة بيانات توضح إجمالي الأموال الناتجة عن جرائم الفساد أو قيمة المبالغ المطلوب استردادها.

ويشار إلى أن وزارة العدل، كما أكدت لنا، ليست الجهة التي تبادر بطلبات استرداد الأموال أو تتولى التحقيق في قضايا الفساد، وإنما تضطلع بدور السلطة المركزية في مجال التعاون القضائي الدولي؛ إذ تستقبل طلبات المساعدة القانونية الواردة من الجهات المختصة، وعلى رأسها النيابة العامة، وتحيلها إلى الدول المعنية عبر القنوات الرسمية، كما تستقبل الطلبات الواردة من الدول الأخرى وتحيلها إلى الجهات الفلسطينية المختصة.

ويأتي ذلك باعتبار وزارة العدل السلطة المركزية لفلسطين، بما ينسجم مع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، ولا سيما الأحكام المتعلقة بالتعاون الدولي واسترداد الموجودات، وكذلك مع أحكام الفصل السابع من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الفلسطيني.

 

 

 

ازدواجية الجنسية.. ملاذ آمن للمطلوبين

وكيل وزارة العدل أحمد ذبالح، يضع ازدواجية الجنسية في مقدمة العقبات التي تعرقل تسليم المطلوبين واسترداد الأموال.

ويقول ذبالح إن "العديد من الدول ترفض تسليم مواطنيها المطلوبين للقضاء الفلسطيني، وتطلب بدلاً من ذلك تحويل الملفات إليها لمحاكمتهم محليا، مضيفا أن فلسطين تكون مطالبة خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز 30 يوماً بتزويد تلك الدول بالأدلة والوثائق اللازمة، وإلا فإن القضية قد تنتهي بالبراءة أو الإغلاق".

 

ويضيف أن "بعض الدول تفضل محاكمة المتهمين لديها بدلا من تسليمهم وقد صدرت في السابق أحكام بالبراءة بحق متهمين رغم وجود ملفات وأدلة فلسطينية تشير إلى تورطهم في قضايا فساد وجرائم مالية"، رافضا إعطاء أمثلة عن أسماء هذه الدول أو أمثلة على هذه القضايا.

 

اتفاقيات غائبة.. وأخرى لا تُنفذ

ويكشف ذبالح أن غياب الاتفاقيات الثنائية للتعاون القضائي يشكل عقبة رئيسية أمام جهود الاسترداد، موضحاً أن "العديد من الدول تشترط وجود اتفاقيات مباشرة لتسليم المطلوبين أو استرداد الأموال"، رغم أن الحكومة ووزارة العدل هي الجهة المسؤولة عن عقد هذه الاتفاقيات!

 

ويشير إلى أن وزارة العدل بدأت مؤخراً إجراءات لإبرام اتفاقيات ثنائية مع الأردن ولبنان ومصر، بهدف تسهيل عمليات التسليم والاسترداد.

 

لكن المشكلة لا تتوقف عند غياب الاتفاقيات، فحتى في الحالات التي تكون فيها فلسطين طرفاً في اتفاقيات إقليمية مثل اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي، فإن بعض الدول، كما أكد ذبالح، تواصل المماطلة عبر طلب وثائق إضافية للملف الذي قدمته فلسطين مسبقا، أو تأخير البت في الملفات لفترات طويلة، داعيا "دول" لم يسمها الى التعامل مع فلسطين بجدية أكبر في هذا الملف الهام. 

 

وزارة العدل: تأخرنا في إبرام الاتفاقيات الثنائية وركّزنا على الأطر العربية والدولية

وفي ردّه على أسباب تأخر إبرام اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية على مدار أكثر من ثلاثين عاما ماضيا، أقرّ ذبالح بأن هذا المسار تأخر، حيث قال: "تأخرنا، كان تركيزنا وعملنا السابق من خلال اتفاقية الرياض والاتفاقيات العربية والدولية لمكافحة الفساد التي نحن جزء منها، لكن بعض الدول العربية لم تساعدنا في هذا الأمر، وكانت تتذرع بغياب الاتفاقيات الثنائية.

