اليوم الاثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦م

1.4 مليار دولار خسائر قطاع الطاقة والكهرباء في غزة

اليوم, ٩:٠١:٣٩ ص
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

حذرت غرفة تجارة وصناعة وزراعة محافظة غزة من التداعيات الاقتصادية المتفاقمة لانهيار منظومة الكهرباء في قطاع غزة، مؤكدة أن استمرار أزمة الطاقة يهدد ما تبقى من القدرات الإنتاجية للقطاع الخاص، ويرفع تكاليف السلع والخدمات الأساسية، ويعرقل جهود التعافي الاقتصادي وإعادة تنشيط الأسواق.

جاء ذلك في تقرير مناصرة أصدرته الغرفة بعنوان "إنعاش قطاع الطاقة والكهرباء في غزة: من انهيار المنظومة إلى التعافي الاقتصادي"، استعرض حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة، وانعكاساتها على المنشآت الاقتصادية والخدمات الأساسية، إلى جانب مجموعة من التدخلات العاجلة والمقترحات الاستراتيجية لاستعادة الإمدادات الكهربائية.

وقدر التقرير الخسائر المباشرة وغير المباشرة في قطاع الكهرباء والطاقة بنحو 1.4 مليار دولار، مشيرا إلى أن القطاع يواجه انهيارا واسعا في مصادر التوليد وخطوط التغذية وشبكات التوزيع، في وقت باتت فيه المنشآت الاقتصادية تعتمد بدرجة كبيرة على المولدات التجارية مرتفعة التكلفة.

وأوضح التقرير أن إمدادات الكهرباء المتاحة في قطاع غزة قبل الحرب بلغت نحو 240 ميغاواط، توزعت بين 120 ميغاواط من خطوط الكهرباء الإسرائيلية، و80 ميغاواط من محطة التوليد المحلية، و30 ميغاواط من المولدات التجارية، و9 ميغاواط من مشروعات الطاقة الشمسية الرئيسية، وفق الأرقام الواردة في الدراسة.

وكانت هذه الإمدادات توفر الكهرباء بمعدل 12 ساعة يوميا، في حين بلغ الطلب الأقصى نحو 450 ميغاواط، ما يعني وجود عجز سابق للحرب يقدر بنحو 210 ميغاواط.

لكن الأضرار الواسعة التي لحقت بمنظومة الطاقة أدت إلى تراجع الإمدادات المتاحة إلى نحو 23 ميغاواط، تشمل 18 ميغاواط من المولدات التجارية و5 ميغاواط عبر خط الكهرباء F11، المخصص لتشغيل محطة تحلية المياه المركزية، ولا يخدم الشبكة العامة أو المنشآت الاقتصادية، بحسب التقرير.

وأشار التقرير إلى توقف محطة التوليد المحلية بالكامل بسبب نقص الوقود والأضرار التي لحقت بالشبكة، وتدمير نحو 90% من أنظمة الطاقة الشمسية الرئيسية، فضلًا عن تراجع الإمدادات عبر خطوط الكهرباء الإسرائيلية بنحو 96%.

وبذلك، اتسعت فجوة العجز الكهربائي المقدرة إلى نحو 427 ميغاواط، مقارنة بنحو 210 ميغاواط قبل الحرب، لتصبح الطاقة أحد أبرز الاختناقات التي تواجه استمرارية النشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية.

 

فاتورة طاقة تتجاوز ضعف الإنفاق السابق

وسلط التقرير الضوء على المفارقة المالية التي يواجهها قطاع غزة، إذ ارتفعت فاتورة الطاقة الشهرية المقدرة من نحو 104.4 ملايين شيقل قبل الحرب إلى نحو 225 مليون شيقل، رغم التراجع الحاد في الإمدادات المتاحة.

ووفقا للتقرير، ارتفعت تكلفة الكهرباء عبر المولدات التجارية من نحو 4 شواقل إلى ما بين 25 و35 شيقلا لكل كيلوواط ساعة، أي بزيادة تتراوح بين 6.25 و8.75 أضعاف.

ويؤدي هذا الارتفاع إلى استنزاف الموارد المالية المحدودة للمنشآت الاقتصادية والأسر، ويزيد تكاليف الإنتاج والتشغيل، وينعكس على أسعار السلع الأساسية في الأسواق المحلية.

كما أشار التقرير إلى أن تكلفة الطاقة التشغيلية لكل ميغاواط من القدرة المتاحة ارتفعت بنحو 28.7 ضعفا وفق منهجيته الحسابية، في مؤشر على التراجع الحاد في الكفاءة الاقتصادية لمنظومة الطاقة.

ولا تقتصر الأزمة على ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود، بل تمتد إلى نقص مستلزمات الصيانة وقطع الغيار، في ظل القيود على إدخال المعدات والمواد التشغيلية وشح المعروض في الأسواق.

ورصد التقرير زيادات حادة في أسعار مستلزمات الطاقة، من بينها ارتفاع أسعار فلاتر زيت المولدات بنحو 2900%، وبطاريات تشغيل المولدات بنحو 900%، وبعض أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية الأساسية بنحو 1066%.

وحذر من أن هذه الزيادات، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الوقود، تزيد مخاطر تعطل المولدات وشبكات التوليد الصغيرة، وتحد من قدرة المشغلين على إجراء الصيانة الدورية، بما يهدد استمرار الإمدادات المتبقية.

وعلى المستوى الميداني، استعرض التقرير أمثلة من منشآت اقتصادية رصدت الغرفة أوضاعها، موضحا أن ارتفاع تكاليف الطاقة انعكس مباشرة على الإنتاج والتشغيل والعمالة وأسعار المنتجات.

