اليوم السبت ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦م

الحرب مسحت اقتصاد غزة.. من أصحاب ورش إلى باعة متجولين

اليوم, ٩:٥٥:٢٥ ص
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

لم تتوقف التأثيرات الكارثية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، والذي دخل عامه الرابع، على استشهاد وإصابة نحو ربع مليون فلسطيني، وفقدان ما يزيد عن مليون ونصف فلسطيني بيوتهم، وإنما وصلت إلى التأثير المباشر على أماكن عملهم وحرفهم ومهنهم ومصادر دخلهم الأساسية.

ويتزامن ذلك مع أوضاع اقتصادية متردية يعيشها الغزيون نتيجة تضاعف نسب الفقر والبطالة، بعد فقدان مصادر رزقهم بفعل النزوح أو تدمير أماكن عملهم. ذلك الحرمان جاء أيضاً بالتزامن مع تواصل عمليات النزوح من منطقة إلى أخرى، في ظل الغلاء الشديد في أسعار وسائل النقل، والغلاء في أسعار المواد الغذائية، الأمر الذي استنزف الأسر التي تعاني أساساً من أوضاع اقتصادية متردية، خاصة مع الشحّ الكبير في المساعدات الإنسانية التي بات يعتمد عليها نحو 95% من الفلسطينيين "وفقاً لتقارير مؤسسات محلية ودولية".

وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، انقلبت حياة أصحاب المهن الصغيرة من حرفيين وعمال مياومة، وأصحاب مصالح تجارية وحرفية صغيرة رأساً على عقب، إذ كانوا يعتمدون على دخلهم اليومي المحدود في توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم، التي باتت تعاني مؤخراً من تحديات مزدوجة بفعل الفقر وفقدان مصدر الدخل، إلى جانب النزوح والقلق الدائم من الأيام المقبلة.

ودفعت هذه الحالة عدداً كبيراً من أصحاب المهن الثابتة، مثل ورش الحدادة أو النجارة، أو عمّال البناء والإنشاءات، أو عمال المطاعم والقطاع السياحي الذي دُمّر نحو 93% من منشآته، إلى العمل في مهن أقل دخلاً، مثل بيع الخضراوات والحلوى والمرطبات على مفترقات الطرق، أو مساعدة السائقين في الحصول على ركاب، أو فتح أكشاك صغيرة لبيع المشروبات الساخنة.

ويوضح الخبير الاقتصادي محمد صافي أن اقتصاد القطاع منذ بدء الحرب شهد تحوّلاً كبيراً، بعد أن حرمت القطاعات الاقتصادية من خلق فرص عمل جديدة، أو حتى توفير فرص عمل ومصادر دخل لما يزيد عن 74% من العمّال الذين فقدوا عملهم بسبب الحرب.

ويبيّن صافي لـ"العربي الجديد" أنّ ذلك العجز ناتج عن تدمير الاحتلال الإسرائيلي مختلف القطاعات الاقتصادية، إذ دُمّرت المنشآت الاقتصادية والأسواق، والمحال التجارية والمصانع، وهو الأمر الذي أثّر كذلك في أصحاب الحرف الصغيرة، والتي كانت تعمل ضمن العجلة الاقتصادية التي دُمّر أكثر من 90% منها منذ الأشهر الأولى للحرب. ويشير إلى أن ذلك الواقع أنتج أزماتٍ مركبةً أمام أصحاب المهن المفقودة، خاصة في ظل تدهور الأوضاع الأمنية والمعيشية والمادية، ما بات يدفعهم إلى العمل في مهن هامشية لا يمكنها أن تساعدهم على توفير احتياجاتهم الأساسية، إلى جانب أنها غير مضمومة أو ثابتة.

ويبيّن صافي أن المساعدات الإنسانية، رغم أهميتها واعتماد نحو 95% من السكان عليها، فإنّها غير قادرة على حل الأزمة، مرجعاً ذلك إلى أسبابٍ عدّة، ومنها شح تلك المساعدات، إلى جانب أنها لا توفّر المشاريع التنموية، والتي من شأنها توفير دخل ثابت يضمن الحياة الكريمة والمستقرّة للفلسطينيين. وفي السياق، يقول الفلسطيني أحمد أبو سعدة (38 عاماً)، وهو صاحب ورشة لقصّ المفاتيح، إن خسارته لم تقتصر على فقدان الورشة التي دُمّرت بعد قصف الاحتلال الإسرائيلي منزل عائلته المكوّن من ثلاثة طوابق في حي الزيتون جنوبي مدينة غزة، وإنما في السنوات التي قضاها في العمل وبناء الخبرة والزبائن والسمعة الجيدة.

