اليوم السبت ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦م

باخرة غارقة منذ 50 عاماً.. وجهة الغزيين لمواجهة أزمة الإسمنت

اليوم, ١١:٣٥:٤٢ ص
أرشيفية

غزة/ الاقتصادية

قادت الصدفة الصياد الفلسطيني محمود مطر ومجموعة من رفاقه الصيادين إلى البحث على نحوٍ مختلف عن مصدر رزقهم في بحر مدينة غزة، في ظل الملاحقة الإسرائيلية لهم في مهنة صيد الأسماك منذ بداية حرب الإبادة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. ونجح مطر في التحول نحو استخراج الإسمنت المتحجر الموجود قبالة شواطئ مخيّم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين غربي مدينة غزة، وبيعه بكميات لصالح إحدى الشركات التي تعمل في مجال تكرير الإسمنت وإنتاجه محلياً.

ويحظر الاحتلال الإسرائيلي عمل الصيادين في بحر مدينة غزة ضمن سلسلة من القيود التي فرضها عليهم منذ السابع من أكتوبر 2023، ويقوم بعمليات استهداف تطاولهم يومياً فور تحركهم داخل البحر.

في المقابل يمنع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإسمنت ضمن مئات السلع التي يحظر دخولها للقطاع، وضمن سياسة عرقلة عملية إعادة الإعمار، بالرغم من التوصّل لاتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025. في الأثناء، قال الصياد مطر لـ"العربي الجديد" إنّ الأمر بدأ عن طريق الصدفة من خلال العثور على كميات من الإسمنت داخل حطام إحدى البواخر القريبة من شاطئ البحر في منطقة مخيّم الشاطئ غربي غزة.

وأوضح مطر أنه قرّر مع عدد بسيط من زملائه استخراج كميات محدودة وعرضها على بعض المختصين الذين أكدوا إمكانية إعادة تدويره والاستفادة منه في بعض الأعمال الفنية على صعيد الترميم البسيط. ووفق الصياد الفلسطيني فإنّ الكمية الأولى التي نجح في استخراجها قبل نحو أسبوعَين كانت تقدر بقرابة 500 كيلو، ثم توالت عمليات الاستخراج وتوسعت بعدما جرى إبلاغ مجموعة أخرى من الصيادين.

وبين أن الكميات كانت تتوفر داخل باخرة باكستانية غرقت في سبعينيّات القرن الماضي وكانت محمّلة بكميات كبيرة من الإسمنت، مشيراً إلى أن هذه الكميات كانت مخصّصة لبناء تحصينات خط بارليف الإسرائيلي على الضفة الشرقية لقناة السويس وفقاً للمعلومات المتداولة بين السكان. وأشار إلى أن هذه الكميات تحولت إلى مصدر دخل لعشرات الصيادين والغواصين الذين كانوا في تلك المنطقة التي تبعد قرابة 300 متر عن شاطئ البحر فقط، لافتاً إلى أن الصيادين يعانون على الصعيد الاقتصادي بفعل عرقلة الاحتلال لعملهم.

وبحسب الصياد مطر فإنّ عمليات الاستخراج لهذه الكميات من الإسمنت كانت تجري بأدوات ومعدات بسيطة وتستغرق وقتاً طويلاً من الصيادين الذين كانوا يقومون بعملية استخراجه وبيعه للشركات والمعامل التي تقوم بعملية إعادة التدوير. ولفت إلى أنّ الاحتلال تعمّد خلال اليومَين الماضيَين عرقلة عملهم، إذ قام باستهدافهم بالرغم من قرب المسافة التي يعملون بها من شاطئ البحر وأطلق النار بكثافة تجاههم ما تسبب في وقف عملهم مؤقتاً. وقبل حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع كان الاحتلال يقصر مساحة الصيد داخل القطاع على 6 أميال في مدينة غزة وشمالها، وتتوسّع لتصل إلى 12 ميلاً في أفضل الأحوال في مناطق وسط وجنوبي القطاع.

ووفق اتحاد لجان الصيادين، فإنّ حصيلة الصيادين الشهداء منذ بداية حرب الإبادة على القطاع وصلت إلى 233 صياداً، إضافة إلى مئات المصابين جراء الاستهداف المباشر وغير المباشر، في حين تعرضت البنية التحتية لقطاع الصيد تعرّضت لخسائر إذ دمّر الاحتلال 900 قارب مزوّد بمحركات، ونحو 700 قارب تجديف.

في الأثناء، أكد مدير الشركة العالمية للإسمنت خالد أبو وردة لـ"العربي الجديد" أنّ عملية إعادة تدوير الإسمنت بدأت قبل نحو عام اعتماداً على المواد المتحجّرة الموجودة في القطاع وتوقفت في بعض المراحل. وقال أبو وردة إنّ تمكّن الصيادين من استخراج الإسمنت دفع شركته للعمل في عملية إعادة تدوير المواد عبر خلطها بمواد أخرى وعرضها في الأسواق ضمن أعمال محدّدة تقتصر على التشطيبات فقط.

وأوضح أنّ عملية تدوير الإسمنت تجعله قريباً بنسبة تتراوح من 70 إلى 80% فقط من المواد الأصلية التي كانت تصل إلى القطاع، إلّا أنه لا يمكن الاستفادة منه في أعمال البناء أو الأعمال الخرسانية. وبحسب مدير الشركة فإنّ تكلفة الكيس الواحد بعد عملية إعادة التدوير تصل إلى 100 دولار أميركي بوزن يصل إلى 25 كيلو غرام، ويسهل على المواطنين الراغبين في بعض الأعمال الإنشائية الاعتماد عليه في ظل منع الاحتلال دخول مواد البناء.

وأشار إلى أنّ الإشكالية الكبرى لا تتعلق باستخراج الإسمنت من البحر بل بنفاد الكميات المستخرجة خلال الفترة المقبلة وصعوبة توفرها في ظل إغلاق المعابر وعرقلة الاحتلال دخول أيّ من هذه المواد. وبيّن أنّ التكلفة المرتفعة للمواد المستخدمة تعتبر من التحديات التي تواجه الشركة في عملية إعادة تدوير الإسمنت إلى جانب الحاجة للوقود من أجل تشغيل المولدات الكهربائية وارتفاع التكلفة في السوق المحلي.