اليوم الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦م

النمو السكاني للحريديم يهدد اقتصاد إسرائيل

اليوم, ١:١٥:١٦ م
الحريديم

وكالات/ الاقتصادية

حذّرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية من أن إسرائيل تتجه نحو تحوّل ديمغرافي غير مسبوق، قد تترتب عليه تداعيات اقتصادية واسعة النطاق، تصل إلى حد تسجيل عجز هائل في الموازنة العامة، بما قد يدفع الدولة إلى وضع يشبه "الإعسار المالي"، أي العجز عن الوفاء بالالتزامات المالية وسداد الديون في مواعيدها. وأوضحت الصحيفة، في تقرير نشرته اليوم الخميس، أن التوقعات الاقتصادية الرسمية المستندة إلى المعطيات الديمغرافية ستظل قائمة ما لم يطرأ تغيير جوهري على السياسات المتعلقة بالمجتمع اليهودي الحريدي (المتشدد دينياً)، ولا سيما في مجالات التعليم والعمل والتجنيد العسكري.

 

الحريديم سيشكلون نحو ثلث سكان "إسرائيل" عام 2065

وأشارت الصحيفة إلى أنه بعد أربع سنوات فقط، سيتجاوز عدد التلاميذ الحريديم في الصف الأول الابتدائي عدد نظرائهم في جهاز التعليم الحكومي العربي، فيما قد تشهد "إسرائيل"، خلال أقل من أربعة عقود، وصول رئيس حكومة من الحريديم إلى السلطة، في ظل توقعات بأن يصبح نحو واحد من كل ثلاثة إسرائيليين من هذه الفئة. وبحسب بيانات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، بلغ عدد الحريديم في "إسرائيل" نهاية عام 2025 نحو مليون و452 ألفاً و350 شخصاً، أي ما يعادل 14.3% من إجمالي السكان، ما يعني أن واحداً من كل سبعة إسرائيليين ينتمي حالياً إلى المجتمع الحريدي.

وتشير التوقعات إلى ارتفاع نسبتهم إلى نحو 16% بحلول عام 2030. ووفق دراسة أعدها الباحثان غلعاد ملاخ ولي كاهنر، سيبلغ عدد الحريديم دون سن العشرين نحو مليون شخص في ذلك العام، ليشكلوا 25% من إجمالي السكان في هذه الفئة العمرية. وبحلول عام 2043، يُتوقع أن يتجاوز عدد الحريديم عدد السكان العرب في "إسرائيل"، الذين يشكلون نحو 21% من إجمالي السكان. وفي عام 2045، سترتفع نسبتهم إلى نحو 22% من مجموع السكان، و28% من السكان اليهود، قبل أن تصل عام 2065 إلى 32% من إجمالي السكان و40% من اليهود.

وعزت الصحيفة هذا التحول إلى معدلات الإنجاب المرتفعة في المجتمع الحريدي مقارنة باليهود غير الحريديم والعرب. ووفق تقرير صادر عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية عام 2017، قُدّر معدل الإنجاب المتوقع عام 2030 بنحو 6.5 أطفال للمرأة الحريدية، مقابل 2.7 طفل للمرأة في أوساط اليهود وغيرهم من غير الحريديم والعرب. أما بحلول عام 2060، فتوقعت الدائرة انخفاض معدلات الإنجاب لدى جميع الفئات السكانية، لكنها ستظل مرتفعة لدى الحريديم عند 5.4 أطفال للمرأة، مقارنة بما بين 2.3 و2.4 طفل لدى الفئات الأخرى. ولفت التقرير إلى أن أكثر من ربع المواليد في "إسرائيل" سنوياً ينتمون بالفعل إلى المجتمع الحريدي.

