وكالات/ الاقتصادية
بعد 4 أعوام على الغزو الروسي لأوكرانيا الذي وضع حداً مفاجئاً لسنوات الازدهار التي عاشها قطاع العقارات طوال عقد كامل، تأتي حرب أخرى على بعد نحو 1600 ميل إلى الجنوب لتُهدد الآن بخنق التعافي الذي كان المستثمرون ينتظرونه منذ ذلك الحين.
أدى الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران إلى قفزة كبيرة في أسعار الطاقة، ما يزيد المخاطر على قطاع شديد الحساسية لأسعار الفائدة عند تقييم الأصول فيه.
وإذا استمر الصراع لفترة طويلة، فسيعني ذلك تسارع التضخم وانتقاله سريعاً إلى تكاليف الاقتراض. حتى قبل اندلاع الحرب، بدا أن المشترين غير متحمسين لفرص الاستثمار في العقارات التجارية رغم توافر عدة عوامل داعمة، من بينها أسعار فائدة بدأت تتراجع تدريجياً حتى الشهر الحالي، ونقص واضح في المعروض، وارتفاع عام في الإيجارات.
خفض المستثمرون المؤسسيون مخصصاتهم المستهدفة للقطاع العقاري لأول مرة منذ 2012، في حين أن التفاؤل بشأن التعافي "لا يقابله التزام فعلي بضخ رؤوس الأموال"، وفقاً لتقرير نشرته اليوم شركة "برايس ووترهاوس كوبرز" ومعهد "إيربان لاند إنستيتيوت".
سايمون تشين، نائب الرئيس للأبحاث والاستشارات في معهد "إيربان لاند إنستيتيوت"، أشار إلى أنه "كان هناك تصور بين الرؤساء التنفيذيين وكبار مسؤولي الاستثمار الذين تحدثنا إليهم بأن هذا هو العام الذي سنشهد فيه أخيراً بداية التعافي". لكنه أضاف أن هناك الآن "مخاوف من أن يكون التعافي، كما كان خلال الأعوام الثلاثة الماضية، على بعد 3 إلى 6 أشهر".
يمثل ذلك ظروفاً غير مواتية لقطاعٍ يستعد هذا الأسبوع للترويج لصفقات بمؤتمر "ميبيم" (MIPIM) العقاري المنعقد في مدينة كان الفرنسية. وسط طمأنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسواق أمس بإن الحرب ستنتهي "قريباً جداً"، وأن العملية العسكرية تسير بوتيرة أسرع من الجدول الزمني المحدد.
تُظهر بيانات شركة "إم إس سي آي" أن صفقات العقارات التجارية الأوروبية بلغت نحو 71.5 مليار يورو (82.9 مليار دولار) في الربع الأخير من 2025، بانخفاض 9% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وأشار تقرير للشركة نُشر في يناير الماضي إلى أن ضعف اقتصادات أوروبا واستمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض جعلا عام 2025 بعيداً عن أن يكون "العام المزدهر" الذي وعدت به شعارات "اصمد حتى 2025".
ويعتبر ديفيد شتاينباخ، كبير مسؤولي الاستثمار العالمي في شركة "هاينز"، أن "هذه واحدة من أطول وأسوأ فترات الركود التي شهدناها". مضيفاً: "إنها أسوأ من أزمة 2008 من حيث مدة استمرارها".
تفاؤل لم يستمر
بدأ العام بإشارات تفاؤل بأن الصفقات الكبيرة قد تعود إلى الواجهة بعد فترة توقف طويلة. فقد وجدت شركة "بروكفيلد" (Brookfield) مشترياً لبرج "سيتي بوينت"، وهو مبنى مكاتب مثقل بالديون بالحي المالي في لندن حاولت بيعه مراراً خلال الأعوام الماضية. لكن المفاوضات انهارت منذ ذلك الحين، ما أعاد البرج إلى قائمة الأصول العقارية المميزة المعروضة للبيع.
كما عرضت شركة "ديروينت لندن" مبنى "برونيل" في حي بادينغتون في المدينة للبيع مقابل نحو 300 مليون جنيه إسترليني (401 مليون دولار) في أغسطس، لكنها لم تتوصل حتى الآن إلى اتفاق لإتمام الصفقة.
وصرح الرئيس التنفيذي بول ويليامز: "نريد التأكد من أننا إذا قررنا بيع المبنى فسنحصل على سعر جيد".
أما الصفقات التي ما زالت قائمة فتواجه أسبوعاً مليئاً بالتوتر على الريفييرا الفرنسية، في ظل احتمال أن يسعى المشترون إلى إعادة التفاوض لخفض الأسعار تعويضاً عن ارتفاع حالة عدم اليقين واحتمال زيادة تكاليف الاقتراض.
