غزة/ خاص الاقتصادية
أيام قليلة تفصل غزة عن استقبال شهر رمضان المبارك، ولكن لا تبدو غزة كما عرفها أهلها مع اقتراب الشهر الكريم،. فبدلا من الحركة النشطة التي كانت تسبق شهر رمضان، يخيّم واقع مثقل بالقلق وشحّ السلع وتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة.
ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، يعيش عشرات آلاف النازحين في قطاع غزة حالة من القلق والفقد، حيث فقد عشرات الآلاف منازلهم ومصدر دخلهم وبات الأغلب يعتمد على المساعدات الإغاثية والتكيات في الحصول على الطعام، حيث إن انعدام مصادر الدخل لا يمثل مشكلة اقتصادية فحسب، بل هو أزمة وجودية، إنسانية واجتماعية، تتهدد كرامة الإنسان وقدرته على الصمود.
ويظهر جليا أن أزمة انعدام مصادر الدخل في قطاع غزة هي جوهر الكارثة الإنسانية. فمع تدمير كل مقوم اقتصادي وارتفاع البطالة إلى هذه المستويات المخيفة، أصبح التعافي الاقتصادي تحديا وجوديا يفوق في أهميته تحدي إعادة الإعمار المادي.
إن استمرار هذا الشلل يعني تحويل القطاع إلى منطقة إغاثية بشكل دائم، مما يقوض كرامة الإنسان الفلسطيني وقدرته على بناء مستقبله. إن العودة إلى الحياة الكريمة في غزة لا يمكن أن تتحقق إلا عندما يتمكن أبناؤها من استعادة حقهم الأساسي في العمل والإنتاج وإعالة أسرهم.
تأخر الرواتب
ويقول محمد مروان بربخ مدير عام الإدارة العامة للدراسات والتطوير والتنمية الاقتصادية بوزارة الاقتصاد إن حركة الأسواق اختلفت بالفعل قبل الحرب وبعدها وحتى فيما يخص الأشهر الرمضانية وحتى نمط الاستهلاك باتجاه السلع الضرورية والكمالية.
وأوضح بربخ في حديثه مع الاقتصادية إن شهر رمضان معروف بطبيعته حيث يزيد فيه معدلات الاستهلاك، لكن الواقع يشير إلى ترشيد الانفاق والتركيز على السلع الأساسية فقط، في ظل ضيق السيولة النقدية وتراجع مصادر الدخل، خاصة في ظل استمرار تأخر رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، والتقليصات التي طالت موظفي وكالة الغوث (الأونروا)، إضافة إلى عدم انتظام صرف رواتب موظفي غزة، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، ويؤدي إلى حالة من الركود في الأسواق، وانتشار ظاهرة الدين والشراء الأجل وما تحمله من اشكاليات مستقبلية.
تأثير التطورات السياسية وقلق المواطنين
وأشار بربخ إلى إن هناك حالة من القلق والخوف نتيجة تأخر الانتقال للمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار إلا وفق الشروط الإسرائيلية ، وهذا الأمر ينعكس على الاستقرار الاقتصادي، وقرارات الاستثمار، والمواطن الغزي تضغط عليه المخاوف من عودة التصعيد، وهو ما ينغَّص فرحة استقبال الشهر الفضيل، الذي يفترض أن يكون موسم طمأنينة وتكافل.
وأكد بريخ أن المطلوب من السلطة والمؤسسات الدولية في هذه المرحلة الحساسة الإسراع في صرف الرواتب والمستحقات المالية دون تأخير، لما لذلك من أثر مباشر في تحريك العجلة الاقتصادية، وتعزيز برامج المساعدات النقدية والغذائية للأسر الأكثر هشاشة.
ودعا بريخ إلى زيادة تدخل المؤسسات الدولية لدعم الأمن الغذائي وضمان تدفق السلع الأساسية، وتوفير آليات رقابية لضبط الأسعار ومنع الاستغلال، بالإضافة لضرورة التنسيق بين الجهات المختلفة حكومة مؤسسات دولية قطاع خاص تجاري للاستجابة لمتطلبات رمضان وخصوصيته.