وبحسب توقعات دائرة الإحصاء، سيتراوح عدد الحريديم عام 2040 بين 2.3 ملايين وثلاثة ملايين نسمة، من أصل تعداد سكاني إجمالي يتراوح بين 12.3 مليوناً و14.2 مليون نسمة، لترتفع نسبتهم من 11% عام 2015 إلى ما بين 19% و22% عام 2040. أما عام 2065، فيُتوقع أن يتراوح إجمالي سكان "إسرائيل" بين 15.6 مليوناً و24.9 مليون نسمة، بينهم ما بين 4.2 ملايين و9.1 ملايين حريدي، أي ما يعادل 27% إلى 36.5% من السكان، بحسب السيناريوهات المختلفة. وفي السيناريو المتوسط، سترتفع نسبة الحريديم من 11% عام 2015 إلى 32% عام 2065، فيما ستتراجع نسبة اليهود وغيرهم من غير الحريديم من 68% إلى 49%. ونبّهت الصحيفة إلى أن هذه التوقعات تعود إلى عام 2017، وأنها لم تأخذ في الحسبان احتمالات انتقال الأفراد بين المجموعات السكانية المختلفة، بسبب نقص البيانات اللازمة لتقدير هذه التحولات.

 

خسائر اقتصادية قد تبلغ 250 مليار شيقل سنوياً

وحذّرت "يديعوت أحرونوت" من أن التحولات الديمغرافية ستنعكس بصورة مباشرة على سوق العمل الإسرائيلي، إذ يُتوقع أن تتراجع حصة اليهود وغيرهم من غير الحريديم إلى نحو نصف القوى العاملة بحلول عام 2065. وأوضحت أن معدل تشغيل الرجال الحريديم، الذي كان يسجل ارتفاعاً حتى عام 2015، توقف عن النمو منذ ذلك الحين، واستقر خلال العقد الماضي عند نحو 52%، مقابل أكثر من 80% بين النساء الحريديات. كما يبلغ متوسط دخل العاملين الحريديم 56% فقط من متوسط دخل العاملين اليهود غير الحريديم، وهو تفاوت يرتبط، بحسب التقرير، بطبيعة الوظائف ومستويات التأهيل المهني والتعليمي، بما في ذلك ضعف تدريس المواد الأساسية في المؤسسات التعليمية الحريدية.

ورأت الصحيفة أن انخفاض الأجور، إلى جانب مخصصات الرعاية الاجتماعية السخية، يسهمان في عزوف الرجال الحريديم عن الالتحاق بسوق العمل. وبحسب التقرير، فإن استمرار معدلات التشغيل الحالية، ولا سيما بين الرجال الحريديم، إلى جانب عدم تجنيد معظمهم في جيش الاحتلال وضعف تدريس المواد الأساسية في مدارسهم، قد يؤدي إلى خسائر للاقتصاد الإسرائيلي تصل إلى ربع تريليون شيقل سنوياً بحلول عام 2050، أي نحو 250 مليار شيقل.

وفي ما يتعلق بالتجنيد العسكري، نقلت الصحيفة عن بنك إسرائيل ووزارة المالية أن تكلفة عدم تجنيد الحريديم تتجاوز حالياً عشرة مليارات شيقل سنوياً. وتشير دراسات وتقديرات إلى أن هذه التكلفة قد ترتفع خلال عقد إلى ما بين 15 و20 مليار شيقل سنوياً، قبل أن تصل إلى نحو 25 مليار شيقل عام 2050. وأوضحت أن الشباب الحريديم قد يشكلون نحو 40% من الفئة العمرية المؤهلة للتجنيد بحلول عام 2050، ما قد يؤدي إلى انخفاض معدل تجنيد الرجال عموماً من 61% إلى 45% خلال 23 عاماً، وفق الحسابات التي أوردها التقرير. وسيؤدي هذا التراجع إلى تحميل الفئات التي تؤدي الخدمة العسكرية أعباء إضافية، من خلال إطالة فترات الخدمة في قوات الاحتياط، بما يرفع التكاليف على الدولة.

وأشارت الصحيفة إلى أن الجندي في الخدمة النظامية يكلف الدولة أقل بكثير من جندي الاحتياط، الذي يتقاضى تعويضات أعلى ويضطر إلى مغادرة عمله لفترات طويلة عند استدعائه. وأضافت أنه حتى في سيناريو أمني متفائل، لا يحتاج فيه جيش الاحتلال إلى حجم القوات المطلوب حالياً، فإن تجنيد الحريديم بصورة كاملة سيتيح تقليص مدة الخدمة الإلزامية، ويسمح للمسرّحين بالالتحاق بالدراسة وسوق العمل في سن أبكر.

