اليوم الخميس ٠٨ يناير ٢٠٢٦م

الخط الأصفر يضع إعمار غزة بدائرة المجهول

أمس, ١٢:١٦:٣٢ م
دمار غزة
الاقتصادية

غزة_ خاص صحيفة الاقتصادية:

يضع “الخط الأصفر” الذي برز عقب إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في العاشر من أكتوبر 2025، مستقبل إعمار أجزاء واسعة من القطاع، في إطار المجهول، خاصة مع توارد العديد من التصريحات الأميركية والاسرائيلية، بأن الإعمار سيكون ضمن المناطق الواقعة ضمن ذلك الخط، وربط إعادة بناء باقي المناطق “بأهداف أخرى كنزع سلاح غزة”.

ويقتطع “الخط الأصفر” ما يزيد عن 53% من مساحة غزة، ويشمل مدينة رفح جنوب القطاع، والمناطق الشرقية من محافظة خان يونس، وشرق مدينة غزة، وبلدتي بيت لاهيا وبيت حانون شمالًا.

وكانت تقارير عبرية أفادت بأن رئيس الحكومة الاسرائيلية، بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، توصلا إلى تفاهمات تقضي بالانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب المتعلقة بإنهاء الحرب على قطاع غزة، بما يشمل بدء خطوات إعادة إعمار في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، وتحديدًا في محيط رفح.

ووفقاً لمحللين ومسؤولين، فإن “بقاء السيطرة الاسرائيلية على مناطق الخط الأصفر يعني حرمان سكان تل المناطق من العودة لمنازل وإعادة الحياة لها أو إعادة إعمارها”.

وبحسب هؤلاء، فإن إعمار مناطق بعينها داخل الخط الأصفر يهدف لخلق نموذجين للحياة في غزة، الأول مناطق معمرة بعيداً عن الدمار والخراب وفقاً لمحددات وشروط أمنية إسرائيلية، والثاني، مدمرة يقاسي فيها السكان بهدف تقليب الرأي العام الداخلي في غزة على كل من يحمل السلاح ضد إسرائيل.

ويقول رئيس منتدى مستقبل غزة عائد أبو رمضان إن الحديث عن انشاء مجمعات سكنية مؤقتة أو دائمة وأعمال بنى تحتية أولية، وطرح أطر إدارية أو أمنية دولية، ومبادرات استثمارية واقتصادية تأتي في إطار خطط أوسع يراد منها اضفاء عطاء دولي أو أممي بعيداً عن أي توافق فلسطيني حولها.

ويضيف أبو رمضان أن “الطروحات المذكورة تهدف إلى لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية والادارية بشكل عام والمتعلقة باعمار غزة بصورة خاصة”.

ويشير إلى أن “ما يجري حالياً يهدف أيضاً لتثبيت الخط الأصفر كحدود دائمة وتحويله كأداة للتقسيم الجغرافي السياسي في القطاع، ومنع وتأخير عودة السكان لمناطقهم، وافقادهم حقوقهم العقارية ونزع الملكيات العامة والخاصة، واحداث تفاوت اقتصادي بين المدن في القطاع”.

ويتابع أن “الخطر يشمل إحداث تشوه عمراني ورفع تكاليف اعادة الدمج العمراني مستقبلاً، وتفكيك النسيج الاجتماعي، وإمكانية ظهور جماعات متطرفة نتجة حياة البؤس الفقر التي يعاني منها السكان”.

وينوه إلى ان هناك اجماع وطني على عدم تثبيت الخط الاصفر ورفض اي تقسيم جغرافي بغزة، مؤكداً أن المخططات المطروحة حالياً للاعمار تعيق الحلول السياسية للقضية الفلسطينية.

ويؤكد أن أي عملية اعمار مجتزئة غير مجدية غير ممكنة على الصعيدين العمراني والاقتصادي ولا تراعي احتياجات القطاع وسكانه ومستقبل اجياله. ويشدد على أهمية بلورة رؤية و

طنية للاعمار تشمل كامل غزة وبمشاركة البلديات والمؤسسات المهنية والغرف التجارية والصناعية ومؤسسات المجتمع المدني، والخبرات المحلية.

كما يؤكد أبو رمضان، أن اعمار غزة ليس مسألة فنية أو انسانية فقط بل قضية حقوق وسيادة وعدالة وأن غزة وحدة جغرافية واحدة لا تقبل التقسيم والاعمار المجتزأ.

بدوره، يقول المحلل أحمد الطناني، إن الخط الأصفر تستخدمه إسرائيل حالياً لإعادة هندسة الجغرافيا في غزة، بناءاً على مصالحها الأمنية، من خلال إطالة مدة سيطرة قواتها على الأراضي الفلسطينية في غزة، وصولاً إلى منع سكانها من العودة إلى مناطق سكنهم بشكل نهائي وإجهاض أي محاولات لإعادة خلق شكل من أشكال الحياة فوق الركام والدمار.

ويقول الطناني إن الجانبين الأميركي والاسرائيلي روجا في الأونة الأخيرة لمخططات إعادة إعمار جزئية وانتقائية داخل مناطق تقع شرق الخط الأصفر، تحت عناوين مختلفة، من بينها، إنشاء مجمعات سكنية مؤقتة أو دائمة، وتنفيذ أعمال بنية تحتية أولية، وطرح أطر إدارية أو أمنية دولية مؤقتة، إلى جانب مبادرات استثمارية واقتصادية جديدة، جُلها تحمل مخاطر على الواقع في غزة.

