وكالات/ الاقتصادية
دخلت سوق العملات المشفرة مرحلة هبوط حاد، مع تراجعات جماعية تجاوزت 11% خلال الأسبوع الثاني من فبراير/شباط الجاري، في ظل ضعف الثقة وغياب شهية المخاطرة.
وتصدرت سولانا الخسائر بانخفاض 27.25%، بينما كانت ريبل الأقل تضرراً بخسارة 11.96%، وفق منصات تتبع أسعار العملات المشفرة.
وخلال عشرة أسابيع، فقدت سولانا 37.9% مقابل تراجع بيتكوين 23.6%.. كما سجلت إيثريوم هبوطاً 32.8% ودوجكوين نحو 16%. وخسرت بيتكوين قرابة 15 ألف دولار لتلامس 60 ألفاً، وهو أدنى مستوى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024.
وقال محلل الأسواق جوليان بينيدا، في تحليل نشره على موقع "فوركس" أمس الأحد، إن سوق العملات المشفرة دخلت مرحلة ضعف هيكلي تتجاوز كونها مجرد تصحيح عابر، مع ترسخ اتجاه هبوطي عام وفقدان واضح للثقة، واصفاً السلوك الحالي للسوق بأنه "استسلام تدريجي لدى المستثمرين".
وتوقع بينيدا استمرار الضغوط البيعية على المدى القصير، مع بقاء احتمالات التراجع قائمة ما لم تظهر محفزات قوية تعيد السيولة والثقة إلى السوق.
وأشار إلى وجود ترابط مرتفع بين العملات يدل على تحرك السوق باعتبارها وحدة واحدة تحت ضغط المخاطر العامة بدلاً من عوامل خاصة بكل مشروع، وهو ما يزيد من هشاشة السوق أمام أي صدمات جديدة، بحسب تحليله. وتشير بيانات الارتباطات السوقية إلى أن العملات المشفرة تتحرك بصورة متزامنة مع بيتكوين، مع معاملات ارتباط تفوق 0.9.
وأكد بينيدا أن الأداء الأسبوعي للعملات يعكس استمرار مرحلة "الشتاء المشفر"، حيث تتزايد الضغوط البيعية في ظل غياب محفزات إيجابية.
ويأتي استمرار التراجع الحاد للعملات المشفرة خلال الأسابيع الأخيرة، رغم الدعم الواسع من الرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته.
فقد تعهد ترامب بجعل الولايات المتحدة "قوة عظمى في بيتكوين" و"عاصمة الكريبتو في العالم"، ووقع أمراً تنفيذياً لتعزيز الأصول الرقمية، كما اتبعت الجهات التنظيمية سياسات داعمة.
وبدأت صناديق بيتكوين المتداولة التداول قبل نحو عامين، ما سهل على المستثمرين الوصول إلى الكريبتو، وفق شبكة "CNBC" الأميركية. وكتب باري بانيستر، كبير استراتيجيي الأسهم لدى شركة "ستيفل" الأميركية للخدمات المالية والاستثمارية، في مذكرة بحثية الأربعاء الماضي، أن بيتكوين قد يهبط في نهاية المطاف إلى نحو 38 ألف دولار، أي ما يعادل انخفاضا يقارب 70%. ومن جهته، قال مات هوغان، كبير مسؤولي الاستثمار لدى "بيتوايز" لإدارة الأصول: "هذا ليس تصحيحاً في سوق صاعدة أو مجرد تراجع عابر؛ بل هو شتاء كريبتو كامل القوة على غرار ما شهدناه في عام 2022."
تداعيات الهبوط
وبدأت تداعيات هبوط سوق العملات المشفرة تظهر بوضوح مع إعلان منصة جيميني تسريح 25% من موظفيها وإنهاء عملياتها في عدة أسواق، في خطوة تعكس ضغوطاً متزايدة على القطاع. واعتبر المسؤول السابق في هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية كوري فراير أن الوضع الحالي يشبه موجة التقليص الواسعة التي شهدها السوق في 2022.
كما طاولت الضغوط الشركات المدرجة أيضاً، إذ سجلت شركة "استراتيجي" (التي تمتلك أكثر من 700 ألف بيتكوين) خسارة صافية بلغت 12.4 مليار دولار في الربع الأخير من 2025، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".