متابعة وزارة الاقتصاد لحركة الأسواق
وأشار بربخ إلى أن وزارة الاقتصاد تتابع حركة الأسواق بشكل يومي من خلال طواقم حماية المستهلك، مع التركيز على مراقبة الأسعار والتأكد من عدم وجود احتكار أو استغلال، وفحص المواد الغذائية وجودتها، بالإضافة إلى التنسيق مع التجار لضمان استمرار تدفق سلاسل التوريد.
قفزة تاريخية في معدلات البطالة
قبل العدوان الأخير، كان قطاع غزة يسجل بالفعل واحدة من أعلى معدلات البطالة في العالم، إذ بلغت النسبة الإجمالية نحو 45% في الربع الثالث من عام 2023، وترتفع بين فئة الشباب الخريجين إلى نحو 73%. لكن مع اندلاع الحرب، ارتفعت هذه النسبة بشكل غير مسبوق، بما يعكس حجم الكارثة الاقتصادية:
تشير تقديرات منظمات دولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن معدل البطالة في قطاع غزة قفز ليقارب 80% (79.1% وفقا لمنظمة العمل الدولية) منذ بدء العمليات العسكرية. هذا الارتفاع الجنوني يعني أن معظم القوى العاملة تحولت إلى عاطلة عن العمل أو مشردة.
أزمة السيولة
من جانبه، قال المختص في الشأن الاقتصادي ماجد أبو دية، إن شهر رمضان المبارك يأتي في وقت ما زال فيه شعبنا في غزة مشرد في اماكن النزوح ومراكز الايواء للعام الثالث على التوالي، في ظروف معيشية متدهورة، خاصة مع تأخر رواتب موظفي السلطة وصرفها بنسبة لا تزيد عن 60%، وهذا ينعكس بشكل مباشر على القوة الشرائية للأسر، خاصة وأن رواتب العاملين في القطاع العام تشكّل مصدر الدخل الرئيسي لشرائح واسعة من المجتمع.
وأشار أبو دية في حديثه مع الاقتصادية إلى أن هذا التأخير يفاقم أزمة السيولة ويحد من قدرتهم على تلبية الاحتياجات الضرورية، خصوصًا في ظل ارتفاع الأسعار والتضخم المستمر.
وقال: " كما شهدنا الفترة السابقة تقليصات طالت موظفي الأونروا أثّرت على مئات الأسر التي تعتمد على خدمات الوكالة كمصدر للدخل والدعم. وهذا ادى الى زيادة الضغوط الاجتماعية".
وأكد أبو دية أن عدم انتظام رواتب حكومة غزة يضيف عبئًا إضافيًا على الأسر في القطاع، حيث يتعين على هذه الأسر مواجهة واقع اقتصادي قاسٍ قائم على انعدام الاستقرار المالي، وارتفاع معدلات البطالة ونقص فرص العمل.
وتشير البيانات أن عدد الأسر المحتاجة في قطاع غزة قفز من 86 ألف أسرة قبل العدوان إلى نحو 320 ألف أسرة حالياً، وهو ما يمثل حوالي 85% من إجمالي أسر القطاع
وأكد أبو دية على أن يكون للسلطة الفلسطينية والمؤسسات الدولية تحرك عاجل ومنسق لتخفيف الأعباء عن المواطنين، خاصة الفئات الأكثر هشاشة، وذلك بالإسراع بصرف الرواتب أو جزء كبير منها قبل رمضان حتى لو بشكل دفعات أو سلفة طارئة، لضمان قدرة الأسر على تلبية الاحتياجات الأساسية.
واختتم حديثه قائلاً:" مطلوب ضبط الأسواق ومنع الاحتكار، وإطلاق حملات تكافل مجتمعي منظمة بالتنسيق مع المؤسسات الخيرية لضمان عدالة توزيع المساعدات، ودعم سلال غذائية ومواد تموينية، وبرامج قسائم شرائية (Voucher System) لدعم السوق المحلي بدل إغراقه بالمساعدات العينية".