 

تحذيرات من "فخ ديمغرافي مالي" يهدد الاقتصاد

ونقلت الصحيفة عن قسم كبير الاقتصاديين في وزارة المالية ومسؤولي بنك إسرائيل تحذيرات متواصلة، خلال العقد الأخير، من وقوع الدولة في ما وصفوه بـ"الفخ الديمغرافي المالي"، الذي يهدد استقرارها المالي ومستوى معيشة الأسر الإسرائيلية. وبحسب هذه التحذيرات، فإن استمرار الاتجاهات الحالية سيؤدي إلى ارتفاع حاد في الإنفاق الحكومي، بالتوازي مع زيادة العبء الضريبي على القطاعات المنتجة.

وتشير التقديرات إلى أن عدم اندماج الحريديم في التعليم العالي وسوق العمل الحديثة قد يتسبب بخسارة سنوية في الناتج الاقتصادي تبلغ نحو 160 مليار شيقل بحلول عام 2050، أي انخفاضاً لا يقل عن 10% من الناتج المحتمل لإسرائيل. وفي المدى المتوسط، قدّر المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي حجم الضرر المالي التراكمي خلال الفترة الممتدة بين عامي 2035 و2045 بنحو 240 مليار شيقل.

ويتوزع هذا المبلغ، وفق التقديرات التي أوردتها الصحيفة، على 60 مليار شيقل من خسائر الناتج الاقتصادي، و140 مليار شيقل من المدفوعات التحويلية لمؤسسة التأمين الوطني، و40 مليار شيقل من التكاليف الأمنية الإضافية مقارنة بالوضع الحالي. واعتبرت الصحيفة أن الدولة لن تستطيع الاستمرار في تحمل حجم الدعم المالي الذي تحصل عليه الأسرة الحريدية المتوسطة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بما يشمل المخصصات الاجتماعية والتخفيضات الكبيرة على الضرائب البلدية والإعانات والمنح الحكومية. وقدّرت قيمة هذا الدعم بآلاف الشواقل شهرياً للأسرة الواحدة، فيما تتجاوز عشرة آلاف شيقل شهرياً لدى الأسر التي يزيد عدد أفرادها على عشرة أشخاص.

 

الأسرة الحريدية تكلف خزينة الدولة 4137 شيقلاً شهرياً

واستعرض التقرير بيانات وزارة المالية والمعهد الإسرائيلي للديمقراطية بشأن الفوارق بين ما تدفعه الأسر من ضرائب وما تحصل عليه من خدمات ومخصصات حكومية. وبحسب هذه البيانات، تسهم الأسرة اليهودية غير الحريدية في خزينة الدولة بصافي 6614 شيقلاً شهرياً في المتوسط، إذ تتجاوز الضرائب التي تدفعها قيمة الخدمات والمخصصات التي تحصل عليها.

في المقابل، تسجل الأسرة الحريدية صافي مساهمة سلبية في خزينة الدولة يبلغ 4137 شيقلاً شهرياً، فيما يبلغ صافي المساهمة السلبية للأسرة العربية 1027 شيقلاً شهرياً، وهو رقم يتجه نحو الانخفاض. ويعني ذلك أن قيمة الخدمات والمخصصات الحكومية التي تحصل عليها الأسرة المتوسطة في المجتمعين الحريدي والعربي تتجاوز مجموع الضرائب التي تدفعها.

وتطرقت الصحيفة إلى التحديات الاقتصادية المرتبطة بالمجتمع العربي في إسرائيل، مشيرة إلى أن معدل الإنجاب بين النساء العربيات أصبح قريباً من نظيره لدى النساء اليهوديات غير الحريديات، وأن نسبة العرب من السكان ستظل، وفق التوقعات، بين 19% و21% حتى عام 2065. وأوضحت أن أبرز التحديات في المجتمع العربي تتمثل في انخفاض معدلات تشغيل النساء نسبياً، إلى جانب الصعوبات التي يواجهها الشباب العرب في العثور على فرص عمل.

