بقلم/ د. محمد سالم أبو يوسف- باحث أكاديمي وخبير مالي
تشهد الساحة الفلسطينية، وفي مقدمتها قطاع غزة، تحولات خطيرة تطال عمق ملف اللاجئين الفلسطينيين والهوية الوطنية، تتجسد في القرارات والتوجهات الأخيرة لإدارة وكالة غوث وتشغيل لاجئين فلسطين (الأونروا) القاضية بتقليص الخدمات وإعادة هيكلة الوظائف، مع التلويح بفصل أعداد كبيرة من الموظفين والعاملين (والتي تشير المعطيات إلى استهداف نحو 2,800 موظف في كافة الأقاليم) بحجة الأزمة المالية ونقص التمويل.
تأتي هذه التحركات في توقيت بالغ الحساسية، حيث تندرج في جوهرها كامتداد غير مباشر لنتائج الحرب التدميرية على غزة، وتتحرك بموجب توجيهات وضغوط أمريكية تتقاطع مع مطالب وإملاءات إسرائيلية قديمة لسحب هذا الملف الحساس من التداول.
ويحدث أن هذا المخطط يأتي وسط تراجع مشهود في الدور العربي الداعم للقضية الفلسطينية، واستغراق العواصم العربية في منازعاتها وأزماتها الداخلية، مما يضع مستقبل العائلات الفلسطينية وحقوق الموظفين واللاجئين أمام خطر داهم.
إن الذريعة المالية والعجز المالي الخانق الذي تتذرع به إدارة الوكالة لا يمكن أن يشكل غطاءً أخلاقياً أو قانونياً لتجريد الموظفين الفلسطينيين من مصدر رزقهم، أو إلغاء وظائف تصنف بصورة أحادية كـ "غير مهمة" وإن تحميل الموظف واللاجئ تبعات العجز المالي المفتعل يضرب في جوهر المسؤولية الأممية والتزام المجتمع الدولي تجاه اللاجئين حتى إيجاد حل عادل لقضيتهم وفق القرارات الدولية.
مرة أخرى غزة الجريحة في قلب الاستهداف ونتائج كارثية ومباشرة بفعل الحرب حيث إن التوجه نحو تركيز قرار الفصل والتقليصات الهيكلية على ساحة قطاع غزة يمثل ضربة قاضية لصلب المقومات المعيشية والاجتماعية للقطاع المنهك؛ حيث تعتمد آلاف الأسَر الفلسطينية بشكل مباشر على رواتب موظفي الأونروا كعصب اقتصادي وحيد، إلى جانب اعتماد الملايين على الخدمات الإغاثية والصحية والتعليمية وإن أي فصل أو تقليص في غزة المكتوية بنار الحرب ينجم عنه بوضوح تدهور حاد في الخدمات الأساسية وانهيار في القطاعات الخدمية الحيوية من تعليم وصحة وإغاثة وحماية إنسانية، مما يترك الملايين دون شبكة أمان في ظل أشد الظروف الميدانية والإنسانية قسوة.
ويحدث شللا اقتصاديا واجتماعيا تاما وإن انقطاع أرزاق آلاف الأسر يفاقم من معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة، مما يتعمد إغراق القطاع في أزمات معيشية مريرة، ويزيد من حالة الاحتقان المجتمعي والضغط النفسي على المواطنين نحو تحويل غزة لبيئة طاردة للسكان.
ويقف حائلا أمام قدرة القطاع على التعافي حيث أن تجريد غزة من أمنها الوظيفي والخدماتي في وقت تحتاج فيه إلى العون والإغاثة يضاعف من آثار العدوان ويجهز على ما تبقى من مقومات الحياة الكريمة.
ناهيك عن أن تفريغ "الأونروا" من مضمونها السياسي والإنساني حيث تأتي قرارات دمج الوظائف وتسريح العاملين تحت مسميات "إعادة الهيكلة" كخطوة تجريدية لإنهاء الدور السياسي والشاهد الأممي على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة.
إن إضعاف الوكالة مؤسسياً وبشرياً يُسهل محاولات إنهاء ولايتها الممنوحة لها بموجب القرار (302) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتحويل قضية اللاجئين السياسية إلى مجرد ملف إغاثي إنساني مؤقت.
وهذا ما يدفعنا للعمل الجماعي لمواجهة هذا التوجه الخطير من خلال :
- حشد التأييد الدولي للوقف الفوري لكافة قرارات التسريح والهيكلة والتراجع الكامل عن أي خطط تستهدف حقوق العاملين وأمنهم الوظيفي والخدمات الأساسية المقدمة للاجئين.
- التحرك النقابي والمجتمعي الفلسطيني الموحد والعمل على حماية حقوق العاملين والخدمات، وربط هذه المعركة بالدفاع عن الثوابت الوطنية.
- تحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته ومطالبة الدول المانحة والجمعية العامة للأمم المتحدة بتأمين تمويل مستدام ومستقر للأونروا لضمان قيامها بمهامها وتأمين الرواتب والخدمات، بعيداً عن الابتزاز السياسي والتسييس.
وختاما إن المساس بكرامة الموظف الفلسطيني وبحقوق اللاجئ ليس مجرد إجراء إداري أو مالي، بل هو قضية وطنية بامتياز تمس أمن واستقرار المجتمع الفلسطيني برمته؛ مما يتطلب موقفاً شعبياً ورسمياً ونقابياً حازماً لرفض هذه التوجهات والدفاع عن الأونروا كشاهد أممي ومؤسسة خدمية للاجئين في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ القضية الفلسطينية.

