اليوم الجمعة ٢٧ فبراير ٢٠٢٦م

رمضان الصمود: بين قسوة الحرب وروح التكافل

أمس, ١٠:٣١:٤٨ م
سمير أبو مدللة
الاقتصادية

بقلم/ سمير مصطفي ابومدلله

يحلّ شهر رمضان هذا العام على قطاع غزة مثقلاً بأعباء حرب مستمرة، وواقع اقتصادي–إنساني غير مسبوق، حيث تتقاطع البطالة مع الفقر، ويختلط النزوح بانعدام مقومات الحياة الأساسية، في مشهد يعيد تعريف معنى الصوم والصبر معاً. فالشهر الذي اعتاد أن يكون موسم اجتماع العائلات وامتلاء الموائد، يأتي اليوم في ظل خيام النزوح، وبيوت مهدمة، وقلق يومي على لقمة الإفطار وماء السحور.
لقد أفضت الحرب إلى تدمير واسع في البنية التحتية وشلل في الأسواق ومصادر الدخل، ما رفع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية، وأفقد آلاف الأسر قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية. وباتت ميزانيات العائلات شبه معدومة، تعتمد على مساعدات محدودة أو مدخرات استُنزفت مع طول أمد الأزمة. في هذا السياق، لم يعد السؤال: ماذا سنُعد للإفطار؟ بل: هل سنجد ما يسدّ رمق الأطفال مع أذان المغرب؟
وتشير تقديرات أممية وتقارير مؤسسات إغاثية إلى أن الواقع المعيشي بلغ مستويات غير مسبوقة؛ إذ تجاوزت معدلات البطالة ثلثي القوة العاملة، وارتفعت نسب الفقر إلى مستويات قياسية، مع اعتماد غالبية السكان على المساعدات الإنسانية كمصدر رئيسي للبقاء. كما تراجعت القدرة الشرائية للأسر بشكل حاد نتيجة انهيار الدخل وارتفاع أسعار السلع الأساسية، فيما تقلّص النشاط الاقتصادي إلى حدوده الدنيا مع توقف عجلة الإنتاج وتعطل سلاسل الإمداد. هذه المؤشرات لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تصف واقعاً يومياً قاسياً يعيشه الصائمون وهم يوازنون بين الاحتياجات الأساسية وندرة الموارد.
في مخيمات النازحين، يتغير شكل رمضان بالكامل؛ خيام باردة مكتظة، وانعدام للخصوصية، وإفطار جماعي على ما يتوفر من معونات أو تبرعات متقطعة. لا كهرباء منتظمة تنير ليالي الصائمين، ولا مياه كافية تلبّي الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية، ولا طرق مهيأة تضمن تدفق الإمدادات بشكل مستقر. وهكذا تتحول أبسط تفاصيل الحياة الرمضانية إلى معادلة بقاء، يتداخل فيها العجز الإنساني مع قسوة الواقع المعيشي.
اقتصادياً، يعكس رمضان في ظل الحرب ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الطوارئ القسري”، حيث تختفي آليات السوق الطبيعية لتحل محلها موجات احتكار وارتفاع حاد في الأسعار نتيجة شح السلع وتقييد دخولها وارتفاع تكاليف النقل والتخزين. وفي المقابل، تتآكل دخول الأسر إلى حدود الصفر، ما يخلق فجوة معيشية حادة بين الاحتياجات الأساسية والقدرة على تلبيتها. ولم تعد المشكلة مقتصرة على الغذاء فحسب، بل امتدت لتشمل الدواء والوقود ومستلزمات النظافة، وهي عناصر تزداد أهميتها في شهر الصيام.
وفي ظل هذا المشهد، تبرز ظاهرة الاستغلال واحتكار السلع ورفع الأسعار بوصفها جريمة أخلاقية واقتصادية في آن واحد. فتجار الحروب الذين يضاعفون معاناة الناس عبر المضاربة والاحتكار لا يعتدون فقط على السوق، بل على كرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم خلال شهر يفترض أن تسوده الرحمة والتكافل. إن استمرار هذا السلوك دون مساءلة قانونية حازمة يهدد السلم المجتمعي، ويقوّض ثقة المواطنين بالمنظومة الاقتصادية والرقابية. وإن لم تطلهم يد العدالة، فإن يد المجتمع ووعيه الجمعي ورفضه الشعبي ستبقى قادرة على محاصرة كل أشكال الاستغلال والابتزاز المعيشي.
وتتعاظم المأساة مع تعثر وصول بعض المساعدات الإنسانية أو منعها في أوقات حرجة، الأمر الذي يضاعف الضغط على المجتمع المحلي ويقوض أحد أهم معاني رمضان: التكافل. فعندما تُحاصر الإغاثة، يصبح التضامن المجتمعي المحدود هو الملاذ الأخير، رغم ضآلة إمكاناته أمام اتساع رقعة الحاجة. وهنا يتحول الفقر من رقم إحصائي إلى تجربة يومية مؤلمة، يعيشها الصائم وهو يحاول تأمين وجبة متواضعة لأسرته وسط غلاء متسارع واحتكار خانق.
يزيد من قسوة المشهد تزامن رمضان مع شتاء بارد يفرض أعباء إضافية على الأسر النازحة التي تحتاج إلى وقود وأغطية وملابس، في وقت تعجز فيه عن توفير الغذاء نفسه.
ومع ذلك، يحافظ رمضان في غزة على بُعده الرمزي كمساحة للصمود الجمعي؛ إذ تحاول الأسر، رغم كل شيء، التمسك بما تبقى من الطقوس الرمضانية: دعاء جماعي، إفطار بسيط، أو مشاركة لقمة بين عائلتين نازحتين. هذه التفاصيل الصغيرة، وإن بدت هامشية اقتصادياً، تحمل قيمة اجتماعية ومعنوية كبيرة، إذ تعيد ترميم ما تصدّع من الروابط المجتمعية .