ويضيف الطناني أن من ضمن المخاطر تثبيت الخط الأصفر كحد دائم وتحويله إلى أداة تقسيم جغرافي وسياسي لقطاع غزة، ومنع أو تأخير عودة السكان وربط العودة بشروط أمنية وتنظيمية تعسفية، وإحداث تغيير ديموغرافي قسري وإعادة توزيع السكان داخل القطاع، وإفقاد الفلسطينيين الحقوق العقارية ونزع الملكيات الخاصة والعامة أو صعوبة استعادتها.

ويشير إلى أن المخاطر تشمل أيضاً دفع المانحين لدعم إعمار مناطق بعينها في القطاع، بزعم أنها غير عرضة للدمار مستقبلاً لأنها مناطق “أمنة إسرائيلياً”، وفي المقابل إطالة أمد إعمار الأجزاء المتبقية من القطاع لعقود طويلة من الزمن، بالإضافة لإمكانية احداث تفاوت اقتصادي حاد بين شرق “مطوّر” يخضع لسيطرة خارجية وغرب مكتظ ومُنهك.

ويبين أن المخاطر كذلك إمكانية إحداث تشوّه عمراني وبنيوي وارتفاع تكاليف إعادة الدمج العمراني مستقبلًا، واستمرار التبعية الاقتصادية وزيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية بدل التعافي الإنتاجي نتيجة فقدان الأراضي الزراعية الاستراتيجية.

ويؤكد أن إمكانية تخصيص عملية الإعمار في المناطق الواقعة تحت السيطرة الاسرائيلية ضمن الخط الأصفر، ضمن الرؤية الاسرائيلية، يهدف لربط وجود المقاومة الفلسطينية بالدمار، ونفي عنها صفقة الحرص على تحسين أوضاع السكان المنهكين جراء عامين من الحرب المدمرة.

ويلفت إلى أن المخططات الأميركية والاسرائيلي الهادفة إلى بناء “مجمعات سكنية مؤقتة”، في المناطق الشرقية من شأنه إطالة أمد الأزمة الإنسانية، لاسيما وأنه يمنع السكان الأصللين لتلك الأحياء من العودة وقضم أراضي أغلبها زراعية خاصة، وليس إعادة إعمار الكم الكبير من الدمار.

وينوه إلى أن قطاع غزة لا يحتاج إلى مخططات هندسية خارجية تُقام على أراضٍ تمت مصادرتها بأسلوب احتلال، بل تحتاج إلى فتح شامل للمعابر، وإدخال مواد الإيواء وإعادة الإعمار، وتمكين المؤسسات الدولية والمحلية من بناء مساكن مؤقتة داخل القطاع تحت إشراف فلسطيني وأممي.

من جانبه، يقول رئيس بلدية رفح د.أحمد الصوفي إن التقارير التي تتحدث بأن الإعمار سيبدأ بهذه الخطوة، مرحب بها، لكنها مرفوضة حال كانت في أرض فراغ، لا تعود لملكيات المواطنين، بما يحقق كرامتهم ويعيد بناء منازلهم.

ويضيف أن عملية الإعمار يجب أن تكون بالتعاون مع المؤسسات التي تمتلك صلاحية التخطيط كالبلديات وسلطة الأراضي واللجنة المركزية للتخطيط بما يضمن حقوق المواطنين الخاصة، والاحتياجات المستقبلة للمصالح العامة.

ويشير إلى أن الحديث عن مدينة من البيوت الجاهزة “الكرافانات” لا يشكل إعماراً ويندرج ضمن الاستجابة العاجلة للايواء المؤقت. مؤكداً أن الاعمار الحقيقي يشمل بنا المنازل، والبنى التحتية، والمدارس، والمستشفيات، وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي.

إلى ذلك، يرى المختص الاقتصادي ماهر الطباع، أن “عملية الإعمار لا يجب أن تجري بدون تهيئة الظروف السياسية والأمنية والتمويلية” بما يحقق تعافي حقيقي لكافة مكونات الحياة التي دمرت على مدار عامين من الحرب.

ويقول الطباع إن “أي عملية إعمار يجب أن تكون شاملة وتستند لضمانات بعدم العودة لجولات جديدة من القتال وألا تقوم إسرائيل بتدمير ما تم إعماره من جديد”.

ويضيف الطباع أن “إعمار مناطق محددة في القطاع، وإبقاء أخرى مدمرة، لا يحقق أي أهداف حقيقية على الأرض سوى الإبقاء على معاناة المواطن الفلسطيني، الذي فقد كل ما يملك خلال الحرب”.

ويشير إلى أن “عملية الإعمار لا يجب أن تسند لمقايسس إسرائيلية، بل تحتاج لتوحيد الجهود لإنشاء هيئة وطنية خاصة مستقلة للإعمار بإشراف الرئاسة الفلسطينية والحكومة الفلسطينية، ممثلة من القطاع العام والخاص، وذلك للتنسيق و الاشراف على كافة المشاريع لتعويض كافة المتضررين في كافة المجالات”.

ويلفت إلى أن “عدم إطلاق عملية إعمار شاملة قد يترك مناطق في غزة مدمرة لعقود طويلة، خاصة وأن التقارير الدولية تفيد بأن إزالة الركام وحده يحتاج لعدة سنوات”.

وينوه إلى أن “هناك فرق ما بين الإعمار والإستجابة العاجلة للاحتياجات الانسانية، فالأول يحدث بإعادة بناء كل ما تم تدميره من منازل وطرق ومنشآت ومصالح عامة وخاصة، أما (الإستجابة) فهي عبارة عن توفير المأوى المؤقت، الغذاء، المياه النظيفة الصالحة للشرب، التعليم، والرعاية الصحية الفورية، وهو ما يجري الحديث عنه أمريكياً وإسرائيلياً في المناطق التي يجرى تجهيزها على سبيل المثال برفح.