بقلم/ الخبير الاقتصادي محمد سليم سكيك
يشهد قطاع غزة واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تداخلت آثار الحرب مع الانهيار الاقتصادي والتراجع الحاد في مستويات الأمن الغذائي، ما جعل غالبية السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية كمصدر رئيسي للغذاء. وفي هذا السياق، برزت جهود العديد من المؤسسات الدولية والإغاثية، ومن بينها منظمة المطبخ المركزي العالمي (World Central Kitchen – WCK)، التي لعبت دوراً مهماً في توفير وجبات جاهزة للمتضررين خلال فترات الطوارئ.
ورغم أهمية هذه الجهود الإنسانية النبيلة، إلا أن التجربة الميدانية في قطاع غزة تكشف الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة لسياسات الإطعام الحالية، بما يضمن تحقيق أعلى مستويات الكفاءة في استخدام الموارد، وتقليل الهدر الغذائي، والأهم من ذلك تعزيز كرامة المواطنين وتمكينهم اقتصادياً واجتماعياً.
أولاً: تحديات نموذج الوجبات الجاهزة في غزة
تعتمد العديد من البرامج الإغاثية على توزيع وجبات جاهزة كحل سريع للاستجابة الطارئة، وهو نموذج أثبت فعاليته في المراحل الأولى للأزمات الحادة. لكن استمرار هذا النموذج لفترات طويلة في قطاع غزة أفرز مجموعة من التحديات، أبرزها:
1. ارتفاع معدلات الهدر الغذائي
تشير الملاحظات الميدانية إلى أن جزءاً ملحوظاً من الوجبات الجاهزة لا يتم استهلاكه بالكامل، نتيجة عدة عوامل مثل:
عدم توافق بعض مكونات الوجبات مع العادات الغذائية المحلية.
محدودية القدرة على حفظ الطعام في ظل انقطاع الكهرباء وغياب وسائل التبريد.
وصول الوجبات في أوقات لا تتناسب مع احتياجات الأسر أو عدد أفرادها.
هذا الهدر لا يمثل خسارة مالية فحسب، بل يعني أيضاً ضياع موارد غذائية كان يمكن أن تصل إلى أسر أخرى بحاجة ماسة إليها.
2. تراجع دور الاقتصاد المحلي
إن الاعتماد على الوجبات الجاهزة يقلل من فرص تشغيل الأسواق المحلية، ويضعف حركة الإنتاج الزراعي والصناعي داخل القطاع. وفي ظل اقتصاد يعاني أصلاً من الانكماش الحاد وارتفاع معدلات البطالة، فإن تجاهل سلاسل التوريد المحلية يفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
3. الأثر النفسي والاجتماعي على المواطنين
توزيع الوجبات الجاهزة، رغم ضرورته في بعض الحالات، قد يضعف شعور الأسر بالاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار الغذائي، حيث تفقد العائلة حق اختيار نوع الطعام المناسب لها، ما يؤثر على كرامة الإنسان وخصوصيته الثقافية والاجتماعية.
ثانياً: القسائم الشرائية كبديل استراتيجي مستدام
أثبتت برامج القسائم الشرائية نجاحها في العديد من الأزمات الإنسانية حول العالم، لما توفره من مزايا متعددة تجمع بين الإغاثة الإنسانية والتنمية الاقتصادية.
1. الحفاظ على كرامة الإنسان
القسائم الشرائية تمنح الأسر حرية اختيار احتياجاتها الغذائية وفقاً لأولوياتها وثقافتها الغذائية، وهو ما يعزز الشعور بالاحترام والتمكين الذاتي، ويقلل من حالة الاعتماد الكامل على المساعدات المباشرة.
2. تقليل الهدر الغذائي
عندما تقوم الأسر بشراء احتياجاتها بنفسها، فإنها تميل إلى استهلاك الغذاء بشكل أكثر كفاءة، ما يحد بشكل كبير من كميات الطعام المهدرة مقارنة بالوجبات الجاهزة.
3. تنشيط الاقتصاد المحلي
تساهم القسائم الشرائية في:
دعم التجار المحليين.
تعزيز حركة الأسواق.
تحفيز الإنتاج الزراعي والغذائي.
توفير فرص عمل جديدة داخل المجتمع.
وهذا يخلق أثراً اقتصادياً مضاعفاً يتجاوز مجرد تقديم المساعدات الغذائية.
ثالثاً: التكامل بين الاستجابة الطارئة والتنمية الاقتصادية
لا يعني التحول إلى نظام القسائم الشرائية إلغاء دور الوجبات الجاهزة بشكل كامل، بل يتطلب اعتماد نموذج متوازن يقوم على:
استخدام الوجبات الجاهزة في حالات النزوح والطوارئ الحادة.
التوسع التدريجي في برامج القسائم الشرائية في المناطق المستقرة نسبياً.
دعم المطابخ المحلية والمشاريع الصغيرة كشركاء في تقديم الغذاء.
هذا النهج يحقق استجابة إنسانية أكثر مرونة واستدامة.
رابعاً: توصيات عملية للمطبخ المركزي العالمي
يمكن لمنظمة WCK تعزيز أثر تدخلاتها الإنسانية في قطاع غزة من خلال مجموعة من الإجراءات العملية، من أبرزها:
إجراء تقييم ميداني شامل لقياس حجم الهدر الغذائي في برامج الوجبات الجاهزة.
إطلاق برامج تجريبية للقسائم الشرائية بالتعاون مع التجار المحليين.
دعم سلاسل التوريد المحلية من خلال شراء المنتجات الغذائية من داخل القطاع.
تطوير آليات رقابة وتقييم لضمان كفاءة توزيع الموارد.
إشراك المجتمع المحلي في تصميم البرامج الغذائية لضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية.
خامساً: نحو نموذج إنساني أكثر احتراماً للإنسان
إن العمل الإغاثي لا يقتصر على توفير الغذاء فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تعزيز كرامة الإنسان وحمايته من الوقوع في دائرة الاعتماد الدائم على المساعدات. ومن هنا، فإن تبني سياسات أكثر مرونة وابتكاراً، مثل القسائم الشرائية، يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق التوازن بين الاستجابة الإنسانية والتنمية الاقتصادية.
لقد قدم المطبخ المركزي العالمي جهوداً إنسانية كبيرة تستحق التقدير في قطاع غزة، إلا أن تطور طبيعة الأزمة يتطلب تطوير أدوات التدخل الإغاثي بما يواكب احتياجات المجتمع الفلسطيني ويحافظ على كرامته ، إن التحول التدريجي نحو القسائم الشرائية وتقليل الاعتماد على الوجبات الجاهزة يمكن أن يشكل نموذجاً أكثر كفاءة واستدامة، يحقق الأثر الإنساني والاقتصادي في آن واحد.
إن غزة تحتاج إلى سياسات إغاثية تعزز صمود الإنسان وتحافظ على كرامته وتعيد الحياة .

