غزة/ الاقتصادية
على مدار سنوات، لم تستجب السلطة الفلسطينية لكثير من النصائح من قبل الخبراء بضرورة ترشيق جهازها الإداري، وتخفيض فاتورة الرواتب التي هدت "حيل" السلطة قبل السابع من أكتوبر 2023، إذ لم يتقاض موظفو القطاع العام رواتبهم كاملة منذ تشرين الثاني 2022، ما يعني أن الازمة المالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية ليست وليدة عامين ونصف من الحرب، وإن تسببت بتعميقها، ولكنها حصاد سنوات من إدارة المال العام ورفع حجم الإنفاق رغم محدودية الإيرادات.
الخيار الأسهل تكلفته عالية المخاطر
ومع ذلك، مازالت السلطة الوطنية تلجأ إلى حلول "ترقيعيه" في تسيير شؤونها المالية في ظل أزمة تهدد وجودها كما ورد على لسان وزير المالية د. اسطيفان سلامة، فالحكومة كلما أقفلت الأبواب أمامها، لجأت إلى الخيار الأسهل وهو الاقتراض من القطاع البنكي، رغم تحذيرات الخبراء بأن الاستمرار في هذه السياسية بات يهدد استقرار القطاع المصرفي ويشكل خطرا على قدرته على الصمود خاصة في ظل ارتفاع المخاطر السياسية وعدم تقديم ضمانات كافية وحلول وخطط واضحة.
البنوك أقرضت الحكومة أكثر من رأسمالها
وأشار محللون وخبراء اقتصاديون إلى أن وصول الدين الحكومي إلى نحو 3.6 مليار دولار يعني أن البنوك أقرضت الحكومة من الناحية العملية أكثر من قاعدة رأس مالها البالغ نحو 2.5 مليار دولار، لذلك لا يجوز بأي حال من الأحوال ممارسة مزيد من الضغط على البنوك للحصول على تسهيلات بنكية لغرض تمويل فاتورة الرواتب أو غيرها كون ذلك باتت يشكل عبئًا على الجهاز المصرفي ويهدد استقراره، مؤكدين أن الحكومة يجب أن تبحث عن خيارات أخرى وليس الاعتماد فقط على رفع الدين العام، وزيادة الاقتراض من البنوك، لأن ذلك له تداعيات خطيرة سواء على صعيد استقرار الجهاز المصرفي أو على صعيد الدورة الاقتصادية.
يقول خبير اقتصادي لـ"صدى نيوز" إن اقتراض الحكومة من الجهاز المصرفي ليس أمراً مفتوحاً إلى ما لا نهاية، فهناك معايير مصرفية وجب الالتزام بها، خاصة أن الحكومة الفلسطينية تفتقد لبعض الأمور الواردة في معايير بازل وهي قواعد دولية تحكم عمل الأنظمة المصرفية عبر العالم لضمان استقرارها، ومنها على سبيل المثال ضرورة أن تكون الجهة الحكومية التي تحصل على قروض عبارة عن دولة تتمتع بسيادتها وتسيطر على مواردها، وذلك ضرورة توفر بنك مركزي، وأن يتم اقرار الموازنات من قبل برلمان منتخب، قائلاً "السياسة الحكيمة في إدارة المخاطر تقتضي التوقف عن منح قروض للحكومة في ظل ارتفاع المخاطر السياسية، خاصة أن تلك القروض لا تخصص لتعزيز مشاريع إنتاجية وإنما لدفع رواتب، ولا توجد حكومة في العالم تقترض لغرض دفع الرواتب، وإنما الاقتراض يكون لصالح إنشاء مشاريع تطويرية او إنتاجية".
يعتقد الخبراء أن تجاوز الدين العام الحكومي نسبة الـ 130% مقارنة من الناتج المحلي الإجمالي، ووصول قروض الحكومة وموظفيها إلى نحو (5) مليارات من أصل نحو (12) مليار دولار تسهيلات ممنوحة يشعل الضوء الاحمر امام الجهاز المصرفي للمكافحة لعدم حدوث اضطرابات خطيرة في استمرارية اعمالها المصرفية والتشغيلية، وما يترتب على هذا الاضطراب من تبعات تسونامية ليس فقط مالية او اقتصادية وانما ايضا اجتماعية وسياسية اسوة بما حدث في العديد من دول العالم ومنها المجاورة والتي انهار فيها اقتصاد الدولة كاملا وانفرط عقدها الاجتماعي والسياسي بعد ان سقطت الثقة في النظام المالي والمصرفي تحديدا، والتي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير وجعلت الناس حتى الموالين منهم يعيدون ترتيب صفوفهم الاجتماعية والسياسية.
ويضيف "في فلسطين الجهاز المصرفي مازال يتمتع بمتانة واستقراراً، ووضعنا إجمالا أفضل من دول عربية شقيقة، لكن استمرار الحكومة في الحصول على تسهيلات دون وجود ضمانات للتسديد من شأنه أن يشكل مخاطر جسيمة". ويلفت إلى أن منح الحكومة وموظفيها والشركات التي تورد الخدمات إليها نسبة عالية من التسهيلات يعني حرمان الدورة الاقتصادية من تسهيلات كانت تفترض أن تذهب لدعم مشاريع إنتاجية".