وذكر التقرير أن فاتورة الطاقة الشهرية لمخبز الدهشان ارتفعت من نحو 5 آلاف شيكل قبل الحرب إلى نحو 63 ألف شيقل، في حين تراجعت الطاقة الإنتاجية للمنشأة، واضطرت إلى رفع أسعار منتجاتها الأساسية رغم تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين.

كما أورد التقرير حالة منشأة أخرى شهدت تراجع عدد العاملين فيها من 60 إلى 10 عمال، بانخفاض بلغ نحو 83.3%، بالتزامن مع تراجع قدرتها الإنتاجية بأكثر من 75%.

وتعكس هذه الأمثلة، وفق التقرير، كيف تحولت أزمة الكهرباء من مشكلة في البنية التحتية إلى عامل مباشر في تقليص الإنتاج، وارتفاع الأسعار، وفقدان فرص العمل، وإضعاف قدرة المنشآت على الاستمرار.

وفي مقابل حجم الأضرار، طرح التقرير فرصة لاستعادة جزء من الإمدادات الكهربائية دون انتظار تنفيذ مشروعات إعادة بناء واسعة أو إنشاء بنية تحتية جديدة، وذلك عبر معالجة الاختناقات الفنية والإدارية والاستفادة من الأصول القائمة.

وتتضمن الخطة المقترحة رفع قدرة خط الكهرباء F11 من 5 إلى 10 ميغاواط، بما يضيف 5 ميغاواط، وإعادة توصيل خط F7 بطاقة تقدر بنحو 10 ميغاواط، إلى جانب تسهيل إدخال قطع الغيار والمعدات التابعة لسلطة الطاقة والموارد الطبيعية الفلسطينية والموجودة في مخازن أريحا، بما يتيح استعادة نحو 20 ميغاواط من قدرة محطة التوليد المحلية.

وبحسب حسابات التقرير، يمكن لهذه الإجراءات أن تضيف نحو 35 ميغاواط إلى الإمدادات الحالية، لترتفع القدرة الإجمالية المستهدفة إلى نحو 40 ميغاواط، إذا توافرت الموافقات اللازمة وتحققت الشروط الفنية والتشغيلية.

وشدد التقرير على أن تنفيذ هذه التدخلات يتطلب تنسيقا فنيا وإداريا، وتسهيل إدخال المعدات وقطع الغيار، وضمان توافر الوقود اللازم لتشغيل قدرات التوليد المستعادة.

 

الوقود والطاقة الشمسية ضمن أولويات التعافي

ودعا التقرير إلى فتح قنوات تجارية منتظمة وتنافسية لاستيراد الوقود الصناعي، مشيرا إلى أن الوقود يمثل أكثر من 70% إلى 80% من تكاليف تشغيل المولدات، وأن القيود على الاستيراد والتوريد غير التنافسي ترفع تكلفته إلى مستويات تصل، وفق تقديرات التقرير، إلى خمسة أضعاف سعره المعتاد.

واعتبر أن تحسين توافر الوقود وخفض تكلفته يمكن أن ينعكسا على أسعار الكهرباء، ويخففا الأعباء التشغيلية عن المنشآت الاقتصادية، ويساعدا على استقرار أسعار السلع الأساسية، وفي مقدمتها الخبز والدقيق.

كما أوصى التقرير بالسماح بإدخال الزيوت والفلاتر والبطاريات وقطع الغيار الضرورية، والتوسع في تركيب أنظمة الطاقة الشمسية في المخابز والمناطق الصناعية والمنشآت التجارية، إلى جانب إعادة تأهيل خطوط التوزيع والمحولات المتضررة.

وعلى المدى المتوسط، اقترح صيانة وحدات محطة التوليد المحلية ودراسة تحويل تشغيلها إلى الغاز الطبيعي، بهدف الوصول إلى قدرة تبلغ نحو 50 ميغاواط، فيما دعا على المدى الطويل إلى تطوير بنية إمدادات الغاز، وإنشاء أنظمة تخزين للطاقة، وتحديث الشبكات باستخدام تقنيات القياس والإدارة الذكية.

وأكدت غرفة تجارة وصناعة وزراعة محافظة غزة أن استعادة الكهرباء تمثل أولوية اقتصادية وإنسانية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بتشغيل المخابز والمطاحن والمنشآت الصناعية، وحفظ الأغذية، وتحلية المياه، واستمرار الخدمات الأساسية.

وشدد التقرير على ضرورة الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى حماية القدرات الإنتاجية القائمة، من خلال إدماج الطاقة ضمن أولويات التدخلات الإنسانية وبرامج التعافي، وتوجيه الجهود نحو استعادة تشغيل المنشآت والحفاظ على فرص العمل وتقليل تكاليف الإنتاج.

وخلص إلى أن إعادة إنعاش قطاع الطاقة لا تقتصر على إصلاح خطوط الكهرباء ومحطات التوليد، بل تمثل مدخلا أساسيا لاستعادة النشاط الاقتصادي، وتنشيط الأسواق، والحد من الاعتماد على المساعدات، وتعزيز قدرة القطاع الخاص على الصمود.

وأكد أن توفير كهرباء مستقرة وميسورة التكلفة يشكل شرطا لازما لتهيئة بيئة اقتصادية تسمح للمنشآت باستئناف أعمالها، وتدعم استعادة الإنتاج والخدمات، وتمهد لتعافٍ اقتصادي أكثر استدامة في قطاع غزة.