وقالت الصحيفة: "حتى عائلة ترامب لم تسلم. فقد هبطت عملة WLFI المرتبطة بأحد مشاريعه بنحو 50% منذ سبتمبر/أيلول الماضي، كما تراجع سهم شركة تعدين بيتكوين مدعومة من أبنائه.
ومنذ إنشاء بيتكوين في 2008، مرت الصناعة بدورات ازدهار وانكماش متكررة. لكن عندما بلغ السعر 100 ألف دولار في ديسمبر/كانون الثاني 2024، ظن كثيرون أن السوق دخلت مرحلة استقرار جديدة، خاصة بعد وعود ترامب بإنهاء التضييق التنظيمي على الكريبتو، وإطلاقه إمبراطورية كريبتو خاصة بعلامته، مع رموز رقمية ومشروع يديره أبناؤه.
وبعد صعود بيتكوين إلى 100 ألف دولار أواخر 2024، زاد تفاؤل المستثمرين لدرجة أن بعضهم توقع وصول بيتكوين إلى 250 ألف دولار خلال عام، وآخرون توقعوا أن يتجاوز سعر بيتكوين حاجز المليون دولار، منهم الرئيس التنفيذي لشركة "استراتيجي" مايكل سايلور، ومؤسس تويتر ومالك منصة "بلوك" جاك دورسي.
كما توقعت الرئيسة التنفيذية لعملاق إدارة الصناديق والثروات "آرك إنفستمنت" كاثي وود أن يصل سعر بيتكوين إلى 1.5 مليون دولار بحلول عام 2030. لكن ذلك الصعود لم يستمر، وتعرضت الصناعة منذ الخريف الماضي لسلسلة انتكاسات قاسية، منها تعثر تمرير تشريع شامل بمجلس الشيوخ الأميركي، يوفر قواعد تنظيمية ملائمة، بسبب خلاف حول أحد بنوده، ووعود دعم تنظيمي لم تتحقق.
وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الحكومة لا تملك سلطة إلزام البنوك بشراء بيتكوين لدعم السعر، وفق "نيويورك تايمز".
ضبابية المشهد
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، عبّر بعض خبراء العملات المشفرة عن حالة من التشاؤم، مشيرين إلى أن الروح المثالية التي رافقت بدايات القطاع تراجعت لصالح السعي وراء الأرباح السريعة.
وكتب يفغيني غاييفوي، مؤسس شركة التداول وينترميوت، أن "الغاية الأساسية من وجود بيتكوين تراجعت خلف فكرة السعر يرتفع… وينطبق ذلك على معظم سوق الكريبتو".
لكنه أضاف أنه لا يزال متفائلاً بمستقبل الصناعة ككل. وقال خبراء إن الواقع السياسي الحالي يعمق حيرة سوق الكريبتو، فالنقاشات المثارة حول مشاريع رموز ذات طابع سياسي، إلى جانب البطء التشريعي في إقرار أطر تنظيمية واضحة، أدت إلى فتور الحماسة لدى المستثمرين المؤسسيين. وفي الوقت نفسه، يظل ارتفاع التضخم ومستويات أسعار الفائدة عنصر ضغط إضافي على الأصول عالية المخاطر.
وفيما يتجدد الحديث عن دخول السوق مرحلة "شتاء كريبتو"، يرى محللون أن الانخفاضات الحادة ليست جديدة على هذا القطاع الذي اعتاد دورات ازدهار وانكماش متعاقبة. غير أن الدورة الحالية تختلف في عدة جوانب، أبرزها غياب انهيار شركة كبرى حتى الآن، واستمرار عمل البنية التحتية للسوق بدرجة أعلى من النضج، إضافة إلى بقاء الاهتمام المؤسسي قائماً، وإن بوتيرة أكثر حذراً.
كما تواجه السوق منافسة متزايدة على السيولة من أصول رقمية وأسواق مضاربة أخرى. ورغم ذلك، يحذر بعض المحللين من أن استمرار الضغوط البيعية قد يكشف هشاشة كامنة لدى شركات مثقلة بالديون أو كيانات استثمارية تعتمد على التمويل بالاقتراض.
وفي المقابل، يتمسك المستثمرون طويلو الأجل بنظرة أكثر تفاؤلاً، مشيرين إلى أن الدورات السابقة انتهت دائماً بقمم سعرية جديدة، مع إقرارهم بأن التعافي الحالي - إن حدث - قد يكون أبطأ، وأن السوق لم تعد تتحرك استناداً إلى السرديات العاطفية وحدها، بل إلى اعتبارات هيكلية أعمق.