المطالبة بحلول خارج القطاع المصرفي
وطالب الخبير الحكومة بالبحث عن حلول أخرى خارج القطاع المصرفي، وفي مقدمتها إعادة هيكلة جهازها الإداري لتخفيض النفقات، وكذلك وضع حد أعلى للرواتب الحكومية، وربما أيضا منح إجازات بلا راتب لشرائح وظيفية أسوة بما فعلت دول أخرى إلى حين انتهاء الأزمة وعلى رأس هذه الدول هي الولايات المتحدة التي تحكم العالم سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وكذلك البحث عن تخصيص قطاعات حكومية، أو بيع أصول مملوكة للدولة.
كما أكد الخبير ضرورة عدم المراهنة على المستقبل وانتظار "المجهول"، داعياً السلطة الفلسطينية إلى خوض معركة سياسية وقانونية مع اسرائيل لتحصيل أموال المقاصة كونها تشكل ثلثي ايرادات الخزينة العامة، ولا يمكن للسلطة الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين دونها.
تحذير من مخاطر هيكلية على الاقتصاد والقطاع المصرفي
من جهته، يقول الخبير الاقتصادي د. سعيد صبري لصدى نيوز إنه في ظل الأزمة المالية المتفاقمة التي تواجهها السلطة الفلسطينية، يبرز تساؤل جوهري حول مخاطر استمرار الاعتماد على القطاع المصرفي كمصدر رئيسي لتمويل العجز المالي.
ويقول "لعبت البنوك الفلسطينية خلال السنوات الماضية دوراً مهماً في توفير السيولة للحكومة من خلال القروض والتسهيلات الائتمانية، الأمر الذي ساهم في الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار المالي في فترات صعبة. إلا أن استمرار هذا النهج في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة قد يخلق مجموعة من المخاطر الهيكلية على الاقتصاد والجهاز المصرفي في آن واحد".
يؤكد د. صبري أن أول هذه المخاطر يتمثل في ارتفاع درجة انكشاف البنوك على الدين الحكومي. فكلما ارتفعت نسبة القروض الممنوحة للحكومة ضمن محافظ الإقراض، ازدادت حساسية القطاع المصرفي تجاه المخاطر السيادية. ويشير إلى أن حجم اقراض القطاع المصرفي للبنوك يعكس الدور الكبير الذي لعبه القطاع المصرفي في دعم الاستقرار المالي خلال السنوات الماضية، لكنه في الوقت نفسه يرفع درجة حساسية البنوك لأي تعثر محتمل في المالية العامة أو تأخير في السداد.
أما المخاطر الثانية -حسب صبري- فهي ترتبط بتأثير ذلك على الدورة الاقتصادية. فعندما تتجه السيولة المصرفية بشكل متزايد نحو تمويل الحكومة، تتراجع قدرة البنوك على تمويل القطاع الخاص، خصوصاً الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني.
ويقول "هذه الظاهرة تُعرف اقتصادياً بمزاحمة القطاع العام للقطاع الخاص، حيث يؤدي توسع الاقتراض الحكومي إلى تقليص فرص التمويل المتاحة للاستثمار والإنتاج، ما ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي وفرص العمل".
ولفت إلى أن استمرار هذا النمط من التمويل قد يضع ضغوطاً إضافية على استقرار الجهاز المصرفي نفسه. فالبنوك الفلسطينية بنوك تقوم على ادارة انشطتها على اساس معايير مهنية بحتة وتستمد من هذا الالتزام بهذه المعايير الثقة التي يمنحها اياها جمهور المتعاملين وعلى راسهم اصحاب الودائع، حيث تعتمد البنوك بدرجة كبيرة على كفاية ادارة مستويات السيولة لديها بما يحقق توازنا مدروسا بدقة بين متطلبات كافة المتعاملين معها من مودعين ومقترضين وبنوك مراسلة خارجية
ضرورة تنفيذ إصلاحات مالية
أما فيما يتعلق بالحلول، فيقول د. صبري لصدى نيوز إنه من الضروري أن تتجه السلطة الفلسطينية إلى خيارات تقلل الضغط على القطاع المصرفي بدلاً من تعميقه. ويبدأ ذلك بإصلاحات في المالية العامة تشمل تحسين كفاءة التحصيل الضريبي، وتوسيع القاعدة الضريبية، إضافة إلى ضبط النفقات العامة وتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية التي تولد نمواً وإيرادات مستدامة.
كما يمكن للحكومة العمل على تنويع مصادر التمويل من خلال أدوات بديلة مثل السندات التنموية أو أدوات التمويل الموجهة للمغتربين الفلسطينيين والمؤسسات الاستثمارية، بما يسمح بجذب مدخرات جديدة دون الاعتماد المفرط على البنوك المحلية. كذلك يمكن تعزيز التعاون مع المؤسسات المالية الدولية لتوفير خطوط تمويل ميسرة مرتبطة ببرامج إصلاح اقتصادي.
ويعتقد صبري أنه في المدى المتوسط، يبقى الحل الأكثر استدامة مرتبطاً بتحفيز النمو الاقتصادي نفسه. فكلما توسعت القاعدة الإنتاجية وارتفعت الإيرادات المحلية، تراجعت الحاجة إلى الاقتراض الداخلي. وبذلك يمكن إعادة توجيه السيولة المصرفية نحو دعم الاستثمار والقطاع الخاص، وهو ما يشكل أساساً حقيقياً لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي في فلسطين.
المصدر- صدى نيوز

