غزة/ الاقتصادية
يواجه اقتصاد قطاع غزة واحدة من أعمق أزماته خلال العقود الأخيرة، بعدما انتقل خلال ثلاث سنوات من حرب متواصلة من اقتصاد يعاني أصلًا تداعيات الحصار والبطالة وضعف الإنتاج، إلى اقتصاد فقد جزءًا كبيرًا من قدرته على الإنتاج والتشغيل وتوليد الدخل.
وقبل اندلاع الحرب، كان الاقتصاد الغزي يعمل ضمن قيود شديدة، لكنه كان يحتفظ بسوق ومنشآت وقطاعات إنتاجية توفر فرص العمل والدخل لآلاف الأسر.
وتشير بيانات اقتصادية إلى أن التجارة كانت تمثل نحو 56% من المنشآت الاقتصادية، ويعمل فيها نحو 45.5% من العاملين، فيما بلغت البطالة نحو 45% خلال الربع الثالث من عام 2023، وتجاوزت معدلات الفقر 63%.
لكن سنوات الحرب غيّرت طبيعة المشهد الاقتصادي بصورة واسعة، إذ تعرض نحو 92% من المنشآت الاقتصادية في القطاع للدمار أو الأضرار، بالتزامن مع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 83% خلال عام 2024.
وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى نحو 212 دولارًا خلال عام 2025، بما يعادل قرابة 58 سنتًا يوميًا، وبنحو 17% فقط من مستواه المسجل عام 2022، في مؤشر يعكس حجم التراجع في النشاط الاقتصادي ومستويات الدخل.
ولم يكن سوق العمل بمنأى عن الانهيار، إذ ارتفعت البطالة من نحو 45% قبل الحرب إلى قرابة 80% خلال عام 2026، مع تراجع حاد في القطاعات الإنتاجية الرئيسية.
وبحسب المعطيات الاقتصادية، انخفض الإنتاج الزراعي والصناعي بنحو 94% لكل منهما مقارنة بمستويات عام 2022، فيما تراجع نشاط قطاع الإنشاءات بنحو 99%، وهو ما أدى إلى تقلص واسع في فرص العمل ومصادر الدخل.
ولا يقتصر أثر ذلك على أصحاب المنشآت والعمال، بل يمتد إلى الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو اضطرت إلى تقليص إنفاقها على الاحتياجات الأساسية في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه القدرة على الإنتاج والدخل، شهدت الأسواق ارتفاعًا حادًا في الأسعار. ففي سبتمبر/أيلول 2026، وصلت الأسعار إلى مستويات أعلى بنحو 207% مقارنة بما كانت عليه قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتزامن ذلك مع انكماش كبير في الاستهلاك، إذ تراجع إجمالي الاستهلاك في غزة بنسبة 81% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2023، في انعكاس مباشر لتراجع الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة وتقلص القدرة الشرائية للسكان.
وتظهر تداعيات الانهيار الاقتصادي بصورة أكثر وضوحًا في الأمن الغذائي، إذ واجه أكثر من 1.2 مليون شخص، أي نحو 59% من سكان قطاع غزة، مستويات من الأزمة أو أسوأ خلال الفترة بين أبريل/نيسان ويونيو/حزيران 2026.
وتشير التقديرات إلى احتمال ارتفاع العدد إلى أكثر من 1.4 مليون شخص، أي نحو 67% من السكان، حتى نهاية العام الجاري، ما يعكس ارتباط الأزمة الاقتصادية بصورة مباشرة بقدرة الأسر على الوصول إلى الغذاء والاحتياجات الأساسية.
ويشير المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر إلى أن المقارنة بين اقتصاد غزة قبل الحرب وبعد ثلاث سنوات لا تعكس مجرد انخفاض في الناتج المحلي أو ارتفاعًا في معدلات البطالة، وإنما تكشف تحولًا أعمق في طبيعة الاقتصاد نفسه.
وفق أبو قمر، كانت تمتلك غزة قبل الحرب اقتصادًا يعمل رغم الحصار والقيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع، فيما أدت الحرب إلى فقدان جزء كبير من المنشآت والقطاعات الإنتاجية وأدوات توليد الدخل وفرص العمل.
وبذلك، لم تعد الأزمة الاقتصادية في غزة مرتبطة فقط بتراجع النشاط التجاري أو الإنتاج، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة الاقتصاد نفسه على إعادة إنتاج فرص العمل والدخل، في ظل حجم الدمار الذي طال بنيته الإنتاجية وارتفاع الأسعار وتراجع الاستهلاك واتساع الاحتياجات الإنسانية.
وبعد ثلاث سنوات من الحرب، تبدو الفجوة بين اقتصاد غزة قبل الحرب واقتصادها الحالي أكبر من مجرد أرقام للنمو والانكماش، إذ انتقل القطاع من اقتصاد محدود الموارد يعمل تحت الحصار إلى اقتصاد فقد جزءًا كبيرًا من مقومات تشغيله وإنتاجه، فيما تواجه الأسر تبعات ذلك في صورة بطالة وفقدان للدخل وارتفاع في تكاليف المعيشة وتفاقم في انعدام الأمن الغذائي.

