اليوم الأربعاء ٠٤ فبراير ٢٠٢٦م

فوضى الخيام وحلم الإعمار

٠١‏/٠٢‏/٢٠٢٦, ٨:٠١:٥٦ م
محمد العسكري
الاقتصادية

بقلم/المهندس محمد العسكري

خبير مختص في مجال البنية التحتية والإسكان


يشهد قطاع غزة فوضى غير مسبوقة في الخيام ومراكز الإيواء Shelter Centers التي تأوي النازحين بعد حرب إبادة مدمرة؛ حيث تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن نحو 92 % من المنازل تعرضت للدمار أو التلف، مما أجبر مئات آلاف المدنيين على النزوح والعيش في خيام (Tents) وملاجئ مؤقتة أو بقايا منازلهم المدمرة وسط الركام.

وبرغم الجهود الكبيرة المبذولة، إلا أن مشاهد الخيام، خاصة في ظل المنخفضات الجوية الأخيرة، عكست واقعًا مؤلمًا لسكانها؛ آلاف الخِيام تعرض سكانها للغرق، فيما احترقت العشرات، وتجمدت أجساد العديد منهم بفعل البرد حتى فارقوا الحياة.

وقد ظهرت تصنيفات شعبية للخيام بحسب استخدامات المواطنين، خاصة عند انعدام الخيارات؛ على سبيل المثال، خيمة القبة التي اعتُبرت من أفضل نوعيات الخيام، لم تصمد طويلًا، إذ طارت واقتلعتها الرياح. كما أن هذه الخيام لا تحمي من برد الشتاء أو حرارة الصيف، ولا تقاوم الحريق، كما تفتقر إلى الخصوصية؛ ليست الخيمة عيبًا بحد ذاتها، فلكل خيمة مميزات وعيوب، لكنها لم تُصمَّم يومًا لتأوي مئات الآلاف من الأسر لأكثر من عامين.

كابوس الخِيام يجب أن ينتهي فورًا، ويجب أن تُنظَّم مراكز الإيواء بطريقة آدمية تليق بالإنسان، وفق مواثيق ومقررات الأمم المتحدة وبرنامج UN-Habitat، بما يكفل الحق في السكن اللائق (Adequate Housing) لكل مواطن، وفق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 11 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR)؛ كما يجب صرف مساعدات عاجلة (Humanitarian Aid / Cash Assistance) وتعويض المتضررين من النزوح القسري (Forced Displacement)، لضمان حماية الحقوق الإنسانية والحد من معاناة المدنيين.

إيواء مؤقت

الإيواء المؤقت السليم حده الأدنى يعتمد على الكرفانات المجهزة بمواصفات فنية تتوفر فيها عوامل الأمان والسكن اللائق، وتكون تكلفتها اقتصادية ولمدة محدودة من الزمن، يُنقل إليها صاحب البيت المهدوم لحين إعادة إعمار منزله.

ويخير فيها المواطن إما بنقل الكرفان أمام بيته، أو قطعة أرض خاصة به تتوافر فيها شروط تنظيمية لدى البلديات، أو قبول العيش ضمن تجمعات ومراكز إيواء مقامة على أراضي حكومية أو أراضي خاصة مستأجرة؛ والأفضل أن يكون الإيواء ضمن تجمعات عائلية صغيرة.

وإن إعمار المنزل الواحد، إذا توفرت المواد والأموال والتراخيص المحلية، لا يتطلب أكثر من 6 أشهر؛ وهذه الكرفانات بعد الانتهاء من عمليات إعادة الإعمار يعاد استخدامها وتوزيعها للصالح العام والمرافق الحكومية أو تمنح للمواطنين، وهنا أكثر ما يُخشى أن يتطلب الأمر شروطًا إضافية، كالموافقات الدولية الجديدة.

توزيع عشوائي وغياب الرقابة

ظهرت تجمعات سكنية عشوائية لخيام النازحين بفعل الحرب الشرسة ووطأة النزوح القسري للسكان، وتجمع الناس في 56 % من أراضي القطاع المشبعة بالركام؛ فيها مسكنهم ومأكلهم ومشربهم، وتجد الخيام منتشرة على الطرقات، وسكن النازحون المرافق العامة المهدمة وغير المهدمة من مدارس وملاعب ومستشفيات ومتنزهات عامة.

ومن كان يتخيل أن يتحول متنزه الجندي المجهول مثلا إلى أكبر ساحة إيواء؟ وتحت وطأة الحرب والنزوح، أقام الناس خيامهم على أراضي خاصة وأراضي حكومية، وسكنوا شاطئ البحر في ظروف معقدة على الصعيد الإنساني والبيئي والاجتماعي.

فيما شرعت العديد من الجهات والمؤسسات بإنشاء مراكز إيواء بدون أدنى المقومات والمعايير الفنية Sphere Standards؛ وهنا لا نشير للخيام التي لا تليق بالإيواء فحسب، بل نتحدث عن عدم توفر البنية التحتية الأساسية من مياه وصرف صحي وطرق وممرات آمنة، والعدد الكافي والملائم من الحمامات والمرافق والخدمات الأولية من نقاط طبية ومراكز تعليمية وغيرها؛ والحقيقة أن أعداد النازحين خارج مراكز الإيواء يفوق أضعاف من هم داخلها.

