بقلم/ماجد أبودية
في ظل الانهيار غير المسبوق للبنية الاقتصادية في قطاع غزة، وندرة السيولة النقدية، وتآكل النظام المصرفي، تتداول تقارير حول توجه مجلس السلام، بقيادة الرئيس الأمريكي ترامب، لإصدار عملة رقمية مستقرة (Stablecoin) مخصصة للتداول داخل قطاع غزة. ويُقدَّم المشروع باعتباره حلاً تقنياً لأزمة السيولة، وأداة لتنظيم المدفوعات وتعزيز الشفافية المالية.
لكن الحقيقة تكمن في جوهره .. ليس تقنياً بقدر ما هو سيادي أداة إنقاذ اقتصادي مؤقت، تؤدي الى إعادة تشكيل عميقة للواقع النقدي والسياسي في غزة.
خاصه ان المشروع قدمه رجل الاعمال التكنولوجي الاسرائيلي ليزان تانكمان وهو ضابط احتياط سابق بالحيش الاسرائيلي ويعمل مستشار في مجلس السلام، ويرى ان مشروع العملة الرقمية سيعمل على تجفيف موارد حماس المالية، وسيحيد النظام المالي الفلسطيني، ويعزل غزة عن باقي الوطن، ويلغي دور سلطة النقد، ويعزز نفوذ وسيطرة الشركات الاجنبية المستثمرة في اعمار غزة.
لا يمكن إنكار أن قطاع غزة يعاني أزمة نقدية خانقة. شح السيولة، وتقييد حركة الأموال، وصعوبة الوصول إلى النظام المصرفي، كلها عوامل تجعل أي حل رقمي يبدو جذاباً من حيث المبدأ. فالعملات الرقمية المستقرة المرتبطة بالدولار قد توفر:
سهولة في التحويلات
تقليل الاعتماد على النقد الورقي
ضبطاً أكبر لحركة الأموال
غير أن الاقتصاد لا يعمل في فراغ تقني؛ بل في إطار سياسي وقانوني واضح.
فالسياسة النقدية ليست مجرد أداة فنية، بل تعبير مباشر عن السيادة. وفي الحالة الفلسطينية، تمثل وحدة النظام المالي بين غزة والضفة الغربية ركناً من أركان وحدة السوق الوطنية.
إن إنشاء نظام نقدي رقمي خاص بغزة، خارج الإطار التنظيمي الوطني، سيؤدي عملياً إلى:
تكريس انفصال اقتصادي فعلي بين شطري الوطن، وإضعاف دور سلطة النقد الفلسطينية
يخلق واقع مالي موازٍ يصعب احتواؤه مستقبلاً وهنا تكمن الخطورة؛ فالتاريخ يُظهر أن التحولات النقدية غالباً ما تسبق التحولات السياسية، لا العكس.
المخاطر السياسية والقانونية
أي عملة تُدار أو تُراقب من جهات خارجية تمنح تلك الجهات قدرة على:
تتبع المعاملات المالية
تجميد الأرصدة
التحكم في تدفقات الأموال
وفي بيئة سياسية معقدة كغزة، قد تتحول الأداة الاقتصادية إلى أداة ضغط سياسي.
كما أن فرض أو اعتماد نظام نقدي دون توافق وطني شامل يثير إشكالية قانونية تتعلق بحق تقرير المصير الاقتصادي، وهو حق مكفول في القانون الدولي.
إذا كانت هناك حاجة فعلية لنظام مدفوعات رقمي، فإن الحل الأمثل هو تطوير منصة دفع رقمية وطنية بإشراف فلسطيني كامل تضمن وحدة النظام المالي بين غزة والضفة
لكن القضية ليست عملة رقمية بحد ذاتها، بل طبيعة السلطة التي ستديرها.
فإما أن تكون أداة تمكين اقتصادي تحت مظلة وطنية، وإما أن تتحول إلى مدخل لإعادة تشكيل الواقع السياسي والاقتصادي بعيداً عن الإرادة الفلسطينية.
وفي لحظات التحولات الكبرى، لا تكون القرارات الاقتصادية محايدة؛ بل ترسم ملامح المستقبل