إن قراءة رمضان في غزة اليوم لا يمكن فصلها عن سياق اقتصاد الحرب، حيث تعطّل الإنتاج، وتراجعت التجارة، وارتفع الاعتماد على المساعدات، مع تضاؤل أي أفق قريب للتعافي. 
وفي المحصلة، يأتي رمضان هذا العام بوصفه مرآة مكثفة للأزمة الإنسانية–الاقتصادية التي يعيشها القطاع؛ شهر يجتمع فيه الفقر والبطالة والنزوح وغلاء الأسعار ومنع المساعدات تحت سقف حرب لا تتوقف. ورغم ذلك، يظل الصائم الغزّي شاهداً على قدرة الإنسان على التمسك بالمعنى الإنساني للرمضان، حتى وهو يعيشه في أقسى ظروف الحرب: صيامٌ على القليل، وصبرٌ على الكثير، وأملٌ بأن يأتي رمضان القادم وقد استعادت الحياة مقوماتها، وعاد للموائد دفؤها، وللإنسان كرامته الاقتصادية والإنسانية.
ويبقى النداء الأخير موجهاً إلى المجتمع نفسه: إن قسوة الحرب لا تُواجَه إلا بتكافل الناس مع بعضهم البعض، والوقوف إلى جانب الفقراء والنازحين ومن فقدوا مصادر رزقهم. فمبادرات تقاسم الطعام، ودعم الأسر الأشد حاجة، وتعزيز روح التضامن المجتمعي، تمثل صمام الأمان الإنساني في زمن الأزمات. ففي رمضان، تتجدد القيم التي تحمي المجتمع من التفكك، وتؤكد أن الرحمة والتراحم أقوى من الجوع والحصار، وأن يد الخير حين تمتد بين الناس قادرة على ترميم ما هدمته الحرب