سياسات الإغاثة والإيواء

لقد ركزت غالبية المؤسسات على تقديم الخدمات لسكان مراكز الإيواء، وتجاهلت المقيمين في خيام خارجها، وتجاهلت النازحين لدى الأقارب والأصدقاء والمستأجرين، ولم تميز لفترة طويلة من الزمن بين حاجات النازح وحاجات صاحب البيت المهدوم أو البيت المحروق؛ فكان المطلوب حصر دوري للنازحين، وإضافة تعريف وتأصيل مفهوم النزوح، والتمييز بين حاجات النازح والمقيم وأصحاب البيوت المهدمة والمحترقة، وتوجيه المساعدة وفق الحاجة.

وبالنظر إلى التجارب في الحروب السابقة، فقد تم توزيع مبالغ إغاثية عاجلة لأصحاب الهدم الكلي وصلت إلى 10 آلاف دولار، وفي الظروف التي يعيشها أهل غزة اليوم فإن المبلغ المطلوب يتجاوز الـ 20 ألف دولار لتوفير أثاث و ملابس وبدل معيشة واستئجار وحدة سكنية، علمًا أنه لم يتم توزيع أي من هذه المبالغ حتى الآن.

وقد كانت فيما سبق الجهات الأممية كـ UNDP ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين مع وزارة الأشغال العامة والإسكان تقوم بحصر الأضرار واعتماد القوائم؛ اليوم اختلفت الظروف، ومؤخرًا بدأت UNDP والمجلس الفلسطيني للإسكان والهيئة العربية للإعمار بالشراكة مع السلطة الفلسطينية بعمليات حصر للأضرار، والتي يُرجى أن تكون أساسًا لعمليات الإغاثة والإيواء المتأخرة.

الكرفانات والسكن الدائم

بعد عامين من النزوح وتدمير المنازل، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من مليون شخص يعيشون في خيام وملاجئ مؤقتة، بينما يواجه 795 ألف شخص ظروفًا صعبة في مواقع نزوح موزعة على 761 مركزًا، معظمها معرضة للمخاطر الطبيعية (OCHA, 2026).

وهنا فإن المواطن زمنياً بحاجة للانتقال إلى السكن الدائم؛ وهو أمر مرهون بالمتغيرات السياسية، وان دخول الكرفانات لا يعني انتهاء أزمة الأسر المنكوبة، ويُخشى أن يتحول الكرفان إلى سكن دائم؛ وقد اعتاد الاحتلال، خلال كافة الحروب السابقة، على عرقلة عملية إعادة الإعمار ومنع إدخال مواد البناء.

وهنا فإن الأمر يحتاج إلى دور مسؤول في تنظيم مراكز الإيواء وتقييمها فنيًا، وإعادة تخطيطها لتحويلها إلى تجمعات سكنية مؤقتة تراعي معايير الاستدامة، وتضمن الحق في السكن اللائق (Adequate Housing) لكل نازح، وفق معايير الأمم المتحدة وبرنامج UN-Habitat.

الأسمنت عصب البناء وإعادة الإعمار

حتى الآن، وبعد عامين من الحرب، لم يسمح الاحتلال بإدخال مواد البناء وخاصة مادة الاسمنت، ولو دخل الأسمنت لشرع الناس بالبناء بأنفسهم؛ فالأسمنت يحتاج إلى الحصمة والحديد، والحصول عليه لن يكون صعبًا في ظل وجود الركام، والذي يجيد أهل غزة التعامل معه وإعادة تدويره.

لقد ظهرت كثير من الاجتهادات والمحاولات خلال السنوات الماضية لإيجاد بدائل كالطين والرمل المضغوط لكنها فشلت ولم تنجح، ومهما توفرت الأموال اللازمة للاعمار فإن البداية الحقيقية تكون مع تدفق مواد البناء بكميات كافية وبدون عراقيل.

ما هو المطلوب

يقع على عاتق الجهات المسؤولة تنظيم المشهد، وإزالة العشوائية، وتوحيد المفاهيم، وترسيخ مبدأ الشفافية والعدالة في توزيع المساعدات وفق الحاجة والاستحقاق والعمل على:

- إدخال الكرفانات وانهاء حقبة الخيام.

- تنظيم مراكز الإيواء من النواحي الفنية والإدارية.

- إغلاق المراكز التي لا تفي بالحد الأدنى من المتطلبات.

- التركيز على إدخال مواد البناء لغزة.

- إدخال مئات المعدات والآليات والبدء الفوري بإزالة الأنقاض.

- البدء الفوري بإنشاء مدن سكنية جديدة وإعادة إعمار المدن المصرية والقطرية ومدينة الشيخ زايد ومدينة الملك سلمان والأمير نايف والأحياء السكنية التي بنتها إيطاليا والكويت وغيرها، وهي مدن كانت مقامة قبل الحرب وجزء منها كان قيد الإنشاء وتم تدميرها خلال الحرب.

- تجهيز مراكز إيواء مؤقتة لمناطق منكوبة بالكامل مثل مخيم جباليا، ونقل السكان فيها و إنقاذهم من العيش وسط الركام الموحش.

- صرف مبالغ إغاثة وايواء عاجلة لا تقل عن 20 الف دولار لكل أسرة هدمت منازلها بشكل كامل و10 آلاف دولار لكل منزل هدم بشكل غير صالح للسكن.