اليوم الجمعة ٠٦ فبراير ٢٠٢٦م

غزة ما بين "اقتصاد الندرة" و"التهريب المدار"

اليوم, ٦:٠١:٢٥ م
حسن لافي
الاقتصادية

بقلم/ حسن لافي 

لا يمكن فهم ما جرى في قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة باعتباره مجرد حصار عسكري أو أزمة إنسانية طارئة. ما تكشّف تدريجيًا هو نظام إدارة شامل للحياة، يقوم على ضبط الغذاء والدواء والوقود كأدوات سياسية وأمنية. ضمن هذا النظام، لم تكن التجارة السوداء، من خلال سرقة المساعدات، والتهريب، ظواهر هامشية، بل تحوّلت إلى آلية وظيفية لإدامة منطق الحصار .

التحوّل المفصلي في هذا الفهم جاء مطلع عام 2026، عندما كشفت إسرائيل قضية تهريب بضائع شارك فيها جنود احتياط وضباط، استخدموا آليات عسكرية وبوابات عملياتية لإدخال بضائع إلى غزة خلال الحرب. هذه القضية لم تضف معلومة جديدة فحسب، بل كشفت أن التهريب كان جزءًا من منظومة السيطرة نفسها، وليس خرقًا لها.

الحصار وإدارة الندرة

الحصار على غزة لم يُصمَّم لإغلاق القطاع بالكامل، بل لإبقائه في حالة ندرة مُدارة. فالسلع لا تختفي، لكنها تصبح محدودة الوصول، مرتفعة السعر، ومحصورة بيد قلة من الوسطاء. هذه الندرة تخلق اعتمادًا اقتصاديًا مباشرًا على عدد محدود من الفاعلين، مما يضمن بقاء المجتمع هشًا دون انهيار كامل، ويحافظ على قدرة إسرائيل على إدارة القطاع بعيدًا عن التدخل الدولي المباشر .

وقد أشار تقرير الأونكتاد لعام 2025 إلى أن اقتصاد غزة انكمش بنسبة 83% في عام 2024، وأن القيود المفروضة على التجارة والحركة والوصول إلى الموارد أدت إلى تفكيك القاعدة الإنتاجية وخلق تبعية كاملة للمساعدات الخارجية.

التهريب كآلية ضبط

في هذا السياق، لا يمثل التهريب فشلًا أمنيًا، بل قناة اختيارية لإدارة التدفق. فالمعابر المفتوحة والرقابة الدولية تُقلص قدرة السيطرة، بينما يوفّر التهريب الانتقائي مزايا حصر مسارات الدخول، تقليص عدد الفاعلين، خلق تبعية اقتصادية، وضبط الأسعار والاستهلاك .

قضية تهريب الجنود الإسرائيليين تجسّد هذا المنطق عمليًا: البضائع لم تدخل عبر شبكات خارج السيطرة، بل من داخل النظام العسكري نفسه، مستخدمة أدوات مخصصة للحصار. هذا يظهر سيطرة انتقائية متعمدة وليس غيابها 

دور السلع المهربة.

تشير لوائح الاتهام في قضية التهريب إلى تهريب سجائر، تبغ، أجهزة اتصال وهواتف ذكية . هذه السلع ليست عشوائية، بل تمثل العمود الفقري لاقتصاد الندرة: فهي عالية الربحية، غير خاضعة للتوزيع السكاني، سهلة التخزين والتداول، ومركزية لبناء النفوذ الاجتماعي. اختيار هذه السلع يؤكد أن الهدف ليس تلبية احتياجات إنسانية، بل إعادة تشكيل السوق بما يخدم الاستراتيجية الأمنية.

الحرب الشاملة: الاقتصاد كساحة للصراع

إسرائيل لم تقتصر على الضربات العسكرية، بل أدارت حربًا على البنية الاقتصادية: المصانع، الورش، الأراضي الزراعية، شبكات التوزيع ومصادر الطاقة كانت أهدافًا استراتيجية. الهدف ليس التدمير فحسب، بل إعادة هندسة أدوات الإنتاج والسيطرة على المجتمع. اعتماد السكان على السوق الضيقة والوسطاء يخلق بنية اجتماعية قابلة للإدارة والتحكم، ما يحول الصراع من مواجهة سياسية مباشرة إلى إدارة اقتصادية حياتية، ويجعل المجتمع أكثر هشاشة واعتمادًا على سلطات محددة .

التهريب كأداة استراتيجية وإطالة أمد الحرب

القضية تظهر أن الأمن الإسرائيلي كان على علم بأن السلع المهربة تُفرض عليها ضرائب تعود إلى خزينة حماس. عدم التدخل الفوري يمكن تفسيره بوظيفة استراتيجية: خلق شبكات تبعية اقتصادية يمكن مراقبتها، ضمان استمرار عمل المؤسسات الأساسية في القطاع دون انهيار كامل، وإدارة التمويل الجزئي لحماس بما يطيل أمد الحرب دون تمكينها اقتصاديًا كاملاً. التهريب هنا ليس مجرد فساد فردي، بل أداة لإدارة الصراع، تُبقي غزة تحت رقابة صارمة، وتحدد من يملك الموارد، وتسمح بضبط الحياة اليومية للسكان

ضبط المجتمع عبر السوق.

اقتصاد التهريب يسمح بتوجيه المجتمع عبر السوق نفسه، حيث يخلق حصر السلع بيد عدد محدود من الوسطاء: نخب اقتصادية بلا شرعية سياسية، علاقات تبعية قائمة على الحاجة لا على التمثيل، وتفكك اجتماعي يحل فيه الصراع المعيشي محل الفعل السياسي. من منظور أمني، هذا أكثر فاعلية من المواجهة المباشرة، لأنه يحافظ على المجتمع هشًا، قابلًا للإدارة، ومستعدًا للتبعية.

قضية تهريب الجنود تكشف أن الحصار ليس مجرد ضغط عسكري، بل إدارة استراتيجية للحياة الاقتصادية والاجتماعية في غزة. التهريب، السوق السوداء، وسيطرة النخب المحدودة ليست آثارًا جانبية، بل أدوات وظيفية للحفاظ على الهيمنة. ما يثير الانتباه هو أن هذا النموذج قد يشكل أساسًا لاستمرارية إدارة الصراع على المدى الطويل، إذ يتحكم في الموارد، يوجه المجتمع، ويجعل السكان أكثر اعتمادًا على شبكات محددة، مما يعكس كيف يمكن للحصار أن يتحول إلى أداة هندسة اجتماعية وسياسية أكثر تعقيدًا من مجرد حرب عسكرية.