ويبين أبو سعدة لـ"العربي الجديد" أنه اضطر للنزوح برفقة أسرته المكونة من خمسة أفراد إلى المحافظات الوسطى ومن ثم إلى جنوبي القطاع، الأمر الذي استنزف مدخراته البسيطة التي كان يجمعها لتطوير عمله، لافتاً إلى أن فقدان المال أجبره على العمل في مهن صغيرة وغير مستقرة لتوفير مصدر دخل يمكنه من توفير احتياجات أسرته.

ويشير أبو سعدة إلى أن عدم استقراره في عمل منذ خسارته مهنته الأساسية أصبح يشكّل له مصدر قلق دائماً، خاصة في ظل تواصل حياة النزوح، وارتفاع الأسعار، وزيادة متطلبات أسرته، وخاصة مع بدء الدراسة الوجاهية لاثنين من أبنائه، مبيناً أنه يحاول الضغط على نفسه قدر المستطاع لتوفير احتياجاتهم الأساسية. ومنذ بدء العدوان الإسرائيلي استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية مختلف مكوّنات الاقتصاد الفلسطيني، بدءاً بقصف المصانع والورش والشركات والأسواق والمنشآت التجارية والبنايات السكنية التي تضم المكاتب الهندسية والمطاعم ومختلف أنواع المهن، علاوة على تدمير القطاع الزراعي وقطاع الصيد، الأمر الذي تسبّب بحرمان مئات آلاف الأشخاص مصادر دخلهم الأساسية.

ولم يختلف الوضع كثيراً لدى أصحاب المحال التجارية والبسطات والمطاعم التي تعرّضت للقصف أو للحرق أو للتدمير الجزئي والنهب، إذ اضطرّ بعضهم إلى العمل في مهن بسيطة لإعالة أسرهم، خاصة في ظل عدم قدرتهم على إعادة فتح محالهم التجارية بسبب عدم توفر الإمكانات. من ناحيته، يبيّن الفلسطيني سعيد زهد (44 عاماً)، وهو صاحب محل لبيع الأدوات المنزلية ومواد التنظيف، أن الحرب تسببت في تدمير عمله الذي استمرّ لنحو 15 عاماً، بعد أن تعرض سوق الشجاعية الشعبي شرقي المدينة للتدمير والتجريف الكامل.

ويشير زهد لـ"العربي الجديد" إلى أنّ محله، رغم تواضعه، كان يوفّر مصدر دخل شبه ثابت له ولاثنين من العمال، مبيناً أن الأزمة لم تتوقّف عند خسارته رأس ماله وتجارته ومصدر رزقه فحسب، بل تفاقمت بعد أن اضطر للنزوح أكثر من مرة، في ظل ظروف أمنية ونفسية واقتصادية غاية في السوء. ويعمل زهد حالياً في نقل البضائع، ومساعدة الباعة في الأسواق مقابل أجر يومي محدود لا يلبّي احتياجات أسرته، إلى جانب أنه غير منتظم، وهو الأمر الذي يشعره بالقلق المتواصل، ويقول "في اليوم الذي لا أعمل فيه، قد لا أجد طعاماً لأطفالي".

وتبدو أزمة المهن الصغيرة في قطاع غزة بعد مرور ثلاثة أعوام على بدء الحرب أكثر حدة وتأثيراً في الواقع الاقتصادي المتهالك أصلاً، إذ انحصرت نسبة المجالات المفتوحة في العمل، والتي كانت توفر مصادر دخل شبه ثابت للأسر، في الوقت الذي يعجز فيه أرباب تلك الحرف عن إعادة افتتاحها مجدداً. ويبين العامل في مجال الإنشاءات سعيد أبو مرسة (43 عاماً) أن السنوات الثلاث الماضية هي الأقسى والأكثر إرهاقاً، مضيفاً "على الرغم من أنني كنت أعمل في مهنة متعبة للغاية، فإنها كانت أفضل من حالة التشتت والضياع التي نعيشها الآن". 

ويلفت أبو مرسة لـ"العربي الجديد" إلى أنه اعتاد على العمل في بناء وتشييد المنازل منذ ما يزيد عن عشر سنوات، مضيفاً "تعرضنا خلال تلك السنوات إلى أزمات عديدة، بسبب تذبذب فتح المعابر وإغلاقها، وتوفر المواد الخام، وجولات التصعيد المتكررة، إلا أن هذه الحرب تعتبر الأصعب والأشد قسوة وتأثيراً". ويشير إلى أنه فقد مصدر دخله في الأيام الأولى للحرب بسبب توقف العمل نتيجة خطورة الأوضاع الميدانية، إلا أن أمله في العودة للعمل انتهى كلياً بعد تدمير الاحتلال الإسرائيلي المعدات الخاصة بالشركة التي كان يعمل معها، وهو ما دفعه إلى العمل في مهن صغيرة ومختلفة لتوفير احتياجات أسرته الأساسية.