
غزة/ الاقتصادية
يعاني القطاع الزراعي في غزة تحديات غير مسبوقة بسبب سياسات التدمير والتجريف التي ابتعتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، ويلعب هذا القطاع دورًا محوريًا في تأمين الأمن الغذائي وتشغيل آلاف العاملين.
الأهمية الاقتصادية للأراضي الزراعية في قطاع غزة
تشكل الأراضي الزراعية حوالي 41% من مساحة قطاع غزة، ويعتمد سكان غزة على إنتاج الأراضي الزراعية لتوفير الغذاء الأساسي، مثل الخضروات، الفواكه، والزيوت.
كما ويشكل القطاع الزراعي مصدر دخل مباشر وغير مباشر لعشرات آلاف الأسر، كما ويتشابك مع أنشطة اقتصادية أخرى مثل الصناعات الغذائية والتجارة، مما يعزز دوره في الناتج المحلي الإجمالي.
التدمير الممنهج للأراضي الزراعية
خلال العدوان الأخير، تم تدمير وتجريف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، بلغت حوالي 78% من إجمالي الأراضي المزروعة.
ومن أبرز المحافظات المتضررة
شمال غزة: بلغت نسبة الأضرار حوالي 78.2%.
مدينة غزة: تعرضت 76% من أراضيها الزراعية للتدمر.
خان يونس: سجلت أعلى مساحة من الأراضي المتضررة، حيث وصلت النسبة إلى 61.5%.
وأكد أمجد الشوا، رئيس شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة أنّ "العدوان الإسرائيلي الأخير كان له تأثير مدمر على القطاع الزراعي في غزة، حيث تم تجريفها بشكل واسع، وشبكات المياه ومحطات التحلية تعرضت لتدمير كبير.
كما تسبب منع دخول مستلزمات الإنتاج الزراعي في أزمة خانقة للمزارعين، مع خسائر شملت مزارع الدواجن، الحيوانات، ومزارع الأسماك. كل هذا فاقم من أزمة الأمن الغذائي.
وشدد الشوا أنّ القطاع الزراعي يواجه تحديات هائلة نتيجة الأضرار الجسيمة التي لحقت به جراء العدوان الإسرائيلي الأخير.
وبيّن أن هذه الأضرار تتطلب استجابة فورية وتضافر الجهود المحلية والدولية لإعادة تأهيل القطاع وضمان استدامته في مواجهة الظروف الصعبة.
من جهته قال علي وافي، مدير البرامج في الإغاثة الزراعية إن "أبرز التحديات تشمل تدمير البنية التحتية الزراعية وتجريف معظم الطرق الزراعية والآبار والمشاتل".
وأضاف "هناك مخاوف متزايدة بشأن التلوث البيئي، حيث من المحتمل أن يكون للأسلحة المستخدمة تأثير سلبي على التربة والمياه والهواء، مما يهدد استدامة الزراعة في المستقبل".
أثر التدمير على الإنتاج الزراعي
المحاصيل الزراعية: سجلت الخضروات والبساتين النسبة الأكبر من الخسائر، حيث تضررت حوالي 71.2% من المساحات المزروعة بالأشجار والبساتين. كما شملت الأضرار المحاصيل الحقلية مثل القمح والشعير.
البنية التحتية الزراعية: تشير الإحصائيات إلى تضرر حوالي 1,188 بئرًا زراعيًا و5,779 دونمًا من الدفيئات الزراعية.
تأثيرات التدمير على الأمن الغذائي
أسهم تدمير الأراضي الزراعية في تعميق أزمة الأمن الغذائي في قطاع غزة. قبل العدوان، كان القطاع الزراعي يحقق نسب اكتفاء ذاتي مرتفعة في إنتاج الخضروات والفاكهة، حيث وصلت نسبة الاكتفاء إلى 95% لبعض المحاصيل.
لكن مع تدمير الأراضي الزراعية والبنية التحتية، انخفض الإنتاج المحلي بشكل كبير، مما أجبر السكان على الاعتماد على المساعدات الغذائية والسلع المستوردة.
وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، فإن مستويات انعدام الأمن الغذائي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة. تشير التقديرات إلى أن 91% من سكان غزة يواجهون انعدامًا حادًا للأمن الغذائي، بينما يواجه 345 ألف شخص مستويات كارثية من الجوع.
وأوضح أمجد الشوا أن العدوان الإسرائيلي استهدف بشكل مباشر ركائز الأمن الغذائي، بما في ذلك الأراضي الزراعية، المزارع الحيوانية، مزارع الأسماك، وحتى المنشآت الزراعية.