في المقابل، يواجه البائعون خيارين: إما الانتظار أملاً في أن تنتهي الحرب سريعاً ويعود التعافي إلى مساره، أو قبول خصم سعري لتفادي خطر تدهور الأوضاع أكثر.
استمرار التراجع لفترة طويلة، رغم البيانات المتزايدة الإيجابية بشأن معدلات الشغور ونمو الإيجارات، يعود إلى أن غياب الصفقات الكبيرة يعني أن مديري الصناديق يعيدون سيولة نقدية أقل إلى مستثمريهم. وهذا بدوره يحدّ من قدرتهم على ضخ رؤوس أموال في صناديق جديدة، حتى لو كانوا يميلون إلى العودة للاستثمار في القطاع العقاري.
عقارات أوروبا
جمعت الاستثمارات المخصصة للعقارات الأوروبية نحو 5.4 مليار دولار خلال النصف الثاني من عام 2025، وهو تراجع حاد مقارنة بالتعافي التدريجي الذي كان قد بدأ يتشكل منذ وصول السوق إلى أدنى مستوياته في منتصف 2024، وفق بيانات شركة "بريكين" (Preqin).
أما المستثمرون الذين ما زال لديهم رأسمال متاح، فإن البيئة الجيوسياسية شديدة التقلب تعيد أيضاً تشكيل النقاشات حول أفضل الأماكن لتوظيف هذه الأموال. ويتمثل أحد الأسئلة الرئيسية في مدى احتمال إعادة التفكير في الاستثمارات داخل الولايات المتحدة.
شتاينباخ، من شركة "هاينز" (Hines)، أوضح أن "المستثمرين يتحدثون أكثر عن الاستثمار داخل حدودهم الجغرافية، والجميع أصبح يفضل البقاء أقرب إلى موطنه". وأضاف أنه رغم عدم وجود أدلة قوية حتى الآن على حدوث تحول كبير، فإن "المستثمرين الكنديين يمثلون عامل التوازن، وكانوا يوجهون الأموال الهامشية الجديدة إلى أوروبا".
من المتوقع أن يشتد هذا النقاش خلال الأسبوع الجاري، على الأقل بالنسبة لأولئك القادرين على الوصول إلى جنوب فرنسا لحضور المؤتمر. قد تثير اضطرابات السفر الناتجة عن اتساع نطاق الصراع شكوكاً حول حضور بعض أكبر المستثمرين العقاريين في العالم القادمين من منطقة الشرق الأوسط.
رفض متحدث باسم جهاز أبوظبي للاستثمار التعليق، في حين لم يرد صندوق الاستثمارات العامة السعودي وجهاز قطر للاستثمار على الأسئلة المتعلقة بحضورهم فعالية "ميبيم".
وقال نيكولا بوفي، مدير المؤتمر: "بينما نتطلع إلى الترحيب بالمجتمع العقاري العالمي في كان، فإن قلوبنا مع أصدقائنا وزملائنا في أنحاء الشرق الأوسط. نحن نراقب عن كثب تطورات الوضع في المنطقة، ونبقى على تواصل مع عملائنا وشركائنا".
حرب إيران
مع دخول حرب إيران أسبوعها الثاني، ما زال من المبكر للغاية تقييم تأثيرها في فئة أصول تستغرق عادة أشهراً أو سنوات كي تعكس قيمها التطورات الاقتصادية والسياسية. رغم ذلك، فإن أسعار أسهم شركات العقارات المدرجة في البورصات توفر مؤشراً مبكراً على توقعات المتداولين.
انخفض مؤشر "فايننشال تايمز 350" لصناديق الاستثمار العقاري بأكثر من 10% منذ اندلاع حرب إيران، مع تسارع موجة الهبوط في بداية أسبوع التداول.
ونوّه بيتر باباداكس، رئيس قسم الأبحاث لأوروبا وآسيا والمحيط الهادئ في شركة "غرين ستريت" (Green Street)، بأن الأسواق العامة تتحرك أولاً ثم تحاول العثور على تفسير لاحقاً.
اختتم بقوله في رسالة عبر البريد الإلكتروني: "هذا لا يعني أن السوق العامة لا تصيب نقاط التحول في كثير من الأحيان. بل إنها تفعل ذلك. من هذا المنطلق، ينبغي للمستثمرين في الأسواق الخاصة أن يكونوا أكثر قلقاً اليوم بشأن اتجاه أسعار العقارات خلال بقية 2026 مقارنة بما كانوا عليه قبل عشرة أيام، دون أدنى شك".