وأضاف أن مستوى التعاون القضائي القائم لم يكن بالمستوى المطلوب، مشيراً إلى أن اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي تتضمن أحكاماً تتعلق بالتعاون القضائي وتسليم المجرمين والأصول، إلى جانب اتفاقيات أخرى في إطار جامعة الدول العربية، فضلاً عن الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

وأوضح ذبالح أن الوزارة كانت تنطلق في السابق من وجود هذه الأطر الجماعية العربية والدولية باعتبارها أساساً للتعاون، إلا أن التجربة العملية أظهرت أن مستوى التعاون لم يكن كافياً، الأمر الذي دفع الوزارة إلى البدء بمسار الاتفاقيات الثنائية مع عدد من الدول مؤخرا.

 

 

توصيات لم تنفذ منذ 14 عاما!

اللافت أن إبرام اتفاقيات المساعدة القانونية المتبادلة والتعاون القضائي بين فلسطين والدول الأخرى، ولا سيما الدول المجاورة، كان من بين التوصيات والأهداف التي تضمنتها الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد للأعوام 2012–2014، قبل أن تتكرر التوصية ذاتها في الاستراتيجيات الوطنية اللاحقة الصادرة عن هيئة مكافحة الفساد، من دون أن يتحول هذا الهدف إلى اتفاقيات قائمة حتى تاريخ إعداد هذا التقرير. وهنا تبرز أسئلة تتجاوز مجرد غياب الاتفاقيات: هل تحولت الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الفساد إلى وثائق تُكتب وتُحدّث، من دون تنفيذ فعلي لأهدافها؟ لماذا تكرر الهدف نفسه على مدار سنوات طويلة دون أن يتحقق؟ من الجهة المسؤولة عن تحويل هذه التوصيات إلى إجراءات واتفاقيات نافذة؟ وما الذي حال دون إنجازها طوال هذه المدة؟ وهل وُضعت مؤشرات زمنية واضحة لقياس تنفيذ هذه الأهداف ومحاسبة الجهات المسؤولة عن عدم تحقيقها؟ والأهم، كم من الأموال التي كان يمكن تتبعها أو تجميدها أو استردادها لو جرى تنفيذ هذه التوصيات في وقتها؟

 

لا يبدو السؤال اليوم: هل تحتاج فلسطين إلى اتفاقيات تعاون قضائي ثنائية لاسترداد أموالها المنهوبة؟

فالإجابة باتت واضحة، وقد أكدت ذلك وزارة العدل والنيابة العامة وهيئة مكافحة الفساد نفسها.

 

السؤال الحقيقي هو: ماذا ننتظر؟

أكثر من ثلاثة عقود تقريبا مرت على قيام السلطة الفلسطينية، وأكثر من عقد مضى منذ أن أصبحت اتفاقيات التعاون القضائي واسترداد الأموال توصية رسمية متكررة في الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة الفساد، فيما ما تزال الاتفاقيات الثنائية التي يُقر المسؤولون أنفسهم بأهميتها غائبة أو في طور الإجراءات.

 

خلال هذه السنوات، صدرت أحكام قضائية، وتراكمت ملفات، وغادرت أموال إلى الخارج، وبقي جزء منها خارج متناول القضاء الفلسطيني. وفي المقابل، لا تزال المؤسسات الفلسطينية تتحدث عن الحاجة إلى التعاون الدولي، وعن صعوبة اختلاف القوانين، وبطء الاستجابة، وغياب الاتفاقيات الثنائية.

 

لكن الوقت في قضايا الأموال المنهوبة ليس محايدا، فكل يوم تأخير قد يعني انتقال المال من حساب إلى آخر، ومن شركة إلى أخرى، ومن عقار إلى واجهة قانونية جديدة، بما يجعل استرداده أكثر تعقيدا.

 

صحيح أن الاتفاقيات الثنائية ليست وحدها الحل، وأن استرداد الأموال عملية قانونية معقدة تتطلب أحكاما وأدلة وتتبعا ماليا وتعاونا مؤسسيا وإرادة سياسية، لكن غياب الأطر القانونية الواضحة مع الدول التي توجد فيها الأموال يترك ثغرة لا يجوز أن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية.

 

لذلك، فإن المطلوب الآن ليس توصية جديدة تُضاف إلى الاستراتيجيات، ولا وعدا جديدا ببدء الإجراءات، بل جدول زمني واضح، وأولويات معلنة، ومسار تفاوضي سريع لإبرام اتفاقيات التعاون القضائي والمساعدة القانونية المتبادلة، خصوصا مع الدول التي ترتبط بها ملفات وأصول وأموال محل ملاحقة.