وأكد أن الجهود أسفرت عن إدخال كميات محدودة من البذور لدعم الزراعة المحلية وتحفيز المزارعين على استغلال المساحات الصغيرة للزراعة، في محاولة لإنعاش القطاع الزراعي جزئيًا.
وأضاف الشوا أن تدمير الأراضي الزراعية، شبكات المياه، ومحطات التحلية، إلى جانب منع دخول مستلزمات الإنتاج الزراعي، تسبب في تفاقم معاناة المزارعين وأدى إلى خسائر فادحة شملت مزارع الدواجن، الحيوانات، والأسماك. وبيّن أن القطاع بحاجة ماسة إلى دعم دولي مستدام لإعادة تأهيل بنيته التحتية وتوفير مدخلات الإنتاج بشكل عاجل.
الأثر الاقتصادي الأوسع
إن تدمير القطاع الزراعي في غزة لم يقتصر على التأثير على الأمن الغذائي فحسب، بل امتد ليشمل جوانب أخرى من الاقتصاد المحلي. فقد أدى تدمير هذا القطاع إلى:
ارتفاع معدلات البطالة: نتيجة لفقدان آلاف العاملين في الزراعة لوظائفهم.
ارتفاع الأسعار: شهدت أسعار المنتجات الزراعية زيادات حادة خلال فترة العدوان. على سبيل المثال، ارتفعت أسعار الطماطم بنسبة 490%، وأسعار الدجاج بنسبة 80%.
تراجع الناتج المحلي الإجمالي: انخفضت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 93% خلال الربع الثاني من عام 2024 مقارنة بالعام السابق.
سياسات الاحتلال وتأثيرها على الزراعة
تتبع إسرائيل سياسات تخدم أهدافها طويلة المدى، حيث تسعى إلى تحويل المناطق الزراعية إلى مناطق عازلة. وفقًا للتقارير، أُنشئت منطقة عازلة تمتد حوالي 500 متر داخل قطاع غزة على طول السياج الحدودي. هذه السياسات تؤدي إلى مصادرة مزيد من الأراضي الزراعية، ما يزيد من تعقيد الأوضاع الاقتصادية.
كما أن استخدام الاحتلال لقنابل الفسفور والأسلحة الثقيلة أدى إلى تلوث التربة وجعلها غير صالحة للزراعة. تشير الدراسات إلى أن بعض الأراضي قد تستغرق سنوات طويلة قبل أن تعود إلى حالتها الطبيعية.
الحلول والمقترحات لدعم القطاع الزراعي
وأوضح وافي أنه لمعالجة هذه الأزمات، وضعت المؤسسات الزراعية خطة طوارئ تهدف إلى تحديد أولويات التدخل لإنعاش القطاع الزراعي والمحافظة على قدرة المزارعين على الاستمرار في الإنتاج. تشمل هذه الخطة توسيع المساحات المزروعة وفق الموارد المتاحة، وإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية، وتعزيز دور الجمعيات الزراعية والتعاونيات لضمان تمثيل المزارعين بشكل أفضل.
وأضاف تسعى المؤسسات الزراعية إلى تطوير رؤية وطنية لإعادة إعمار القطاع الزراعي، قائمة على تعزيز مفهوم السيادة الغذائية. بالإضافة إلى ذلك، يجري العمل على دعم الابتكار والتكنولوجيا الزراعية الحديثة كوسيلة لتحسين الإنتاجية والتغلب على التحديات البيئية والاقتصادية.
أما أمجد الشوا لفت إلى التعاون القائم مع مؤسسات دولية مثل منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، موضحًا أن هذه الشراكات تهدف إلى إعداد تقارير دقيقة تشمل حجم الخسائر والاحتياجات الطارئة للمزارعين. وأضاف أن العمل جارٍ على تأهيل الأراضي الزراعية التي تعرضت للتلوث والتدمير، بالإضافة إلى إعادة بناء شبكات الري التي تُعد شريان الحياة للمزارعين في غزة.
وبشأن خطط تعزيز القطاع الزراعي وتحقيق الاستدامة، فقد أكد الشوا أن الجهود الحالية تركز على الاستجابة الإنسانية العاجلة والإنعاش المبكر. وذكر أن العمل جارٍ على توفير التربة المناسبة، الأسمدة، وترميم شبكات المياه المدمرة، بالإضافة إلى تعزيز صمود المزارعين من خلال برامج تدريبية وتشجيع الزراعة المنزلية.