ومع ذلك، أشارت إلى مؤشرات إيجابية على صعيد التعليم والاندماج، إذ ارتفعت نسبة المستحقين لشهادة الثانوية العامة "البجروت" من 50.2% عام 2009 إلى 77.6% عام 2024، فيما تضاعف تقريباً عدد الطلاب العرب في مؤسسات التعليم العالي خلال السنوات العشر الأخيرة. لكن الحرب أوقفت اتجاه التحسن في اندماج العرب بسوق العمل، وأدت إلى تراجع في بعض المؤشرات، بحسب التقرير. ورأت الصحيفة أن ارتفاع نسبة الأكاديميين العرب قد يمثل فرصة اقتصادية مهمة لإسرائيل، إذا نجحت في تحويل هذا التقدم التعليمي إلى مشاركة أوسع في سوق العمل.

 

رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 22% وتقليص الخدمات العامة

وحذّرت "يديعوت أحرونوت" من أن استمرار انخفاض معدلات التشغيل والأجور في المجتمع الحريدي، بالتزامن مع ارتفاع معدلات الإنجاب، سيؤدي إلى تراجع متوسط الضرائب التي تدفعها الأسرة في إسرائيل بنسبة 24% بحلول عام 2050. ووفق تقديرات وزارة المالية، فإن سد الفجوة المالية الناجمة عن هذه التحولات، ومنع انهيار الخدمات العامة في مجالات الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، سيتطلب إجراءات تقشفية واسعة النطاق. وقد تضطر الدولة، بحسب التقرير، إلى إجراء تخفيضات كبيرة في الإنفاق على الخدمات العامة، إلى جانب رفع ضريبة القيمة المضافة من 18% حالياً إلى 22% على الأقل. كما قد تُجبر الحكومة على رفع معدلات ضريبة الدخل على جميع الشرائح، بما فيها أصحاب الدخول المنخفضة.

وأشارت الصحيفة إلى أن استمرار الاتجاهات الديمغرافية الحالية سيؤدي إلى انخفاض نسبة العاملين ودافعي الضرائب مقارنة بعدد السكان الذين يحتاجون إلى المساعدات الحكومية. وبناء على ذلك، قد تتراجع قدرة الدولة على تمويل الخدمات المقدمة لمواطنيها بنسبة لا تقل عن 12% بحلول عام 2065. وسيترتب على هذا النقص في الموارد المالية، وفق التقرير، إجراء تخفيضات مؤلمة في موازنات إنشاء الطرق والسكك الحديدية والمستشفيات، فضلاً عن تقليص المخصصات الموجهة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين.

 

مخاوف من تكرار الأزمة المالية اليونانية

وخلصت الصحيفة إلى أن العبء الاقتصادي الكلي الناجم عن التحولات الديمغرافية قد يدفع إسرائيل نحو أزمة مالية شبيهة بتلك التي شهدتها اليونان قبل نحو عقدين، وصولاً إلى خطر الإفلاس الاقتصادي. واعتبرت أن هذه التطورات تمثل تهديداً جدياً لنظام الرعاية الاجتماعية الإسرائيلي، ولمكانة إسرائيل بوصفها اقتصاداً متقدماً.

وأكدت أن الدولة لم تصل بعد إلى "نقطة اللاعودة"، لكنها حذّرت من أن تغيير الاتجاهات الحالية سيتطلب عملية طويلة ومعقدة وصعبة، ما يستوجب البدء بإصلاحات جوهرية في أقرب وقت ممكن. وشدد التقرير على أن هذه السيناريوهات ليست حتمية، بل تستند إلى افتراض استمرار السياسات القائمة تجاه المجتمع الحريدي، خصوصاً في مجالات التعليم والتشغيل والتجنيد، وأن تغيير هذه السياسات يمكن أن يؤثر في النتائج الاقتصادية المتوقعة.